في تذكر صبري موسى


حسن داوود
Jan 25, 2018
القدس العربي

كنت مندهشا بروايته الصغيرة «حادث النصف متر» وروايته الأخرى «فساد الأمكنة»، ومندهشا كذلك باختلاف الأسلوب بينهما حين التقينا معا، ولمرّة واحدة لم تتكرّر. كان ذلك في كوبنهاغن مع كتّاب عرب آخرين، وكانت برفقتنا فرقة موسيقية مصرية، أذكر من عازفيها مهارة ناقر الدفّ في ما هو يؤدّي عزفا منفردا فاق كثيرا ما يمكن توقّعه من تلك الآلة الصغيرة، القليلة التعقيد. «شايف بيطَلّع منها إيه؟» قال لي صبري موسى، الجالس إلى جواري. كنا قد تعارفنا للتو، قبل أن ندخل إلى القاعة التي أقيم فيها الحفل الموسيقي. كان صبري موسى في منتصف ستينياته كما قدّرت، ولا أعرف إن كنت قد شاهدت صورةً له من قبل. ذاك أنني أذكر كيف فوجئت بوسامته الهادئة. ولشدة تعلّقي بكتابيه، كنت أنتظر خروجنا من الصالة لأقول له إني أغرمت بـ«حادث النصف متر»، هكذا في مخالفة لما كان يسمعه على الأرجح من إحلالها مرتبة ثانية بمقارنتها مع «فساد الأمكنة».
حين صرنا في الخارج، قلت له: أنا من معجبيك أستاذ صبري. ابتسمَ كمن تلقّى هدية، إذ أحبّ ربما أن تكون كتبه قد وصلت إلى بلد آخر وهي، علاوة على ذلك، قرئت فيه. وحين أخبرته عن طرافة «حادث نصف متر» وجِدّتها، سألني إن كنت شاهدت الفيلم السينمائي الذي اقتبس منها.
أجبته بأني أقصد الرواية، تلك التي كان من السهل تصوّرها في شريط مصوّر في أثناء ما كنت أقرأها، بل إنه، على صفحات الرواية تلك، عمد إلى إرفاق صور مرسومة ببعض الفقرات، ليس لعجز الكتابة عن إيضاح ذلك، بل لأنه كان مدركا أن إضافة الرسوم كتكرار لما كان جرى وصفه بالكلام يدفع القارئ إلى مواصلة اندهاشه بما يقرأ، أو إلى العودة إلى دهشته مباشرة بعد توقّفها، هكذا مثلما تعقب ضحكةٌ قوية ضحكةً سبقتها.
كانت القراءة آنذاك، أقصد قبل انقطاع الطرق بين الكتب العربــــية وإبقــــاء ما يصدر منها في مكان صدوره، واكتفائه بقرّائه المحليين، موسعة مجال معرفتنا بما يُكتب. كنا نقرأ ما يصدر في البلدان العربية، آتيا من مصر أو من المغرب أو من سوريا، أو مطبوعا عندنا هنا في لبنان. هكذا رأيت آنذاك، بعد قراءة «حادث النصف متر»، ثم «فساد الأمكنة» من بعدها، إنني اكتشفت كاتبا وإن عالم الرواية لن يتوقف عن الاتساع.
وعلى غرار ما كانت روايته الصغيرة مفاجئة بحيويتها وراهنيتها وجانبية موضوعها وأساسيته في آن (إذ تدور حكايتها عن موظف يسعى للقاء حبيبته في بيت مقفل، وهو، في صفحات الرواية الأولى يبحث بين معارفه عمن يمكن أن يزوّده بمفتاح، ما ينقل هذه الثيمة الأكثر حضورا في مجتمع ما قبل الزواج، وربما بعده، إلى موضوع كتابي) فوجئت بمطلع «فساد الأمكنة»، بدقة تصويره وخياليته الفائقة في الوقت نفسه.
إلى الآن ما تزال عين ذلك الطائر الناظرة إلى الصحراء، من علوّه ذاك، ماثلة في الذاكرة، محدّقة في كل شيء مهما بلغ صغره، حتى ليبدو ذاك الطائر كأنه حارس للأرض المنبسطة اللانهائية حوله. صبري موسى كتب ذلك باللغة ذاتها التي تكتب بها الروايات الكبيرة، أقصد تلك التي تُكتب فيها الرؤيا، أو اللغة التي تسعى إلى بلوغ غرابة العالم الذي تصفه.
لقد جرى الاحتفاء بهذه الرواية من محبّي هذا النوع المترفّع الأكثر أدبية. في لقائي ذاك مع صبري موسى لم يشر إلى أنني، بإطالتي الكلام عن روايته المرحة الصغيرة، إن كنت قرأت حقا روايته الأخرى «فساد الأمكنة». كان خجولا، ولم يتح لي أن أقول كل ما أحببت قوله.
لكنني ربما تمكنت من أن أمرّر كلمات أخرى أو جملا عن أدبه، بادئا بذلك عن كلام المودّة التي نشأت بيننا. ذاك لأني كنت راغبا في أن يصله كاملا تعلّقي بما كتب.
لم أعد إلى الالتقاء به مرة ثانية، بل إنني أبقيت تعلّقي بروايتيه (حيث أني لم أقرأ روايته الثالثة، «السيد من حقل السبانخ») في ذلك الزمن الذي قرأتهما فيه. كما لم أعد أسمع، أو أقرأ، خبرا عن شيء كتبه أو عن مناسبة أدبية كان حاضرا فيها. كأنه كتب ما كتبه في وقت ما من حياته ثم وضع قلمه جانبا، وراح هو يبحث عن شيء لم يبلغ أحدا ماذا هو.

٭ روائي لبناني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*