اخبار عاجلة

في المدرسة الغازي كنعانيّة



جهاد الزين
النهار
15082017

لستُ في معرض تقييم كل ممارسات العهد الجديد، ولا يجوز لأنه في بداياته ناهيك عن أن المناخ الأمني المستند إلى نضوجات محلية وإقليمية هو في تحسّن فعلي. ثم أن رئيس الجمهورية يقوم بمحاولة اقتصادية حوارية حيال قانون سلسلة الرتب والرواتب يرجو الكثيرون أن لا تكون مجرد محاولة شكلية.

هناك من وجهة نظري عورتان كبيرتان في أشهر العهد الأولى. واحدة غامضة، رغم ضخامتها، ولم يساعد العهدُ الرأيَ العام على تبديد هذا الغموض لنعرف بالشفافية الكاملة هل توزيع حوالي خمسة مليارات دولار من مصرف لبنان على المصارف المحلية هو عمل “وجودي” لصالح الاقتصاد اللبناني الأساسي أم تنفيعة لا سابق تاريخيا في نمطها في لبنان وربما في العالم من حيث أن الدولة، خلافا لجراحة الرئيس أوباما في أزمة 2008 الأميركية، لم تتملّك أي أسهم في هذه المصارف سواء المتعثرة أو التي استفادت في الطريق. كان للشفافية وحدها بقيادة رئيس الجمهورية ذي الرصيد المعنوي الأكيد أن تبدِّد الغموض وتؤكد أو تنفي صلاحية تلك الهندسة لـ”مصير” أخطر قطاع اقتصادي.

العورة الثانية هي في قانون الانتخاب. فرغم إقرار مبدأ النسبية في القانون، جعلنا هذا القانون من حيث تقسيم الدوائر الانتخابية نفهم- وربما نتفهّم- إحدى أهم الممارسات الغازي كنعانية في قوانين 1992 و1996 و 2000. وهي التقسيم غير العشوائي ولكن الوقح من حيث تعدّد المعايير: دوائر من قضاء واحد ودوائر من قضاءين ودوائر من أربعة أقضية ودوائر من محافظة واحدة ودائرتان في محافظة واحدة. هذه الغازي كنعانية تشبه تلك حين كان – مثلاً- المتن الشمالي دائرة وكل البقاع دائرة واحدة وغير ذلك من الأمثلة العنجرية.

شو هالمسخرة!!

هذه هي الغازي كنعانية بعينها كمدرسة أمنية في إدارة التنوع الطائفي والزبائني للبنان. الفارق هذه المرة أن لبنانيين “أحرارا وسياديين ومقاومين” جمعَتْهُمْ عندما اختلفوا “الروح الغازي كنعانية” في التقسيم الانتخابي الوقح. (لتذكير القارئ العربي وليس اللبناني كان الجنرال السوري غازي كنعان يقيم في عنجر على الحدود اللبنانية السورية ويحكم لبنان من هناك).

لستُ ضد تقسيم بيروت دائرتين خلافا لندب البعض. بتنا نعيش في بيروت وبسبب الحرب وإلى غير رجعة في مدينتين بيروتيّتيْن متلاصقتين ولكنهما مدينتان مثل بوسطن وكامبردج ومثل القاهرة والجيزة ومثل دلهي ونيودلهي ومثل الخرطوم وأم درمان. وهذه كلها وحدات حياتية مشتركة وليس إدارية ويعْبُر بعضَها المترو المشترك ويفصل بعضَها نهرّ جميل ونظيف وفي حالة بيروت لا النهر على حدودها مع جبل لبنان ما زال موجودا ولا جاء تقسيمها هذا كاستثناء رئيسي ومنطقي بعد “نهر” الفرز الطائفي بين شطريها الشرقي والغربي. ففي السياق الغازي كنعاني للقانون الجديد ظهر التقسيم كجزء من السلْبَطة أو التسلّط الجيري ماندري الذي طوّره النموذج العنجري في عقد التسعينات من القرن المنصرم كفرع من فروع الاستبداد الشرقي. بينما في تقسيم منسجم معياريا للدوائر كان تقسيم العاصمة سيظهر كاستثناء – تلبية ديموقراطية لمنع مصادرة أصوات كتلة مسيحية كبيرة هي “نصف” العاصمة.

من حيث تقسيم الدوائر، فإن قانون الستين “أشرف” رغم بعض الاستثناءات، لأن القضاء في الستين هو القاعدة. أي هناك قاعدة ولها استثناءات. في التقسيم الحالي لا تظهر أين القاعدة وأين الاستثناء.

لا عيب فخامة الرئيس في إعادة النظر في خيارات كبرى. ليس بإلغائها، لأن مبدأ النسبية هو مطلب إصلاحي كبير، ولكن بإعادة النظر بتقسيم الدوائر خارج بيروت، لأن التقسيم الجديد سيجعل الذكرى عن عهدك في الأجيال الآتية أنه امتداد لبعض ممارسات بارزة لتعسف الطبقة السياسية وفرضها اللامعايير التي تريد. بهذا تنقذ لا تقسيم الدوائر بل ربما النسبية نفسها. لا نريد للانتخابات المقبلة أن ينطبق عليها توصيف الراحل جو حمود لانتخابات 1992 بأنها “أنزه تزوير”!

هذا إذا وضعنا وراءنا الفضيحة الفرعية الملحقة بهذا القانون وهي التمديد مرة جديدة 11 شهراً لمجلس النواب الحالي.

أكتب هذا وقد تأنّيتُ أسابيع أن أدلي برأيي كمراقب سياسي حول القانون الجديد( باستثناء فضيحة التمديد الجديد المكشوفة) لأحاول أن أجمع أكبر قدر من الفهم والمعلومات لتعقيدات وآليات القانون الجديد المكشوفة منها والمستورة ولا زلت. طبعا الانطباع الرئيسي الذي تكوَّنَ لديّ يقوم على المعادلة التالية : هذا القانون سهلٌ في طريقة الاقتراع معقَّد في طريقة فرز النتائج.

بالنتيجة، ربما تكون هناك ثغرات كثيرة في القانون لكن المستوى البارز الذي يهدد مصداقيته بل شرعيته ومشروعيته، بعد الاستماع إلى خبراء وتحليلات كثيرين، هو حتما تقسيم الدوائر غير المبني على وحدة معايير.

في مقال قيِّم له في “الأوبزرفر” يوم السبت المنصرم وأثار اهتمام الأوساط السياسية البريطانية كتب دايفيد ميليباند وزير الخارجية العمالي الأسبق قارن فيه بين ما يحدث في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية معتبرا أن البلدين يعيشان حالة متشابهة من فوضى الحكم سمّاها ميليباند ” الضيق الأطلسي” أو “الضيق العابر للمحيط الأطلسي”.(transatlantic malaise). ويعتبر ميليباند هذه الأزمة عميقة إلى درجة ينقل فيها معلومة مدهشة تدل أين يمكن أن يصل تردّي الحالة في أميركا وهي أن استطلاعا للرأي أظهر أن نصف الناخبين الجمهوريين سيؤيدون دونالد ترامب لو قرر تأجيل الانتخابات!.

مناسبة المقال بريطانياً هي التخبط الواضح في مقدرة الحكومة البريطانية على إيجاد بدائل غير مؤذية خلال الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت) وهو ما يسميه “إيذاء ذاتي للاقتصاد”. أما المقارنة فهي مع العجز الراهن الذي يظهر في المؤسسات الأميركية عن إيجاد بدائل لنظام الرعاية الصحية الذي وضعه عهد باراك أوباما (أوباما كاير) أو حتى عن الخروج منه. الدعوة في المقال هي أن الكاتب يطالب الحكومة بمساعدة البرلمان والرأي العام معا على الخروج من فوضى الحكم لأنها المسؤولة عن ذلك.

أسوق هذا السجال البريطاني كدلالة على أن النقاش المفتوح حول خيارات كبرى في بلدان كبيرة يظل مفتوحا على التراجعات أو التعديلات خصوصا إذا كانت تمس مسائل أساسية، والمطلوب في مجال قانون الانتخابات أن يبادر رئيس الجمهورية أيضا إلى طاولة حوارية تستدرك عملية محاصصة شارك فيها، مع القوى الأخرى، التيار المحسوب عليه.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*