«في البيت» … معرض يحاكي عراقة المنازل البيروتية

الحياة
22122017


يعود بِكَ معرض «في البيت»  الذي أقيم في منزل آل بستاني في شارع مار مخايل– بيروت، إلى عام 1873 حين كلّف سليم حبيب البستاني مهندسًا معماريًا إيطاليّ الجنسية بناء بيته الذي يجمع بين ثناياه روحية التصاميم الإيطالية والرومانية إنّما في حلّة لبنانية عريقة.

يطالعك في المعرض رسم «بورتريه» لفيكتور، ابن سليم وآديل البستاني، الذي كان كيميائيًا يصنع الأدوية، وقد عُثر في مختبره الكائن في كهف داخل حديقة المنزل، على عقاقير أعدّها بنفسه، ووُضِع بعضها إلى جانب رسم الـ «بورتريه» هذا الذي يستحضر الماضي العريق لآل البستاني.

بدأت حكاية معرض «في البيت» عندما اشترى نبيل دبس وزوجته زوي المنزل وقررا أن يجعلا منه مركزًا للفنون والمعارض، يحتضن المبدعين، ويخصص الطوابق العلوية للإقامة، تحت مسمّى نادي بيروت للفنون “بيروت  أرت  كلوب”، وهو الثاني من نوعه بحيث هناك نادٍ آخر مماثل في الجميّزة.

كان توم يونغ الفنان التشكيلي البريطاني الذي عمل على إعداد لوحات معرض «في البيت»، وهو متخصص في العمل على البيوت الأثرية في بيروت، حيث اشتغل على معارض تضمّنت رسوماً لبيوتات وأماكن تراثية، مثل «فيلا باراديزو»، منزل الزهر، بيت فيروز وفندق الـ «هوليداي إن». كما عمل على لوحات لبيت البستاني العام الفائت قبل أن يشتريه آل دبس، إلا أنّه عدل عن فكرة المشاركة في المعرض الذي أقيم فيه لاكتشافه أن المالك القديم يسعى إلى هدم القناطر وبناء برجين في الحديقة. في أحد معارضه وضع يونغ لوحات بيت البستاني، فما كان من زوي إلا أن اتّصلت به وأخبرته أنها وزوجها قد اشتريا المنزل وعرضا عليه إكمال المشروع الذي كان يحلم بإقامته فيه. ومن هنا كانت فكرة المعرض الذي استغرق الإعداد له شهرًا من العمل الدؤوب.

وبما أن رؤية يونغ للمكان القائمة على التشارك تلتقي مع نظرة نبيل وزوي دبس، فقد دعا فنانين إلى مشاركته في هذا المعرض الذي بات أشبه بحوار فني بين الإبداعات والمواهب المختلفة. فشارك كلّ من نور حيدر (فنانة تركيبية) والمصوّر الفوتوغرافي كريم صقر وفنانة الأداء الكندية نادين سوريز.

يعتبر يونغ أن بيروت باتت مدينة وحشية سريعة التحوّل مع الحفاظ على القليل من الجماليات. وهذا ما يسعى إلى إظهاره في لوحاته التي رسمها، عن بُعد، ومن اتّجاهات عدة، ملقيًا الضوء على ذاك التناقض القائم بين المباني التراثية والنفحة العصرية للمدينة، وكأنّه يخلق سجالًا بين الماضي العريق والحاضر المشوب بعصرية لا تراعي أصالة التراث. وهو يرى أنّه في ذلك يتّخذ مسافة معيّنة من الحاضر ويقبع حيث يشاء أن يكون.

ولا يغفل يونغ في رسومه الهموم البيئية فيتطرّق إلى التلوث في المدينة، كما يرسم محطات القطار التي تحاكي بتصميمها شكل واجهة المنزل ونوافذه، مسلّطًا الضوء على موضوع لا يقلّ أهمية عن عدم الحفاظ على تراث المدينة وهو تدمير البنى التحتية للنقل العام فيها. وفي المعرض لوحات لمعالم أثرية في شارع مار مخايل يطغى عليها الطابع الحزين فنشعر أنها تتلاشى شيئًا فشيئًا، من خلال الألوان والإضاءة المستخدمة، وكأنّها تُحتضر. ولا نغفل ذكر المؤثرات الصوتية الـمُصاحبة التي هي عبارة عن تسجيل لأصوات البيت في خطوات الداخلين إليه وحركة أبوابه. ويرى يونغ في التعاون مع فنانَين لبنانيَّين، هما صقر وحيدر، تجربة مهمة لأن على الفنانين اللبنـانيين التماهي مع تراثهم وعراقة بلدهم.

تجدر الإشارة إلى أن الطابقين العلويين في البيت كانا مؤجَّرين إلى القيادة العسكرية البريطانية، وهناك تعرّف الضابط الإسكتلندي فرانك على جورجيت ابنة المنزل فتزوجا وعاشا فيه. واستوحت نادين سوريز عرضها من صور زفافهما ومن قصة المرأة التي تعاني من تبعات علاقتها غير السوية بالرجل ومن معارضتها مؤسسة الزواج. فقد أخذت الغطاء البلاستيكي الشفاف الذي كان يغطي سطح المنزل وصنعت منه ثوب زفاف لعروس مجهولة تصارع الحاضر وتقتفي آثار الماضي.

ولئن كان هذا العرض يستلهم من تاريخ المنزل بعض أفكاره، فإنه يذهب بعيدًا في عرض معاناة الفنانة ورؤيتها الخاصة لوضع المرأة في الشرق.

أمّا نور حيدر فوضعت في المعرض بعض لوحاتها التجريدية التي تحاكي أعمال يونغ، فضلًا عن صناعة الثريا من دوائر تحتوي على خصل من شعرها والرسوم التي ابتدعتها لهذه الخصل. كبرت نور في الحرب اللبنانية تتنقّل من مكان إلى آخر، حيث ترمز تلك الخصل التي قصّتها من شعرها إلى المراحل التي فقدتها في حياتها خلال التنقّل المستمر، بمقاربة أنثوية بارزة. وهذا يتماهى أيضًا مع تاريخ هذا المنزل الذي راح يتلاشى شيئًا فشيئًا.

وفي المعرض لوحة أعدّها أطفال سوريون وفلسطينيون وأيتام لبنانيون شاركوا في ورشة عمل للرسم مع كل من يونغ وحيدر، وتُظهر هذه اللوحة المنزل وحديقته.

(سيجري العمل على تجديد المنزل في بداية عام 2018، على أن يُستأنَف المعرض في كانون الثاني (يناير) المقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*