في أسرع وقت ممكن


سمير عطاالله
النهار
23052018

في مرور 70 عاماٌ على اقامة اسرائيل وتذويب فلسطين، كان المشهد متعادلاً تقريباً: يأس من احتمال قيام الدولة الفلسطينية، ويأس من فك الحصار الوجودي حول اسرائيل. بضعة آلاف فلسطيني، بعضهم على كراسي متحركة، وبعضهم يستخدم المطاط لرمي الحجارة، يثيرون مشاعر العالم، أكثر من “الدرون” المتطورة. وإذ تشتعل الحرائق السوداء في غزة، تُضاء أنوار القدس الترامبية، وإناقة ايفانكا، وخطاب “ملك اسرائيل: “يا له من يوم في تاريخ اسرائيل”.

بما ان نتنياهو يمكن ان يضع يده على أي شيء في سبيل غايته، فإن المقطع مأخوذ من الفيلم الموسيقي “أوكلاهوما” الذي يبدأ مشهده الأول بأغنية “يا له من صباح جميل – يا له من يوم جميل”.

نحو مائة قتيل وأربعة آلاف جريح لا يشكلون يوماً جميلاً. يا له من يوم معيب. وسبعون عاماً، لا شيء فيها يدعو الى الاحتفال، لا المحتل الذي وسّع دائرة الاحتلال، ومعها دائرة العزلة والحصار، ولا الضحية التي تكبر من حولها دائرة العجز العربي وعدمية الاخلاق الدولية.

المسألة لم تبدأ يوم الحرائق السوداء في غزة. فهذا العالم العربي، لم يقدم سوى أعلام أميركية محروقة في الشوارع، أو دواليب عتيقة يدل سوادها على الظلام، لا على النور. ولم يقدم سوى الحروب والهزائم. ولم يملأ ملأ الأمة سوى صراخ ونحيب وعويل وندب.

70 عاماً من الوعيد والنحيب. قوات لا تجيد حتى الانسحاب، بشيء من قيافة العسكر. عسكر ينتصر فقط داخل الحدود، والحدود تصغر وتضيق ولا تعود تشكّل اوطاناً، بل جحيماً.

الاسبوع الماضي شيّعت مصر خالد محيي الدين، آخر عضو في مجموعة “الضباط الاحرار”. وقد كان إنساناً حراً حقاً: ضابط أصر على التزام الديموقراطية، وشيوعي أصر على جميع حريات الفرد. وعلى رغم اشتغاله في السياسة نحو ستة عقود، ظل خالد محيي الدين نزيهاً، كريم الاخلاق، مترفع النفس، مستقيماً مثل حربة.

هذا الضابط الوطني المحترف كتب في مذكراته بعد الكارثة التي حلّت بالجيش المصري عام 67 ، أن المشير عبد الحكيم عامر كان رجلاً طيب القلب، يحب السهر وفصوله، ويكره ان يستيقظ باكراً. أي أنه باختصار لم يكن أهلاً لأن يكون قائداً أعلى للقوات المسلحة المصرية. على الأقل ليس في حزيران 67 وفجر الخامس منه!

الرئيس عبد الناصر نفسه كان قد قال هذا الكلام لمحمد حسنين هيكل عندما ابلغه انه كان يجب عزل المشير بعد انفصال سوريا عن الوحدة مع مصر 1961 بسبب الاخطاء التي ارتكبها في الاقليم الشمالي.

غاب العقل العربي بعد 1948 فيما أخذت الحركة الصهيونية تجمع العقول الاميركية والاوروبية والروسية اليهودية، وتفرغ العالم العربي أيضاً. وقرر العسكريون العرب أنهم هم الجيش، وهم العقل، وهم العلوم، وهم القانون، وهم الجامعات، وهم النظام الاجتماعي، وهم حتى الثقافة.

ولا تضحك. لكن ثروت عكاشة كان أنجح وزير للثقافة في تاريخ مصر. لكن ثروت عكاشة أتى مرة واحدة مثل فؤاد شهاب وسوار الذهب. تحولنا الى مجتمعات عسكرية، فلما انهزم العسكر، هُزمت المجتمعات ودُمرت تلك النفس الأبيىة. لم يجمع الاتحاد السوفياتي بين العسكر والحزب، على رغم الايديولوجيا الواحدة. وظل ديغول طوال حياته يشير في كلامه الى “الروسيا” لا السوفيات، لاقتناعه ان الايديولوجيا ظاهرة موقتة مهما طالت.

فعل العسكريون العرب ما يفعله أي عسكري آخر عندما تضعف الحياة المدنية أو تهترىء: انقضوا على المدنيين، ثم بعضهم على البعض. وعندما دخلوا الاحزاب ، حولوها الى عسكر ومدنيين وطردوهم. وفي الفوضى التي عمّت العالم العربي، غابت المشاريع، وذابت الثروات، وتراجع العلم، وشاع الفقر، وعم الفساد، ولم يبقَ واقفاً سوى الشعارات، ينفخ فيها هواؤها وترفرف بهوائيتها المليئة بالخواء.

في غياب الفكر والمنطق قيل إن الحل في انهاء الملكيات وكأننا فرنسا، أو بريطانيا التي تنتظر كرومويل، فكان إن حلّ عبد الكريم قاسم “زعيماً أوحد”. وقيل انه في انهاء الديموقراطيات. واتهمت الحرية بالخيانة. وخلف الابواب التي اطبقتها الانظمة على الظلام، عششت طيور العتم. ورمي عصر النهضة بالخيانة. ومُنع العلم على انه استعمار. ولما أغلقت دروب فلسطين كلها، قيل لهم لماذا ليست الاردن، أو لبنان، أو الكويت. وفي غضون ذلك كانت مساحات فلسطين نفسها تتضاءل. وحتى هذه المساحة قسّمت وجزِّأت وتفردت غزة بمواويل “حماس”.

سبعون عاماً من العبث والضياع ومعاداة العقل والعالم والحرية.

يقف الفلسطينيون قبالة أرض العودة (عكس أرض الميعاد) وكل شيء أمامهم متضائل: الأمل، وما بقي من فلسطين، وما تبقى من العرب. سبعون عاماً مضت على القرار 194 الذي ينص على عودة اللاجئين “إلى ديارهم في أسرع وقت ممكن”.

خسروا مرتين: الأولى عندما اعتمدوا على العرب و”لاءاتهم”، والثانية عندما قدم لهم الحسن الثاني فخ “القرار الوطني المستقل” وفرحوا به. “مستقل” عمن؟ صحيح ان الاتكال على العرب مغامرة في متاهاتهم ونزاعاتهم وثأراتهم المتوالدة، لكن أيضاً من هم الفلسطينيون من دون شعبهم وامتهم وجذورهم؟ فلسطين لم تقتطع من فلسطين، بل من العرب في مأدبة تقطيع المنطقة برمّتها الى مخافر نفوذ وإلى ترضيات للخاسرين، مثل تركيا.

آنذاك، قررت روسيا أن تبقى بعيدة بسبب اوضاعها الداخلية عشية البلاشفة، لكن ها هي ترعى الآن تحت عنوان بوتين-لافروف، ما اقيم قبل قرن تحت اسم السير سايكس والمسيو بيكو. هو، ربّاع سوتشي من سيقرر حصص اللاعبين المستجدين: تركيا وايران وما يبقى للولايات المتحدة بعد خطة ترامب للشرق الجديد.

كل شيء غامض وموقت في الخريطة إلاّ غياب العرب وانقسام الفلسطينيين. كلاهما، الغياب والانقسام، الثابت الوحيد منذ 70 عاماً.

لم يقدم العرب سوى ما أرغمهم الامر الواقع على تقديمه: المؤتمرات والقرارات والملاجىء. ومن منهم قدم نصيحة العقل، اتُّهم بالخيانة، وكأنه احتكار صهيوني. الوحيد الذي صبر على وضع خطة عسكرية ونجح فيها كان أنور السادات. لكنه سرعان ما دمرها في مغامرة سياسية زادت في تفريق العرب وتشتيت الفلسطينيين.

تمتع العرب في انكسار مصر في هزيمة 67 وفي نصر 73. النيات كانت واحدة في الحالتين: إذا خسر عبد الناصر فليتعلم، وإذا ربح السادات فمن هو لكي يستحق الربح. سبعون عاماً من قطار الهزائم والوعود الصاخبة والنزاعات. لم يبق ملازم إلا وخرج من ثكنته في الطريق لتحرير فلسطين. ومن لم يكن ملازماً، كان ثائراً قرأ للتو ماكسيم غوركي، وقرر انه حفظ درس الخلاص، والتجلي ينتظره على الباب. عندما كنا نلوك ونعلك القرادية نفسها، كانت اسرائيل تبيع الصين برنامج الفانتوم الأكثر تطوراً من البرنامج الاميركي. وعندما كنا نأمل – عن حق – في مساعدة من السوفيات، طردناهم بما لا ينسى. ولا يزال اليهود الروس يذكّرونهم بذلك كل يوم. ثلاث مرات زار نتنياهو فلاديمير بوتين في عام واحد. أمة تقف في العراء مطالبة بالعودة الى اراضيها: من أي أراضٍ نبدأ. وفي أسرع وقت ممكن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*