فيليب عرقتنجي وتلك المدينة التي أفقدته صوابه!


هنادي الديري
النهار
25092018

يصطحبني إلى الغاليري على دراجته الناريّة الصغيرة. يُصرّ على أن أحمي رأسي بالخوذة التي أحضرها لي. الغاليري قريبة من مبنى الجريدة ولكن وقت المُخرج فيليب عرقتنجي ضيّق، وهذا يعني أنني لن أمشي الهوينى إلى غاليري 3بيروت  القائمة في مُحيط ستاركو، ولن أستمتع بلحظات هاربة من الحرية هذا الصباح المُشمس! “بل ستعيشين الحريّة على الموتو”، يقول لي بمودّة، ضاحكاً من كل قلبه عندما أطلب منه صورة تذكاريّة لنا على الموتو، “أكيد، ليش لا”؟

في الطريق، أكتشف أن فيليب عرقتنجي يعشق بيروت. يُعاملها كالخليلة المَحبوبة والظريفة، بعلاماتها الفارقة وعللها، بنداء استغاثتها وارتباكها وهمومها وعدم استقرارها. بجنونها وأحاديثها الصامتة وغضبها غير المُعلن عنه أحياناً. صحيح أنها تغيّرت عشرات المرّات “بفضل” الزَمن، لكن اهتمامه بها أبعد من الفهم، فهو يُريد أن يُعرّيها من تحفظّها الخارجي للوصول إلى جوهرها. ويحلم بأن يولّيها عناية مُفرطة تُجاور الهوس. يرغب في أن يُخفّف عنها كآبة الأيام ووحشتها. ابتداءً من ثمانينات القرن المُنصرم راح يلتقط لها مئات الصور “عسى وعلّ” تمكّنت هذه البراهين البصريّة من أن تكون الامتداد الحقيقيّ لأحاسيسه المجنونة حيالها. وكانت مسألة بديهيّة عندما شجّعته القيّمة على المعارض نادين زكّور أن يُخرج هذه التصريحات المُدويّة من صندوق ذكرياته وأسراره إلى الضوء لتستريح لأيام في فُسحة تليق بها، أن يُطلق على المعرض – الأقرب إلى رواية مرئيّة – عنوان “Obsessions”!

مع منتجة المعرض نادين زكور

فهذه العلاقة التي يعيشها فيليب عرقتنجي مع المدينة التي ازدهرت بفضل تناقضاتها وحروبها ونزوات سُكّانها، ليست عاديّة، بل هي التعبير الأقصى عن احتضانه لها في ظلّ كل التغييرات التي عاشتها طوال عقود. هي علاقة حُب مُستمرّة منذ أكثر من 30 عاماً تتجسّد بعشرات الصور وعمل تجهيزي يضم 3 شرائط فيديو تُبث في الوقت عينه وتظهر بيروت في أكثر من حقبة.

وجهها المُتبدّل، وروحها المُتمرّدة!

بعض هذيان حوّل العاشق المُتأنّق عرقتنجي إلى “مُطارد” يقتحم خصوصيّات المدينة الجامحة، ويختلس السمع على أحاديثها في ساعات الليل المُتأخرة. في بحثه الدائم على إظهار وجوه المدينة المُتبدّلة، كان الليل هو النديم الوفي الذي رافق المخرج في تحرّكاته بحثاً عن القصص المُتربصة خلف الهشاشة وعن الأنوثة المُتجسّدة بفتاة “معجوقة” تركض من مكان إلى آخر…لم لا! من الساعات الشاهدة على وقف إطلاق النار أثناء الحرب الأهليّة، إلى إعادة الإعمار، والبدايات ونهاياتها المحتومة، والحُب الساحر والخوف المُتزعزع وصولاً إلى تلك الشابة التي تعود لتوّها من “السهرة” وتمسك حذاءها في يدها…لحظات عرقتنجي مع بيروته مُتعدّدة، ولا تقف عدسته على مسافة من العاصمة “العصاميّة”، بل تُحاول أن تخترق الشقق المُضاءة بأحلام سُكّانها والمزدحمة بالأحاديث والغائرة بالقصص.

الزائر يُقارن ويختار أي بيروت تليق بعوالمه الداخليّة. بيروت الماضي أم بيروت اليوم. بيروت أيام الحرب. بيروت بعد الإعمار. أم بيروت أيام العز!

هندسة بيروت لم تُحافظ على وجه واحد. ألوانها مُختلطة. لباسها يُشبه الكشكول. هو مُرقّع بعشرات الأقمشة، وعشرات الحروب.

تلك البيروت التي يعشقها عرقتنجي حتى الهوس ليست مدينة واحدة.

هي عشرات المُدن تختبئ خلف وجه نبيل لعاشقة تغلّبت على الزمن بفضل قدرتها على التعرّي عشرات المرّات من تاريخها لتصنع تاريخاً جديداً.

 Hanadi.dairi@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*