فيلم «نادني باسمك» للإيطالي لوكا غوادانيينو: حكاية حب غير عادية

 

القدس العربي
Mar 24, 2018

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: يمكن للمواضيع «الحقوقية» أن تكون أساس الحكاية في أفلام تتناولها، أو يمكن أن تكون مقاربة الأفلام لهذه المواضيع مباشرةً فتكون الرسالة «الحقوقية» و«النضالية» للفيلم طاغية على ما دونها، بما في ذلك المعايير الأساسية للفيلم: السيناريو والصورة، أي ما هي الحكاية وكيف تُصوَّر.
العديد من الأفلام التي تناولت المثلية الجنسية رجّحت ـ كالعديد من الأفلام ذات الرسائل السياسية الطاغية ـ «رسالتها» على ما هو جمالي في السينما. فيلمنا هنا، «نادني باسمك»، هو المثال النقيض لذلك، وهو الأشبه في مقاربته، بفيلم بديع آخر هو « كارول» (2015) للأمريكي تود هاينز، حيث الحكاية هي الأساس، حكاية الحب بين الشخصيتين الرئيسيتين، وهي حكاية حب مثلية بين امرأتين، وحيث التصوير البديع لهذه الحكاية بجماليات سينمائية أُعطيت لها الأولوية.
«نادني باسمك» أعطــــى، كذلك، الأولوية للحكاية والتصوير، فكانت الحكاية، حكاية الحب، تلقائية وطبيعية وغير مُقحَمة على السياق الحكائي، على تطوّر العلاقة بين الشخصيتين، بين الرجلين: إيليو وأوليفر.
في مكان ريفيّ ما شمال إيطاليا، عام 1983، يصل أوليفر إلى بيت فسيح، وهو مساعد البروفيسور في الآثار، صاحب البيت. يمضي 6 أسابيع، يقيم خلالها علاقة مع ابن البروفيسور، إنّما لا تنشأ العلاقة إلا متأخراً، في النصف الثاني من الفيلم، لتأتي تلقائية، فيكون الفيلم في نصفه الأوّل حكاية قادمٍ غريب، وغريب الأطوار، إلى بيت عائلة سعيدة، حيث تتعرّف الشخصيات على بعضها وتعيش أحداثاً خفيفة ويومية تمرّر أوقاتهم والنصف الأوّل من الفيلم، وذلك إلى أن يبادر إيليو في أحد مشاويره في الطبيعة مع أوليفر، إلى تقبيله.
لم يقدّم الفيلم نفسه إذن للمُشاهد كفيلم يصوّر علاقة مثليّة، بل كفيلم يقدّم يوميات الزائر في البيت الريفي، وعلاقاته مع مستضيفيه، لتنشأ، كأنّه من حيث لا ندري، علاقة حب بين الرجلين، فأتت العلاقة في سياق حكاية دخل المُشاهد إليها عبر تصوير جمالي ملفت، في مكان بديع، بيت بديكورات ريفية «ڤانتاج»، ومليء بالكتب.
قُدّمت إذن «القضية الحقوقية» (والمثلية لا تزال قضية حقوقية كيفما قُدّمَت) ضمن شغل سردي وسينماتوغرافي بديع، فلم تأت أخيراً «كقضية» بل كاستتباع لذلك الشغل البديع، وهذا ما لا نراه في معظم الأفلام «النضالية» التي تتخذ مشروعيتها من موضوعها وموقفها الذي تتناوله بخصوصه، وليس من الجودة الفنية في تناول هذه المواضيع وطرح هذه القضايا، وهذه بالمناسبة مسألة أساسية (أو همّ أساسي) تحضر كلّما تحدّثنا عن أفلام تطرح قضايا تعيشها بلداننا العربية، حيث تحملُ القضيةُ الفيلمَ على كتفيها، وليس العكس، وهو ما يبقي الفيلم سطحياً وفجاً، ولا تعوّض القضيةُ شيئاً من هذا السوء، بل يتمدّد هذا الأخير إلى القضية ذاتها.
عودةً إلى الفيلم الذي حملت جمالياتُه القضيّةَ المطروحة، فالعلاقة التي بدت بدايةً كصداقة، أخذت وقتاً لتتخذ شكلها الفعلي، وذلك بفضل مبادرة إليو (الولد المدلّل) وليس أوليفر الذي قاوم بدايةً، والذي سيتزوّج لاحقاً ممن كانت خطيبته حين زار البيت الريفي. أمّا السند الأساسي لإليو في ذلك فكان والداه. هو ابن عائلة ميسورة، يمضي أفرادها الوقت في القراءة وعلى موائد الطعام الطويلة، ابنهم إليو يعزف على البيانو، وحسن التعليم، فكان له أن يبادر في وقت كان للآخر أن يتفادى ثم أخيراً يتزوج. والدا إليو يعرفان بمثليته، وفي حديث مكتوب جيّداً، بينه وبين أبيه، يخبره الأب أنّ كانت لديه مشاعر مشابهة للتي يعيشها لحظتها إليو، إلا أنّه لم يذهب بها إلى آخرها، كما فعل إليو وأوليفر في علاقتهما السريعة، في ممارستهما الجنسية الوحيدة في غرفة إليو.
من الواضح أن للعائلة الدّور الأساسي في مبادرة إيليو للتعبير عن ميوله الجنسية تجاه أوليفر، لمنحها الحرية، وعن حبّه أساساً، أو على الأقل انجذابه له، وهو ما لم يتمتع به أوليفر الذي كان ذكياً وصريحاً وذا شخصية قوية، والذي في الوقت نفسه تفادى الإعلان عن مثليته أو إكمال حياته على أساسها.
الفيلم (Call Me by Your Name) من إخراج الإيطالي لوكا غوادانيينو وكتابة الأمريكي جيمس آيفوري ومأخوذة عن رواية بالعنوان ذاته، وهو آخر ثلاثية للمخرج تناولت موضوعة الرغبة، بعد فيلمَي «آي آم لوڤ» عام 2005 و «أ بيچر سبلاش» عام 2015. ترشّح الفيلم لجوائز أوسكار من بينها أفضل فيلم وأفضل سيناريو وأفضل ممثل (تيموثي شالاميه ـ إيليو).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*