فيلم «ثلاثة أوجه» للإيراني جعفر بناهي: السينما في مواجهة السلطة والمجتمع

 

سليم البيك
القدس العربي
Jul 12, 2018

باريس ـ «القدس العربي» من سليم البيك: قد يكون الظرف الذي يعيشـــه المخرج الإيراني جعفر بناهي، أي منـــع السلطات الإيرانية لــــه من مغادرة إيران وكذلك التّصــــوير داخل البــلد، قد منحه فرصة لاتخاذ أسلوب سينمائي خاص به، وتطويره. هذا ما كان في أفلامه الأربعــــة الأخـــيرة، التي صوّرها بعد قرار السلطات، وهي «هذا ليـــس فيلمــــاً» عام 2011 و«ستائر مغلقة» عام 2013 و«تاكســـي» 2015، والفيلم الذي شارك في مهرجان كان الـسينمائي هذا العام ونال جائزة أفضل سيناريو، «ثلاثة أوجه».
استطاع تلميذ عباس كياروستامي، وقد كان مساعدَ مُخرج لديه ليكون الآن من بين أفضل المخرجين في إيران، استطاع أن يتكيف مع الظروف الجديدة التي خضع لها، وذلك بعد إنجاز أفلام جيدة أخرى، بدأت بفيلمه الأوّل «البالون الأبيض» عام 1995 والذي نال جائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي (جائزة الفيلم الأول)، مروراً بفيلم «الدائرة» عام 2000 والذي نال جائزة الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي، وصولاً إلى «أوفسايد»، فيلمه الأخير قبل قرار الحظر.
في هذا الفيلم، الذي بدأ عرضه مؤخرا في الصالات الفرنسية، كما في «تاكسي» اعتمد في التصوير على كاميرا مثبّته في السيارة، وكان هو كذلك شخصية رئيسية في الفيلم، هو كممثل ولكن، هنا تحديداً، كممثل يؤدي دور المخرج الإيراني جعفر بناهي، وهذا ما جعل الفيلم يمزج بين الوثائقي الواقعي والروائي التخييلي، فبين لقطة وأخرى يحتار المشاهد إن كان ما يحصل هو مكتوب مسبقاً ويتم تمثيله أم أنّه عفوي تلقائي خارج عن تحضيرات المخرج.
يبدأ الفيلم بتصوير من كاميرا تليفون لفتاة تبكي وتوجّه رسالة إلى الممثلة الإيرانية بهناز جعفري تطلب منها القدوم لإقناع أهلها بالسماح لها بتعلّم التمثيل، الرسالة أرسلتها صديقة الفتاة إلى تليفون المخرج بناهي، الذي أخبر جعفري بذلك ليذهبا معاً إلى قرية الفتاة النائية شمال غرب إيران، للبحث عن الفتاة التي ظهرت تشنق نفسها في آخر التسجيل.
التسجيل كان مقدمة وبعده نرى بناهي وجعفري، كل منهما يمثّل دوره الواقعي في الحياة، في السيارة يمضيان إلى القرية التي سيصلانها صباح اليوم التالي.
يصلان إلى القرية، يستقبلهما الناس البسطاء بترحاب، كضيفين مشهورين قادمين إلى قرية على الحدود الإيرانية التركية، وحين يعرف القرويون أنهما يبحثان عن الفتاة عينها يبتعدون عنهما، فتلك الفتاة وعائلتها غير مرحب بهم في القرية، لأسباب اجتماعية، وهذه الأسباب ستسيطر على عموم الأجواء في القرية، حيث المجتمع المحافظ والمتديّن، إنّما في هذا المجتمع تتواجد هذه الفتاة التي تحلم بأن تصير ممثلة، وجعفري هي مَثَلها في ذلك، وتتواجد كذلك ممثلة وراقصة إيرانية من مرحلة ما قبل الثورة الخمينية في إيران، اسمها شهرزاد، ولا تظهر على الشاشة، إنّما نسمع عنها، وقد عزلها أهل القرية من جهة والدولة من جهة ثانية وزملاؤها في العمل من جهة ثالثة، نسمع عنها كراقصة وممثلة تجلب العار لمن معها.
هنا نفهم من أين أتى عنوان الفيلم، «٣ أوجه»، فهي ثلاثة أوجه لثلاث ممثلات: شهرزاد وجعفري والفتاة، بثلاثة أجيال: جيل ما قبل الثورة والجيل المعاصر لها والجيل الذي يعيش نتائجها. الأولى، شهرزاد، باتت معزولة، والثانية ممثلة مشهورة في مسلسلات تلفزيونية، والثالثة يكاد المجتمع أن يتسبب بانتحارها.
لا يدور الفيلم حول البحث عن الفتاة، فبناهي وجعفري يجدانها في النصف الأول منه، وقد كان تصويرها لانتحــــارها تمثــــلاً وحثاً للاثنين كي يأتيا، بل هو بحث عمّا يمكن أن تكون عليه أحلام هذه الفتاة وغيرها، الجيل الشاب الآن في إيران، ومستقبل غامض ينتظره، خاصة في مجال الفنون، فالمخرج بناهي نفسه محظور من التصوير في إيران، وهذا تفصيل نمر عليه في الفيلم ذاته، إذ تخبر جعفري أحدَ الرجال في القرية الذي يطلب منها إيصال رسالة إلى ممثل شهير، من زمن ما قبل الثورة، تخبره بأنّها قد لا تراه لسنين، يسألها عن المخرج بناهي، فتخبره بأنه ممنوع من مغادرة البلد، والممثل المذكور ممنوع من دخول البلد.
لا يمكن التغاضي عن فكرة أن الفيلم يشكل وثيقة سينمائية تدين النظام الإيراني، لا لمضمونه، وقد استحقّ سعفة ذهبية لأفضل سيناريو، إنّما لطبيعته، لشكله، للظرف الذي وضعت السلطات الإيرانية بناهي فيه ليَخرج بفيلم وإن في حدود دنيا من مستلزمات صناعة الأفلام: الفِرق التقنية واللوجستية وغيرها، إنّما هو فيلم ناجح. أما ظروف مُخرجه والمتاح له في كيفية التصوير، إذ ذهب إلى قرية نائية كي يستطيع ذلك، يزيد من قيمة الفيلم المنجَز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*