«فيفا زاباتا»… أسطورة الحرية الحية في مخيلة المناضلين

 

القدس العربي
Jun 20, 2018

برلين ـ من زيد خلدون جميل: يهتم المخرجون والمؤلفون دائما بنهاية أي فيلم، ولكنهم على الأغلب يفشلون في سعيهم، فبعد متابعة الأفلام نفاجأ بشكل عام بنهاية مخيبة للآمال. ومع ذلك فقد كانت النهاية سببا لاشتهار بعض الأفلام، ومنها «ذهب مع الريح» (1939) الذي أثارت نهايته جدلا واسعا لأنها لم تكن نهاية فعلية، حيث بقيت البطلة (فيفيان لي) تأمل في أن تلتقي حبيبها (كلارك غيبل) الذي يترك المنزل غاضبا ويهجرها ليختفي في الضباب. ومن الأفلام التي أشتهرت بنهايتها أيضا «لمن تقرع الأجراس» (1943) للكاتب الأمريكي أرنست همنغواي، الذي يقاتل البطل فيه الأعداء قتالا يائسا بدون نهاية واضحة. ولكن فيلم «فيفا زاباتا» (1952)، أي «يعيش زاباتا» باللغة الإسبانية، تخطاها جميعا بنهاية لم تشمل مقتل البطل بطريقة مأساوية وحسب، بل استمرار القضية النبيلة التي ضحى البطل بحياته من أجلها. وقد جمع الفيلم عوامل أخرى لتضمن نجاحه، حيث تدور أحداث الفيلم عن أميليانو زاباتا أشهر قائد ثوري في تاريخ المكسيك، ولا يفوقه شهرة في العالم سوى جيفارا، ولذلك فقد كان الجمهور يعرف الشخصية جيدا. ومثل دور البطولة مارلون براندو، الذي كان يعد أشهر ممثل في الولايات المتحدة آنذاك، ورافق براندو في الفيلم النجم أنتوني كوين.

أما المخرج، فكان الأمريكي الأشهر حينذاك إيليا كازان. ولم يكن كاتب الحوار في الفيلم سوى الكاتب الأمريكي العالمي جون شتاينبك (1902 ـ 1968) الذي كان قد كتب قصة بعنوان «زاباتا» قبل ذلك.

الفيلم

يبدأ الفيلم بوفد من الفلاحين المكسيكيين الفقراء وهو يدخل إلى قصر الرئاسة لمقابلة الرئيسي المكسيكي، لتقديم شكوى حول استيلاء أحد كبار المزارعين الأثرياء على مزارعهم الصغيرة عنوة. ولكن الرئيس المكسيكي يطلب منهم رفع الأمر إلى المحاكم، وتقديم أوراق الملكية والعودة إلى الأراضي لتثبيت حدودها، فأجابه أحد المزارعين الشباب بأن هذا مستحيل لعدم إمكانية العودة إلى الأراضي، نظرا لقيام الثري الذي استولى عليها بإحاطة الأراضي بالأسلاك الشائكة. وأثار هذا الرد غضب الرئيس، الذي قرر إنهاء اللقاء ولكن قبل ذلك سأل ذلك المزارع الشاب بغضب عن اسمه، فأجابه «زاباتا». ويعود المزارعون العزل إلى ديارهم ويتجهون نحو أراضيهم متجاوزين أثناء ذلك السور المحيط بها ويشتبكون برجال الثري الذي استولى عليها. وهنا يقود زاباتا هذه المواجهة ويتحول من مزارع أمي بسيط الى قائد ثورة مسلحة ضد النظام، مطالبا بإعادة الأراضي المغتصبة. وخلال ذلك يلتقي «زاباتا» بمثقف مكسيكي ألقى عليه محاضرة عن المبادئ السياسية وأقنعه بمساندة خصم رئيس الجمهورية آنذاك، ويدخل «زاباتا» في صراعات مريرة وتحالفات مع قوى ثورية أخرى في هذه الأثناء. ويتغير الرئيس ولكن «زاباتا» يكتشف أن الحال لم يتغير والأراضي لم تستعد، فقرر الاستمرار في النضال المسلح وشن حرب عصابات ضارية، ليصبح شوكة في خاصرة النظام الجديد. ولذلك قرر النظام الجديد بالتعاون مع ذلك المثقف المكسيكي التخلص من «زاباتا» عن طريق دعوته من قبل جهة تريد التعاون معه وعندما وصل «زاباتا» إلى مكان الاجتماع ترجل من على حصانه ونظر حوله، فشعر بأن شيئا ما لم يكن على ما يرام، لكن الأوان كان قد فات، فعند إطلاق الإشارة المتفق عليها، انهال وابل من الرصاص عليه.
أخذ «زاباتا» على حين غفلة وتكوم على الأرض وهو يتلقى الرصاص من كل جانب. ولكن حصانه الأبيض انطلق خارجا وسط صرخات المثقف بالجنود بقتل الحصان فورا لأنه الرمز الذي سيبقي «زاباتا» وقضيته على قيد الحياة. ويأخذ جنود النظام جثة «زاباتا» المغدور وعرضوها أمام الجمهور لإثبات وفاته، إلا أن القرويين المكسيكيين لم يقتنعوا بهذا كله وقالوا إن «زاباتا» لم يمت بل سيظل خالدا ويعود من أجلهم وأجل قضيتهم العادلة، التي لن تموت أبدا. وهنا يظهر حصان «زاباتا» وهو يصهل على جبل شامخ مطلقا هتاف الحرية.

المناخ السياسي

كان عام 1952 عاما حاسما في تاريخ السياسة الأمريكية، فقد كانت تحقيقات لجنة مجلس النواب الأمريكي حول النشاطات الشيوعية المعادية للولايات المتحدة في أوجها، خاصة أن مؤلف الفيلم جون شتاينبك، ومخرجه أيليا كازان (1909 ـ 2003) كانا متهمين بالشيوعية، وتم استدعاؤهما للإدلاء بالاعترافات حول بقية الشيوعيين، ولذلك قام شتاينبك وكازان بتغيير بعض تفاصيل الفيلم، كي لا يبدو دعاية للشيوعية، وقال كازان أمام اللجنة إن الفيلم كان ضد الشيوعية. وقام كذلك بتقديم أسماء من كانوا حسب علمه شيوعيين. ومع ذلك فإن الفيلم يعتبر من العلامات الفارقة في السينما الأمريكية وأضاف الكثير لمجد كل من كازان وشتاينبك.

زاباتا في التاريخ

كان إميليانو زاباتا (1879 ـ 1919) الاسم الأبرز في الثورة المكسيكية (1910 ـ 1920) ولا يزال في تاريخ المكسيك الثوري. ولم يكن «زاباتا» من أصول أوروبية إسبانية بل من سكان المكسيك الأصليين، أي الهنود الحمر، وتكلم لغتهم على عكس الطبقة الثرية المكسيكية التي كانت من أصول إسبانية. وخلافا للشخصية التي قدمها الفيلم، فإن «زاباتا» لم يكن أميا ولم يكن معدما لأن عائلته كانت تملك قطعة أرض صغيرة استغلتها في الزراعة. وأصبح «زاباتا» معيل عائلته وهو في السابعة عشرة من عمره عندما توفي والده وأثبت كفاءته كمزارع، وعرف بمهارته في تربية الخيول وفنون ركوبها. وقد خلف «زاباتا» ستة عشر ولدا، أشهرهم ابنته بولينا التي كانت أشهر من دافع عن حقوق المرأة في تاريخ المكسيك. وعلى الرغم من مقتل «زاباتا» فإن أسطورته لا تزال حية في مخيلة المكسيكيين ومثالا يحاول البعض الاحتذاء به. كما أصبح اسمه رمزا لكفاح الفقراء ضد اضطهاد الأثرياء، وكذلك تجسيدا لنضال السكان الأصليين (الهنود الحمر) ضد استغلال المهاجرين الأوروبيين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*