فلسطين التي في بالي


الحرية (لوحة للفنان إسماعيل شموط).

غسان صليبي

لم أناصر القضية الفلسطينية لأن فلسطين عربية، مع انها عربية. ولا لأن إسرائيل صنيعة الاستعمار، مع انها كذلك.

بل لأني ببساطة مع حق الشعب الفلسطيني في العيش على ارضه بحرية وبكرامة وبدون احتلال.

لا استنكر نقل السفارة الاميركية الى القدس لأن القدس عربية. ولا لأنها مهد الديانات السماوية.

بل لأنها مدينة فلسطينية قرر الفلسطينيون جعلها عاصمة لدولتهم.

لا أشعر بحاجتي الى كل هذه التبريرات السياسية والدينية، لأتضامن مع قضية انسانية محقة.

فعلاقتي بقضية فلسطين، تختصرها علاقتي بالفلسطينيين أنفسهم.

“كفر قاسم”، الفيلم الذي يحكي عن المجازر الاولى في حق الفلسطينيين، والذي شاهدته أيام المدرسة، كان الحدث الأبرز الذي فتح عيني على القضية.

بعد الفيلم مباشرة، جاءت الحرب في لبنان وانخراط الفلسطينيين فيها، والمجازر المتبادلة بينهم وبين اللبنانيين، المسيحيين خصوصا، الذين انتمي اليهم.

نتج من ذلك في داخلي، مزيج من التعاطف مع شعبي ومع الشعب الفلسطيني، ومزيج من الرفض لسلوك منظمة التحرير الفلسطينية في حق اللبنانيين، ولسلوك الميليشيات اللبنانية في حق اللاجئين الفلسطينيين.

عبرتُ عن رأيي بموقف قاطع رافض للحرب، من خلال المسرح والمقالات والمشاركة الكثيفة في التحركات المدنية الضاغطة لوقف الحرب. وكتبتُ دراسة ترصد هذه التحركات وتحلل تطورها.

التحول الكبير في موقفي من القضية الفلسطينية جاء بعدما أصبحتُ مسؤولا عن المنطقة العربية في الاتحاد الدولي لنقابات الخدمات العامة. ولأن فلسطين هي من ضمن المنطقة العربية، بدأت علاقتي المباشرة بالفلسطينيين، وبفلسطينيي الداخل تحديداً.

واذا بي اقف فجأة وجها لوجه امام اصحاب القضية.

واذا بالقضية تعود لتصبح من لحم ودم، وتأخذ شكل الوجوه والاجساد، وتعبّر عن نفسها بالاحاسيس والأفكار والحكايات.

كان الزمن زمن ما بعد اوسلو، وكان النساء والرجال الذين التقيتهم، مناضلات الانتفاضة الاولى ومناضليها، الفخورين بما قاموا به على مستوى الجهد الفردي الجبار والتضامن الجماعي المبدع والفعال في وجه وحشية الاحتلال. حتى لو ان النتيجة السياسية كانت تبدو لهم ومن الاساس دون الطموحات الوطنية.

كانت مهمتنا شاقة. كيف نضع استراتيجيا نضالية نقابية، تحصن النقابات كأداة مطلبية-طبقية، وفي الوقت نفسه تحافظ على دورها في مسار التحرر الوطني؟

عندما كان الفلسطينيون يتبادلون التجارب، كان كل واحد يذكر عدد السنوات التي أمضاها في سجون الاحتلال. وكانوا يضحكون. وانا كنت اضحك معهم.

كذلك كانت تضحك تلك السيدة التي ابت الا ان تشارك في ورش العمل في عمان، حاملة معها رضيعها ابن الشهرين، متكبدةً عناء السفر على الجسر بين فلسطين والاردن، وما يتخلله من اذلال الاحتلال الإسرائيلي الذي يسيطر على الحدود.

كنت اضحك معها، لكني لم اكن اصارحها ان ما كان يضحكني فعلا، هو اني كنت أتذكر كيف ان نقابيين ونقابيات من بلادي، كانوا يتذمرون، اذا ما مدّدنا بعض الشيء ساعات العمل في الورش التدريبية.

فهمتُ من ذلك الوقت لماذا يسمّونهم شعب الجبارين.

ومن ذلك الوقت فهمت ايضا، من بدايات علاقتي مع النقابيين الفلسطينيين، اني أصبحت جزءا من الحركة النقابية الفلسطينية، جزءا من حركة التحرر الوطني الفلسطيني.

بدأ يكبر حلمي بزيارة فلسطين.

لكن بين فلسطين وعيني بندقية. وهي ليست بندقية المحتل الإسرائيلي، كما في شعر محمود درويش. بل بندقية من بلادي، التي ترى حكومتها ان زيارتي لفلسطين هي خيانة وطنية، لأنها تطبيع مع العدو الإسرائيلي.

المفارقة ان رفاقي الفلسطينيين جميعهم لا يعتبرون زيارتي تطبيعا. وهم ينتمون إلى “فتح” و”الشيوعي” والجبهتين، “الشعبية” و”الديموقراطية”.

فلسطينيو الداخل يعتبرون في معظمهم، ان “زيارة السجين ليست اعترافا بالسجّان”.

نحن امام منطقين: منطق السجّان ومنطق السجين.

السجّان يريدك ان تطبّع مع منطق السجن وان تنسى السجين وتتركه وحيدا. أليس هذا هو المعنى الحقيقي لان تكون سجينا؟

السجين في المقابل يريدك ان تتجاهل السجن، اي الا تطبّع مع منطق السجن وان تزوره وان يشكل لقاؤكما صفعةً لمنطق السجّان، ونافذة امل يتنفس منها السجين والزائر المتضامن، على حد سواء.

يبدو لي ان بعضنا، في مفهومه للتطبيع، اقرب الى منطق السجّان.

افكر في الزيارة اليوم، لأنها فعل التضامن المباشر، الحسي، اليد باليد، الأكثر تناسبا على مستوى المواجهة الملحة، مع حجم القهر والمجازر التي يتعرض لها الفلسطينيون، بفعل الاحتلال والغطرسة الاميركية واللامبالاة العالمية.

يتقاطع تصاعد القهر مع الذكرى السبعين للنكبة.

نكبة الشعب الفلسطيني.

نكبة العقل العربي.

نكبة الأخلاق العالمية.

نكبة الشعب الإسرائيلي، الذي حوّلته الصهيونية من ضحية إلى مسخ بشري وجلاّد مقيت.

الأخطر من ذلك كلّه، ان الشعب الإسرائيلي ليس المثال الوحيد لهذا النوع من التحول البشع في سلوك الجماعات في منطقتنا المتفجرة.

انها نكبة المنطقة بأكملها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*