فكتور سحاب: عُمر في توثيق التراث العربي

فكتور سحّاب
الأخبار
24032017
أمل الأندري

يمرّ الوقت سريعاً برفقة فكتور سحاب (الصورة ـــ 1942). في مكتبه في منطقة فردان، يستقبلك الأكاديمي والمؤرخ اللبناني. مناسبة اللقاء كتابه «زكي ناصيف… الموهوب العالِم» (دار نلسن) الذي صدر في الذكرى المئوية لولادة المعلّم اللبناني (1916 ــ 2016). تلك هي المناسبة، لكنّ الحديث سيأخذنا إلى يافا عام 1948 يوم كسر «اليهود» الكمنجتين وآلة البيانو التي يملكها جده القسّ (والشاعر والخطّاط أيضاً) عطا الله زبانة، فبكى كمن يبكي أولاده.

سيعيدنا الحديث أيضاً إلى والدته التي كانت تستمع دوماً إلى التراتيل البروتستانتية وأعمال باخ وهايدن الدينية، فوضعته على أول سكة البحث والتأريخ والكتابة والتوثيق وحفظ التراث العربي الموسيقي من الاندثار. تفكر ما الذي قد يجمع أمه اليافاوية بوالده الكسرواني؟ تلك الخلطة ستجعله يكتشف بعد سنوات خلال إعداد كتابه «التقاليد والمعتقدات والحرف الشعبية قبل 1948» (1990) أنّ العادات القديمة بين لبنان وفلسطين هي نفسها. ليست استنتاجاً نابعاً من خلفية أيديولوجية يؤكّد لنا، ويزيد في التأكيد على أنّه عام 1973، كلّفه الراحل رامز خازن الذي كان يومها مديراً عاماً في وزارة الإعلام، بإعداد حلقات عن التراث اللبناني ضمن برنامج «البث المباشر» على الإذاعة اللبنانية. كانوا حينها ستة معدين: ايلي صليبي، رياض شرارة، أحمد العشي، محمد الكردي، ومحمد المشنوق. وقتذاك اختار سحّاب الموسيقى، وقرر زيارة الأب لويس الحاج الذي كان عميد معهد الموسيقى في «جامعة الكسليك»، كما «جاره» زكي ناصيف. طرح عليهما سؤالاً موحّداً حول جذور التراث الموسيقي اللبناني. «جاء جواب الاثنين واحداً برغم خلفيتهما الأيديولوجية المتباينة. الأب لويس الحاج، قال إنّ لا وجود للتراث اللبناني، فما نسمعه من تراث هو ذو جذور سريانيّة. أما زكي ناصيف، السوري القومي الاجتماعي، فقال بأنّ «جذور التراث اللبناني هي جذور تراث بلاد الشام، ونحن لا نملك تراثاً خاصاً بنا وحدنا».
زكي ناصيف الذي يعتبر سحاب بأنّه الوحيد بين الموسيقيّين اللبنانيين الكبار أمثال الأخوين رحباني، وتوفيق الباشا، وفيلمون وهبي، وحليم الرّومي، الذي كان يمتلك توازناً دقيقاً بين عنصري الموهبة والعلم، كان يقيم في منزل مسيّج ببستان في الطيونة، فيما عائلة سحاب أقامت فوق اسطبلات الخيل عند الدوار. في هذا الكتاب الذي يتألّف بمعظمه من حوار أجراه سحّاب مع ناصيف عام 1994، يتحدث الأخير عن نشأته الموسيقية. إلى جانب الفراقيات التي كانت والدته تغنيها، وحلقات الدبكة التي كان يشاهدها صغيراً في ضيعته مشغرة، لعب والد الممثل السوري المعروف دريد لحّام دوراً في ذلك. والد زكي ناصيف كان تاجر جلود يحمل بضاعته إلى الشام، ويزاول التجارة مع صديقه محمد اللحام. تلقى مرة منه «آلة فونوغراف مع بعض الأسطوانات لسلامة حجازي، وأبو العلا محمد، وسيّد درويش». ومن هنا تعرّف زكي ناصيف إلى نوع موسيقي آخر آت من مدرسة التجويد القرآني. سيكبر بين الموسيقى، وسيصاب بانتكاسات صحية يافعاً كما نقرأ في الكتاب، وسينزل إلى بيروت، ثم يختلط بوجوه تلك المرحلة، وسيبدأ زمن الموسيقى الريفية في الخمسينيّات. في تلك الفترة، بدأت الإذاعة اللبنانية و«إذاعة الشرق الأدنى» تهتمان بالغناء الريفيّ، ضمن مشروع جلبته من يافا جماعة «إذاعة الشرق الأدنى» كحليم الرومي، وصبري الشريف والموسيقيين الآخرين الذي جاؤوا لبنان بعد النكبة. هكذا، بات اللبنانيون يستمعون إلى اسكتشات «سبع» و«مخّول»، و«بارود اهربوا»، و«برّاد الجمعية» وغيرها من الأعمال التي تركز على حياة القرى. وازداد الاهتمام بالعتابا والميجانا والمعنّى والشروقي. ومع تأسيس «مهرجانات بعلبك»، سيطلب الرئيس كميل شمعون عام 1957 إدراج سهرة ليالٍ لبنانية ضمن البرنامج. قبل ذلك، كان أهل الساحل من بيروت وحلب ويافا وطرابلس يستمعون إلى ما ينتج في مصر من أعمال لعبد الوهّاب وأم كلثوم ومحمّد عبد المطلب، ومحمّد فوزي، وفريد الأطرش، أي موسيقى مدنية مع بعض الموسيقى المدنية اللبنانية التي كانت في بداياتها مثل أعمال فيلمون وهبي، ونقولا المنّي، وسامي الصيداوي، فالمدن العربية كانت تغني أشكالاً مختلفة مثل القصيدة والموّال والموشح والدور. نسأل سحّاب عما إذا كان الغناء الريفي طبع هوية لبنان الثقافية في زمن البدايات وترسيخ «الهوية اللبنانية». ينفي ذلك، معتبراً أنّ ما فعله هؤلاء هو أنّهم «صنعوا موسيقى مدنيّة من الموسيقى الريفية. مهرجانات بعلبك و»فرقة الأنوار» قدّما هذه الموسيقى بفرقة كبيرة ومنظَّمة بطريقة الغناء الكلاسيكي المدني».
رغم إصداره كتاباً عن زكي ناصيف ووديع الصافي، وأخيراً عن صباح، إلا أنّ قلب فكتور سحاب ما زال معلّقاً بمصر، هو الذي أنجز مع شقيقه الياس «موسوعة أم كلثوم» (2003 ـ ثلاثة مجلدات). ما زال ينظر إلى عبد الوهاب على أنّه ظاهرة، يعتبره أهمّ ملحّن ومغنّ في الوقت عينه، وهو «الذي طوّر القصيدة العربية (من «يا جارة الوادي»/ 1927 إلى «الجندول» 1939) لا رياض السنباطي كما يعتقد كثيرون».
في مكتبه، يواصل التوثيق للتراث الموسيقي العربي. ينظر إلى المؤرخين بوصفهم صلة الوصل بين الأجيال. يقول: «حين تفقد تراثك، تضطر للبناء من جديد في كل مرة، وللأسف تلك حالنا في العالم العربي».

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*