فضلو خوري ونايلة تويني… “حان الوقت كي يتحرّك المواطنون لانقاذ بلادهم”

النهار
26092018

خوري وتويني في “الجامعة الأميركية”. (تصوير حسن عسل.

وسط “ربيع اليأس”، نحاولُ أن نستردّ صوابنا. توصيفُ الكاتب أمين ألبرت ريحاني لحال الذين لم يفقدوا الأمل في بلدنا، يبدو واقعياً جداً. الأمل يُلتقط ولا يُفقد. الايمان بلبنان هو ايمان بانسان مستحق أولاً. وعسى أن يكون حكم قاضِ سابقٍ مشهود له كشكري صادر بقوله “كما تكونون يولّى عليكم”، مسموعاً. محقةٌ غادة بيار صادق، اذ تعتبر ان “واقع بلدنا قبيح جداً، لكن فكرة لبنان رائعة”. والأمرُ يدعو الشاعر جوزف أبي ضاهر الى الحسم، بـ”أننا لم نعد نستطيع الوقوف في ثياب الأمس أمام الشمس”.

من على سطح مبنى “منيب المصري” في الجامعة الأميركية في بيروت، وتحت شمس بيروتية حارقة، وقف رئيس الجامعة الأميركية في بيروت فضلو خوري، يحدّق في عيني رئيسة تحرير جريدة “النهار” نايلة تويني. المشروع ضخمٌ، وكذلك الرهان. مشهد زرقة بحر بيروت ومداه، في خلفيتهما، والعراقة التي تختمرها ثنايا الأرض، كانا يبوحان بأن المغامرة تستحق. أما الأهداف المشتركة فمنحت المشروع قوة دفع كبيرة.

المناسبة كانت تسجيل حوار مطول بين خوري وتويني يبث تزامناً مع اطلاق عدد “النهار” الذي يرأس تحريره فضلو خوري، تحت عنوان “ضمان استمرار لبنان والاستثمار في شبابه”، ويتضمن مقالات تعرض حلولاً واستراتيجيات اصلاحية في قطاعات لبنانية حيوية مأزومة.

خوري صاحب الانجازات الكبيرة في مجال الطب، يبدو مصمماً بألا يكون تبوؤه منصب رئاسة الجامعة العريقة عادياَ. فهو أول رئيس لبناني لجامعة تعتبر مصنعاً للنخب في لبنان والمنطقة. همّ الدفاع عن جودة التعليم، وتشجيع الأبحاث حول سلامة البيئة وتدوين التاريخ، وغيرهما، أملت عليه أن يكون الاصلاح في صلب اهتماماته وتفكيره، في بلد يشهد على تعثر ولادة حكومة منذ 5 أشهر.

أما علاقة خوري بـ”النهار” فعاطفية، أولاً، تعود الى النشأة والصغر. يثني عليها مرجعاً للخبر وكياناً متموضعاً في الخط الأمامي للدفاع عن معنى لبنان.

يشبك خوري الأيدي مع نايلة تويني التي تجاهر بخوضها معركة بقاء الصحافة وتعزيز أدوار جديدة لها في عالم تغزوه ألغام الأخبار الزائفة وجيوش التسطيح. “صحافة عميقة مستقلة في امكانها التغيير حتماً”. انه يقين من استلمت دفة القيادة بعد جلجلة الدم والخسارات الهائلة.

خوري يرأس اجتماع التحرير.

الثقة تتعزز. والحوار يمضي قدماً. بيروت والجامعة والصحيفة. هي أقانيم ثلاثة. لا بد أن تصنع المرتجى فتوّلد صدمة ايجابية يتوخاها عدد “النهار” الذي يصدر الخميس المقبل متضمناً 123 مقالاً لكتاب من أصحاب الخبرات.

تعتبر تويني ان اختيار التعاون مع الجامعة الأميركية يمثل تعاوناً مع أعرق جامعة في الشرق الأوسط تولي أهمية عميقة للاستثمار في مجال الأبحاث وجودة التعليم بشكل مستمر. أما أن يكون الدكتور فضلو خوري رئيساً لتحرير “النهار”، فيعود الى “تقديري الكبير لشخصه كمرجعية علمية ولرؤيته الثاقبة وحساسيته العالية تجاه واقع البلد ورغبته في العمل الحثيث من أجل التغيير الايجابي”. تويني التي طلب منها رئيس تحرير العدد كتابة مقال حول العلمانية، تصف العمل معه بـ”الرائع”، وتقول انه “يتابع التفاصيل الدقيقة في العدد ويحرص على متابعة الكتاب هاتفياً ومراجعة المقالات وطروحاتها”.

في مكاتب االتحرير في “النهار”

رسالة العدد

هل من رسالة سياسية يحملها العدد في الوضع الراهن المتأزم حكومياً؟

“اللبنانيون باتوا معتادين بعض الشيء على المسرحية المطوّلة التي ترافق تشكيل الحكومات. لكن، ومنذ فترة، نلمس أن هناك خيبة حتى بعد تشكيل الحكومات. فلم يؤدِّ تشكيل الحكومات في لبنان إلى استنباط حلول طويلة الأمد سوى في ما ندر من المرّات”، يقول خوري خالصاً الى ان “الهدف من هذا العدد الخاص من صحيفة “النهار” هو إدراك نقاط القوة التي تتمتع بها البلاد والتحديات التي تواجهها، والشروع في اقتراح حلول طويلة الأمد والعمل على تنفيذها. لذلك إنه مجهود جدّي ودؤوب نأمل بأن يُبنى عليه في الأشهر والسنوات المقبلة”.

أما تويني فترى أن “العدد يمثّل محطة أخرى هامة تلعب فيها “النهار” دورها في الاضاءة على الطاقات والحلول والاحتمالات وهموم الشباب والأجيال كافة. وفي المهنة، نقوم بواجبنا في انتاج مضمون عميق يؤدي دوراً توعوياً ومعرفياً. وفي المحصلة يزرع أملاً نحتاجه”.

خوري وتويني مع الأستاذ فرنسوا عقل في “النهار”.

رئيس التحرير اختار كتاب العدد من خارج الطبقة السياسية. ما السبب؟

“أعتقد أن الطبقة السياسية تبحث في شكل أساسي عن معالجات قصيرة الأمد هي بمثابة إسعافات أولية”، ويتساءل خوري “متى كانت آخر مرة شهدنا فيها على تخطيط استراتيجي طويل الأمد من أجل مستقبل الفنون والتعليم والعلوم الإنسانية والتاريخ والصحة والقانون والمسرح والقطاعات التكنولوجية، وغيرها من الميادين؟”.

يقول خوري: “في هذا العدد، ننظر في المدى البعيد. وقد اخترنا الكتّاب المشاركين في العدد على هذا الأساس، إنهم قادة وأشخاص ذوو مهارات عالية ويتمتعون بالصدقية، كما أنهم يمتلكون رؤية راسخة وحيوية وطويلة المدى من أجل وطن قابل للحياة”.

وتجد نايلة تويني “أهمية في كتابة الاختصاصيين وأصحاب الخبرات العارفين بتشخيص المشاكل واقتراح الحلول لها، ولا يجب أن يكون السياسيون الجالسون على الكراسي في كل مرة الجهة التي عليها أن تكتب وتنظّر لمشاكل وحلول لا ترى النور بسبب الأداء الخاطىء”.

وتتحدث عن “ورشة عمل ستطلق تزامناً مع صدور العدد للشروع في تحقيق أهداف محددة عبر تبني قضايا والضغط للتشريع وتقديم حلول مبنية على دراسة من مختصين وخبراء، كذلك سنلعب دورنا في “النهار” في التوعية حيال هذه القضايا. وفي المحصلة، سنبذل ما في وسعنا لتحقيق مكتسبات ايجابية لبلدنا وشعبنا”.

خوري وتويني مع الكاتب عقل العويط ورسام الكاريكاتور ارمان حمصي.

في السياق عينه، يبدو خوري على يقين بـ”أننا اذا طوّرنا حلولاً فاعلة طويلة الأمد وعرضناها في إطار متكامل على الرأي العام، فلن يكون من مصلحة السلطة التنفيذية أو الطبقة السياسية أن تستمر في تجاهلها. فالنزف مستمر في لبنان من خلال هجرة أعداد كبيرة من خيرة الشباب والبالغين وألمعهم. والتاريخ يعلّمنا أن الخلاص لن يأتي من الخارج”.

ويضيف انه “ستتم الاستفاضة في الحديث عن هذه الإصلاحات والمقترحات وعرضها بالتفصيل في الأشهر والسنوات القادمة. فلقد ضاق المجتمع الدولي ذرعاً بـ”إنقاذ” لبنان. حان الوقت كي يتحرّك المواطنون لإنقاذ بلادهم”.

الصحافة كمنصة تغيير

وكيف تكون الصحافة منصة مساهمة في التغيير في زمن يتراجع فيه دور الصحافة والسياسة ومعناهما في وجهة نظر كثيرين؟ تدرك تويني أن الزمن تغيّر، لكن الأمر “يستدعي حضوراً أكبر للصحافة الجادة التي تعمل جاهدة على نشر الوعي والمضمون العميق وكشف الحقيقة في مواجهة التضليل الذي يفرضه التدفق العشوائي للمعلومات والاخبار غير الموثوقة”.

في رأيها، ان صحيفة “النهار” التي لعبت أدواراً بارزة في محطات مفصلية من التاريخ اللبناني كاستقلال العام 2005 وغيرها، “ما زالت تؤمن بدورها مرجعاً ومنبراً للسياسيين والمفكرين والمثقفين ولكل صاحب قضية وطنية، ولكل مظلومية انسان تبحث عن ضوء… نحن أداة ضغط من أجل لبنان حر، مستقل، وسيّد، من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة والمواطنة والدفاع عن الصحة العامة وسلامة البيئة وجودة التعليم وبقاء المسارح ودور النشر ودعم المواهب الشابة… نحن هنا ومستمرون”.

في محضر سوداوية تطبع المشهد اللبناني، يستدعي خطاب القوة سؤال تويني عن مصدره؟ “انها ورشة بدأناها منذ 7 سنوات رغم الأزمات. ورشة لتطوير “النهار” التي باتت اليوم مجموعة اعلامية تقدم خدمات ومنتجات كالبريميوم وتلفزيون النهار، والاستثمار في تعزيز الوجود الرقمي وتطوير مضمونه وطرق عرضه من الصحة الى الاقتصاد وغيرهما”. وتضيف “مشاريعنا كثيرة والخطط كبيرة. نعمل ونتعلم من التجارب ونستمر الكترونياً وورقياً”.

لابد أن الرهبة حاضرة أمام قارىء صُنع العدد المرتقب من أجله، فأي رسالة يوجهها رئيس التحرير فضلو خوري الى الجمهور؟

“وفق ما كتبتُ في الافتتاحية، آن الأوان كي يعيش المواطنون في لبنان والمنطقة حياةً مثمرة أضعافاً مضاعَفة وأكثر وفرة. البديل قاتمٌ جداً، وسوف يكون من الصعب منع حدوثه إذا لم نتحلَّ بالجدّية اللازمة. لذلك اخترنا أشخاصاً من ذوي الإنجازات الكبرى، ويتمتعون بالنزاهة والمؤهلات من أجل اقتراح حلول لبعض التحديات العسيرة. فضلاً عن ذلك، هذا العدد هو ثمرة تعاون بين اثنتَين من المؤسسات الأكثر صدقية في العالم العربي، الجامعة الأميركية في بيروت و”النهار”.

ويضيف خوري أن “العدد يتحدث عن بعض القطاعات الأكثر حيوية في لبنان. يقترح مقاربات وحلولاً للتحديات المطروحة في هذه القطاعات. إنه أمرٌ ضروري من أجل بناء جمهورية مستدامة وقابلة للحياة. اللبنانيون شديدو التعلق بوطنهم الأم، الصغير في مساحته إنما الذي يحمل أهمية كبيرة. وسوف يُبدون بالفطرة اهتماماً بالمقاربات الهادفة إلى بناء مجتمع أكثر عدلاً وإشراكاً واستدامة. أنا على يقين من أنهم سيقرأون هذا العدد ويتابعون العمل الإصلاحي الإضافي الذي سيبصر النور قريباً”.

تصوير حسن عسل.

وماذا عن رسالة نايلة تويني الى القراء؟ “كونوا جزءاً من التغيير من خلال قراءة الوقائع والحلول التي تقدمها نخبة من الخبراء والمختصين، ومن خلال مناصرة قوة الدفع والضغط بهدف تحقيق فارق يحسن واقعكم. نريدكم الى جانبنا في المعركة من أجل لبنان أفضل. اقرأوا وتفاعلوا وكونوا على ثقة ان هناك اعلاماً لا يزال معنياً بتقديم مضمون جيد وبجعل مصلحتكم فوق كل اعتبار”. ولمن تهدين المشروع؟ “الى كل لبناني يؤمن ببلده، والى كل لبناني فقد ايمانه بالبلد فندعوه الى اعادة النظر من خلال رسالة أمل. أهدي المشروع أيضاً الى المؤمنين بوجود صحافة مستقلة مصممة على احداث فرق. وفي كل مرة نكون أمام مشروع جديد في “النهار”، أهديه الى جبران الذي بذل دمه من أجل لبنان. جبران الحاضر معي دوماً، حارساً وملهماً، ويكون الامر بمثابة مناسبة لأقول له ان هناك من هو مصمم على عدم الانكسار، كذلك أهدي هذا المشروع أيضا الى روح جدي وإرثه الذي جعل الصحافة حاملاً أميناً لهموم الشعب وقضاياه”.

وماذا بعد؟ “الكثير من الأحلام التي لا تعرف المستحيل”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*