“فشل” الصيرفة الإسلامية في لبنان.. إسأل المشايخ والدولة

عزة الحاج حسن|الخميس23/11/2017

المدن

لا يمكن الحصول على قرض سكني من مصرف اسلامي في لبنان
 

في الوقت الذي تسعى فيه لندن، إحدى أهم المراجع المالية والمصرفية في العالم، إلى تنصيب نفسها عاصمة للصيرفة الإسلامية، بعد تطوير بنك إنكلترا المركزي أداة سيولة جديدة تتفق مع خدمات البنوك الإسلامية، وإصدار سندات سيادية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية (صكوك إسلامية)، نرى الصيرفة الإسلامية في لبنان شبه غائبة أو مغيّبة، في مقابل ازدهار المصارف التجارية اللبنانية بشكل لا مثيل له في دول بحجم الإقتصاد اللبناني.

عقب أزمة الديون السيادية التي زعزعت اقتصادات العالم عام 2008، أثبتت الصيرفة الإسلامية أن آلية عملها ومنتجاتها تجعلها بمنأى عن الأزمات المالية المماثلة لأزمة العام 2008. من هنا، بدأت لندن كأول عاصمة غربية تؤسس للصيرفة الإسلامية، ونجحت بجذب أعداد كبيرة من المستثمرين العرب والمسلمين، على غرار الدول الخليجية التي تنافس فيها الصيرفة الإسلامية أسواق العالم. فأين لبنان من سوق الصيرفة الإسلامية؟ وما الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ضعفها إن لم نقل فشلها في لبنان؟

القروض المدعومة
تواجه الصيرفة الإسلامية في لبنان مشاكل وتعقيدات تكبّل حركتها وتجعل ازدهارها أمراً شبه مستحيل، وتشكل القوانين اللبنانية سبباً رئيساً في “تكبيلها”. ففي حين يتيح القانون للمصارف التقليدية الاستفادة من القروض المدعومة من مصرف لبنان، لا يمكن للمصارف الإسلامية الاستفادة من تلك القروض، لعدم استحداث قانون يتيح لها الاستفادة بما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية، أي أن يتم التعامل مع القروض المدعومة على أساس الربح وليس الفائدة.

سوق السندات
لا يمكن للمصارف الإسلامية، بطبيعة الحال، الاستفادة من التعامل بسندات الخزينة التي تصدرها وزارة المال أو شهادات الإيداع الصادرة عن مصرف لبنان، لمخالفتها أحكام الشريعة الإسلامية. فهي تتعامل بـ”الصكوك الإسلامية”. وهو ما لم يشهده لبنان يوماً ويتهرّب مصرف لبنان حتى اللحظة عن إصداره.

غالبية المصارف التقليدية تقوم معظم أعمالها على التداول بالسندات وشهادات الإيداع، مقابل تعطل هذا النشاط في المصارف الإسلامية لعدم استحداث مصرف لبنان “صكوك” على غرار الدول العربية تتيح للمصارف الإسلامية الإندماج بالعمل المصرفي في لبنان.

وفي معلومات خاصة لـ”المدن” فإن مصرف لبنان ليس لديه النيّة لإطلاق صكوك إسلامية، باعتبار أن حجم المصارف الإسلامية صغير في لبنان. ما يطرح علامات استفهام حول عدم محاولة البنك المركزي تشجيع المصارف الإسلامية في لبنان على التوسع والنهوض.

منتجات الصيرفة الإسلامية
تتجلى أزمة المصارف الإسلامية في لبنان أيضاً بعدم السماح لها بالتعامل بمنتجاتها التي تتلاءم وأحكام الشريعة. فلدى المصارف الإسلامية منتجات رابحة جداً كالمضاربة والمشاركة وتكريس المشاركة وغيرها، ولكن هناك ما يمنعها من التعامل بها في ظل كثير من العوائق القانونية المتعلقة بوزارة المال من جهة وبمصرف لبنان من جهة أخرى.

وتمنع القوانين في لبنان على المصارف تملك عقارات أو تأسيس شركات أو إقامة مشاريع عقارية. وهو ما يعتمد عليه عمل المصارف الاسلامية.

قروض السكن
في ظل عرقلة وتعطل حركة المصارف الإسلامية في لبنان ثمة سؤال كيف يمكن الحصول على قرض سكني من قبل أشخاص ملتزمين دينياً، يتلاءم وشروط الشريعة الإسلامية؟

الجواب أتى على لسان مازن رمضان مدير إدارة خدمة العملاء والبيع في بيت التمويل العربي: لا يمكن الحصول على قرض سكني من مصرف إسلامي في لبنان.

لماذا؟ يقول رمضان في حديث لـ”المدن” إن منتج القرض السكني غير متوفر في المصارف الإسلامية. فهي تعتمد سياسة الإجارة (تتماشى مع الشريعة الإسلامية)، ولكن أمامها عوائق كبيرة تمنع تطبيقهما في لبنان.

“وكي نتمكن من تطبيق منتج الإجارة توجهنا إلى وزارة المال لإجراء عقود الإجارة لـ “هاوزينغ”، أي أن نشتري المنزل ونؤجره إلى الزبون لمدة 20 عاماً ليتملكه بعد انتهاء المدة،. ولكن العقدة هنا هي أن لدى شراء المصرف المنزل عليه سداد 6% من قيمة المنزل لتسجيله وبعد نقل الملكية إلى اسم الزبون بعد 20 عاماً سندفع أيضاً 6% تسجيل. وبما أن التسجيل مفروض على الزبون فإنه يكون قد دفع 12% من قيمة المنزل لتملكه”. وهو ما لا يمكن أن يوافق عليه أي زبون، يقول رمضان.

وهناك عقدة أخرى تتعلق بمصرف لبنان، الذي يمنع على المصرف الإسلامي أن يتملك منزلاً لمدة تتجاوز السنتين ثم ينقل العقار إلى اسم الزبون. وهذا أمر غير ممكن. فالمصرف يجب أن يحفظ حقه قبل نقل ملكية العقار إلى الزبون. لذلك لا يمكن تطبيق مبدأ الإجارة في لبنان.

إذن، هل المصارف الإسلامية مُحاربة في لبنان؟

يرفض رمضان تعبير “محاربة” المصارف الإسلامية، رغم اعترافه بالتقصير لجهة غياب القوانين الراعية لعملها. ويعزو ضعف الصيرفة الإسلامية عموماً في لبنان إلى الكادر البشري والقوانين اللبنانية. والأسوأ من ذلك هو انعدام الثقافة لجهة فقه المعاملات.

فالصيرفة الإسلامية تغيب عن مناهجنا التعليمية مع بعض الإستثناءات الخجولة. ما يُنتج بطبيعة الحال كادراً بشرياً متمكناً من العمل في المصارف التقليدية وليس الإسلامية. كما أن فقه المعاملات مغيّب تماماً، “فرجال الدين يعلموننا كيف نصلي ونصوم ونمارس الواجبات الدينية دون أن يرشدنا أحد إلى أصول فقه المعاملات لتجنّب الوقوع في الربا الذي حذّر منه القرآن وحاربه”، يقول رمضان.

والتقصير لجهة نشر أصول فقه المعاملات يبدأ من دار الفتوى الإسلامية والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، مروراً بغالبية رجال الدين و”المشايخ” الذين يتحدثون بالسياسة أكثر من توعية الجمهور المسلم على كيفية التعامل التجاري وفق الشريعة الإسلامية. فالجمهور يجهل فقه المعاملات، وغالباً ما يقع
المسلمون في الربا دون علمهم.

إقرأ المزيد في المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*