فرن بيضون: نصف قرن من الخبز والمناقيش

حسن الساحلي|الإثنين31/07/2017


سألوني: لماذا تطعم الكتائب والأحرار؟ (ريشار سمور)
هذه أجزاء من سيرة فرن، يعيش منذ أكثر من 50 عاماً في شارع بيضون، شارع المسلمين السنة في الأشرفية. تخبر هذه السيرة عن تطور مهنة طعام، ومدينة، وسكان مدينة، على لسان صاحب الفرن، أبو حسن (حسين علي قلقاس)، الذي يصف نفسه بالأزعر الآدمي: من دافع عن مصلحته في الحرب، والتزم بأسعار الدولة منذ أيام فرن الحطب، وصولاً إلى زمن أفران الربع والفول أوتوماتيك. 

يعرف الناس الفرن بأنه فرن بيضون، رغم أن هذا لم يكن إسمه الحقيقي في البداية (كان فرن قلقاس، قبل أن يصبح فرن بيضون وقلقاس). الجامع الذي أعيد بناؤه في العام 1951، لم يكن إسمه الحقيقي جامع بيضون أيضاً، بل مسجد علم الشرق، إلا أنه صبغ بإسم العائلة، مثلما صبغت مبانٍ وشوارع أخرى في الأشرفية بأسماء عائلات سرسق (شارع السراسقة) وبسترس (شارع التباريس)، وغيرها.

1
سافرنا من زفتا إلى الكويت خلال الخمسينات، حيث افتتح والدي عدداً من مطاعم الأكل السريع. كان يبيع ساندويشات معلبات وفلافل. يفرغ العلبة في رغيف الخبز ويضيف إليها الصلصة. كان يلف كل أنواع المعلبات: بازيلا، فاصولياء، سردين ومعلبات خضار. عدنا إلى بيروت في الستينات واشترينا فرناً على الحطب من بيت طبوش هنا في شارع بيضون. ربما كان خطأنا الذي لا يغتفر، فنحن خلال أعمارنا التي قضيناها بعد عودتنا من الكويت، بقينا نحاول الوصول إلى مستوى عيشنا هناك، من دون أن نفلح.

كانت الناس تعجن في منازلها وتخبز عندنا. نحن نأخذ رغيفاً من كل دزينة، ونبيع ما تبقى من عجين البيوت. كنا نجذب الناس عن طريق الرائحة، فلا يمر أحد من دون أن يشتري خبزاً. مطاعم الفلافل والمشاوي كانت تفعل الشيء نفسه، ولم نكن وحدنا. الثورة حصلت عندما أتت الماكينات الكهربائية التي تشرح الرغيف، من دون حاجة إلى الرق على الشوبك. الخميرة المصنّعة لم تكن قديمة كثيراً عندما بدأنا المصلحة، والناس كانت تهزأ من الرغيف المنفوخ. لاحقاً، صارت الماكينات تفعل كل شيء لنا. تعيّر الطحين، تصنع العجين، تقطعه، تكوبجه، تنقله عبر الجنازير إلى الفرن ثم تخرجه أحمر مورّداً. ثم مع ظهور كل ماكينة جديدة، صرنا نزيد إنتاجنا: كعك، فرنجي، كرواسان، حلويات باتسري.

لم تكن المناقيش كثيرة مثل اليوم. انفجرت في العقود الماضية بعد دخول رغيف الخبز التجاري، الذي لعب دوراً أساسياً في إنهاء حقبة سيطرة النساء على مهنة الخبز. المناقيش أتت على ضهر البيعة، ثم تربعت على عرش الأكل الشعبي في خضمّ زيادة مطاعم الأكل السريع في بيروت. الناس تحب المنقوشة، ولا تخاف منها. تراها سريعة، نظيفة، وتعطي طاقة. يأكلها الناس صباحاً، والعمال يعتبرونها وجبة كاملة، تعطيهم طاقة عمل ليوم كامل.

2
انتقل إخوتي الثلاثة إلى مناطق أخرى في بيروت الغربية مع بداية الحرب، ثم افتتحوا أفران قلقاس جديدة هناك، كل واحد في المنطقة التي سكن فيها (المشرفية، البسطة، والمصيطبة). لم يكونوا يريدون ذلك، لكن الزمن عاد وأخذهم في ذلك الطريق الذي أصبح قدرنا جميعاً. عندما أختطفت للمرة الأولى في بداية الحرب، أجبروا على مغادرة الشارع، الذي أصبح تحت السيطرة المسيحية. أنا كنت مالكماً وأعرف الشارع جيداً. عندما أختطفت، فاض الشارع بالناس المستنكرين ما حصل. لم أخف على نفسي من الزعران. كنت أعرفهم واحداً واحداً: إن خفت أمامهم قتلوك، وإن واجهتهم ترددوا في قتلك. كنت أعرف هذه القاعدة جيداً، لذلك أبعدت إخوتي عن الشارع، وبقيت أنا.

خلال صغري وزعت الخبز لفترة طويلة على بيوت المنطقة. كنت أستحي كثيراً. لم استعمل المصعد الكهربائي في حال كان داخله أحد قاطني المبنى، وأجبرت نفسي على استعمال الدرج أحياناً لـ10 طوابق، كي لا أجد نفسي وحيداً بينهم في المصعد. استلمت الفرن مع إخوتي بعد تقاعد والدي، ثم تطورنا من فرن الحطب إلى المازوت، ثم في وسط الحرب تقريباً، بعد خروج إخوتي، بدأت بالأوتوماتيك. ما أوصل المصلحة إلى أوجها. لم يكن كثير من المسيحيين يعملون في الأفران في ذلك الوقت، والذي يعمل كان يبيعه غالياً. لذلك كانوا بحاجة إلي. تعاقب على الشارع الكتائب، الأحرار والقوات. تعرف، هو شارع ضعيف وأي حزب يمكن أن يضع يده عليه.

الأباتي بولس نعمان، الذي كان نافذاً خلال الحرب، أبقاني هنا. إن تعرضت إلى مشكلة في المنطقة، يأتي بالأحزاب كلها إلى أمام الفرن. لم أكن أريد حمايتهم، بل هم من أرادوا حمايتي. أنا أفرض سلطتي عن طريق سعر الخبز، ولم يكن هناك من فرن غيري يطعمهم. طبعاً، أفرض سلطتي بالذكاء. أستغل حاجتهم إلى الرغيف لكن بأدب: إن كنتم تريدون أن تأكلوا، عليكم حمايتي. إن حصلت لي مشكلة أغلق الفرن ولا أعود أعمل. لم ألعب بسعر الرغيف، بعكس أفران أخرى في المنطقة. كان المسيحيون يبيعون خمسة أرغفة بليرة، أما أنا فكنت أبيع تسعة بليرة. كانوا يأخذون الخبز، ويعطوني بونات أصرفها من مكاتبهم. لكن عندما علقت القوات مع عون في نهاية الحرب، ذهبت لأصرف البونات المتكدسة عندي، فقالوا لي أن أبلط البحر.

لكن، رغم ذلك، تعرضت لإطلاق نار في رأسي وجسمي، واختطفت مرات عدة من بعض الزعران. العائلات القليلة التي بقيت في المنطقة، أي ربما نحو 30 عائلة، تعهد قادة الأحزاب بحمايتها. اتهمنا البعض بالخيانة، كما أن الفلسطينيين اختطفوني مرتين في الغربية. سألوني: لماذا تطعم الكتائب والأحرار؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*