فرج الله الحلو : من حصرايل في قضاء جبيل إلى موسكو عاصمة الأممية العالمية

“النهار”: الثلاثاء 28 آب 2007

فرج الله الحلو قائد شيوعي من أبطال الاستقلال ورمز لانهيار الأحلام العربية  1 من 2


فرح الله الحلو

من حصرايل في قضاء جبيل إلى موسكو عاصمة الأممية العالمية
أداء وممارسات تنمّ عن رغبة في جعل الحزب الشيوعي مدرسة في الديموقراطية

كريم مروّه

فرج الله الحلو اسم ورمز يختصران ملحمة كفاحية من أجل التحرر والتقدم في تاريخ لبنان الحديث، وفي تاريخ الحزب الشيوعي اللبناني، خصوصا. بدأت هذه الملحمة بالقلق والتمرد. واستمرت زمناً في التمايز والإختلاف عن السائد في الفكر وفي الممارسة، أو في محاولة التمايز. إلا أن هذه الملحمة انتهت باستشهاد بطلها فرج الله الحلو في تلك الليلة الطويلة الشديدة الظلمة، بكل المعاني التي تحملها الكلمة، تحت التعذيب الوحشي الذي تنوعت أساليبه وأدواته المستقاة من ترسانة عهود الظلم والظلام في تاريخ البشرية القديم.
وقف البطل يومها أمام جلاديه منتصب القامة، مرفوع الهامة، شامخ الرأس، واثقاً بنفسه وبالقضية التي أعطاها كل عمره. وأطلق من فمه بصقة في وجه ذلك الكائن الشبيه بالرجال، الذي خانه. فأردى الخائن بتلك البصقة صغيراً ذليلاً محتقراً. ثم قال لجلاديه: “أنا فرج الله الحلو. وأنتم تعرفون من هو فرج الله الحلو. فاعلموا إذاً أنكم لن تستطيعوا أخذ كلمة واحدة مني. فافعلوا بي ما شئتم. خسئتم وخسئ الذين كلفوكم بهذه المهمة القذرة”. فانهال الجلادون عليه ضرباً وتعذيباً إلى أن قتلوه. وإذ تحوّل الجسد العامر جثة هامدة، سارع الجلادون إلى دفنه في بستان سامي جمعة، الذي قاد عملية الإعتقال، مستعيناً في ذلك بالخائن الذي كان مسؤولاً عن البيت السري، الذي كان فرج الله متوجهاً إليه في تلك الليلة. وكان ذلك المسؤول قد تحوّل، في وقت سابق، من دون معرفة فرج الله، عميلا للاستخبارات السورية. فمارس الخيانة للأمانة من دون أن يرف له جفن. وعندما شاع نبأ اعتقال الحلو، وبدأت تتوالى ردود الفعل اللبنانية والعربية والدولية على الإعتقال، طلبت السلطات المصرية من استخباراتها السورية إخفاء أي أثر للحلو، لإثبات الإدعاء بأنه لم يكن في سوريا شخص اسمه فرج الله الحلو وأن نبأ اعتقال هذا الشخص كان عارياً عن الصحة! هكذا كانت تدار سوريا، في ذلك الزمن، أسوة بكل ما عرفته أنظمة الإستبداد العربية قديماً وحديثاً. فنبش القبر، ونقلت الجثة إلى أحد مراكز الاستخبارات في دمشق. ووضعت في حوض، وأحرقت بحامض كبريتي أذاب كامل الجسد. ثم سرّب الجسد المذوب إلى مجاري دمشق وغوطتها. وكانت دمشق واحدة من أكثر المدن التي أحبها الحلو، وأمضى زمناً جميلاً وصعباً وطويلاً في ربوعها. فاستقبلت المدينة الطيبة المعذبة روح البطل، التي حومت في أجوائها، وبين شوارعها وفي أحضان غوطتها الغنـّاء. استقبلت روح الحلو، فيما يشبه التحدي لجلاديه ولسادتهم، معلنة لكل العالم أن روح الشهداء الأبطال من نوع فرج الله الحلو تستعصي على الفناء.
حصل ذلك في مدينة دمشق، في الخامس والعشرين من شهر حزيران عام 1959. وكانت دمشق، في ذلك التاريخ، عاصمة الإقليم الجنوبي من الجمهورية العربية المتحدة. وكان الحلو عضواً في قيادة الحزب الشيوعي في لبنان وسوريا. وكان مكلفاً من قبل القيادة الإهتمام بالوضع الداخلي للحزب في سوريا، بعدما غادر معظم قادته وكوادره إلى لبنان، خلال تلك الفترة المظلمة من حياتها، ومن حياة الحزب الشيوعي فيها. وقد جاء الإغتيال تتويجاً لما اعتبره سادة ذلك التاريخ العربي الهجين إنتصاراَ تاريخياَ من قبلهم على من اعتبروهم أعداء تلك الوحدة الإندماجية بين مصر وسوريا. وهي الوحدة التي تمت بالقسر، ضد الوقائع والشروط والخصوصيات المختلفة، التي أصرّ الشيوعيون على أخذها في الإعتبار، وعلى التمسك بها واحترامها كشرط لنجاح الوحدة ولاستمرارها. وكان الهدف المعلن من تلك الوحدة الربط بين مشرق العالم العربي ومغربه، ضد الأعداء الحقيقيين والوهميين لوحدة الأمة العربية، القدامى منهم والجدد. وكانت تلك من أخطر المغامرات التي وقع فيها الرئيس جمال عبد الناصر، وكررها أكثر من مرة، تتويجاً لأحلامه التي عبّر عنها بوضوح في كتابه “فلسفة الثورة”. ودفع من رصيده ثمناً باهظاً لتلك المغامرات، حتى وهو في مجد صعود شخصيته كبطل تاريخي للشعب المصري وللشعوب العربية. وغادر الحياة حزيناً، وسط حزن عربي عظيم على غيابه، وعلى انهيار أحلامه في تحقيق الحرية والإشتراكية والوحدة التي كانت قد تحولت أحلام الملايين من أبناء عالمنا العربي الكبير(…).
إن استحضار اسم فرج الله الحلو، والتجربة التي ميزت مسيرته، لا يرمي إلى التذكير بعواصف تلك الحقبة من تاريخ لبنان وسوريا ومن تاريخ العالم العربي. فلهذه المسألة شروط وظروف أخرى. لكن استحضار اسم فرج الله الحلو ومسيرته، بالنسبة إليّ، تتصل بحاضر أيامنا، وبمستقبلها، سواء على الصعيد اللبناني، أم على الصعيد اللبناني _ السوري، أم على الصعيد العربي عموما، وذلك عبر وظيفتين. الوظيفة الأولى هي للتذكير بأن شيوعيي الحقبة الماضية في بلداننا وفي العالم هم، برغم الأخطاء التي ارتكبوها، أكثر صدقاً من شيوعيي اليوم في انتمائهم إلى حركة تبتغي تغيير العالم، في اتجاه تحقيق الحرية والسعادة للبشر، باسم الإشتراكية، وباسم مرجعيتها المتمثلة بفكر كارل ماركس. الوظيفة الثانية هي للإستفادة من تجربة فرج الله الحلو، التي قمعت في المهد من قبل الرفاق داخل الحزب أولاً، ثم أزيلت من الوجود بالقتل في أقبية التعذيب، على يد جلادي أنظمة الإستبداد العربية. والإستفادة من تجربة الحلو تقضي بأن يتابع من هم في حركة اليسار اللبناني، وربما العربي، ما كان قد انقطع في عهد هذا القائد الشهيد، وما كان قد استعيد على يد رفاقه بقيادة الشهيد الآخر جورج حاوي في زمن لاحق، بعد استشهاد الحلو ببضعة أعوام. وهو الجهد الإبداعي في الفكر وفي السياسة الذي كان جريئاً في اقتحام صعوبات ذلك الزمن. وكان ذلك الجهد باهظ التكلفة. وقد توّج في قرارات المؤتمر الثاني للحزب التي حررت حزبنا من إرث تاريخي قديم، ووضعته على طريق جديد مختلف عن السائد من السياسات والأفكار والطقوس التي كانت تهيمن على حياة الأحزاب الشيوعية في عالمنا العربي وفي العالم. وكانت تلك القرارات ذاتها في جوهرها وفي بعض تفاصيلها أشبه باعتذار من فرج الله الحلو عن الإساءة التي كانت وجهت إليه. كما كانت في مثابة إحياء لأفكار ولاتجاهات في السياسة وفي التنظيم هي، في زمانه، إرهاصات لحركة التجديد التي عبرت عنها قرارات المؤتمر الثاني. وكانت لسياسة الحزب في الحرب أبطال هم إياهم أبطال تلك الحركة التاريخية المميزة المشار إليها، التي أعادت الإعتبار لفرج الله الحلو ولنهجه. وقد كنت واحداً من هؤلاء المسؤولين عن تلك السياسة في الحرب، مثلما كنت في المؤتمرين الثاني والثالث للحزب، واحداً من أبطال التجديد لتلك الحركة المجيدة. إلا أن الحرب الأهلية التي دفع اللبنانيون إليها، بإرادة منهم، وبالقسر خارج هذه الإرادة، وحاول الحزب الشيوعي تجنيب البلاد الوقوع فيها وفشل، ثم صار جزءاً منها بعد وقوعها، وأسيراً لمجرياتها، عادت، أي هذه الحرب، فأغرقت الحزب فيما كان يريد التخلص منه في حركة التجديد المشار إليها. وهكذا بدأت تتبدد تدريجاً، من خلال سياسات الحزب في الحرب، الإنجازات التاريخية المتمثلة في قرارات المؤتمر الثاني (1968) ثم في قرارات المؤتمر الثالث (1972)، التي عمقت قرارات المؤتمر الثاني وطورتها.
إن لهذه الوظيفة الثانية من استحضار اسم وتجربة ومسيرة فرج الله الحلو أهميتها التاريخية بالنسبة إلى المستقبل خصوصا. فهي تشير إلى ضرورة إحياء جديد لحركة اليسار، تحرر المنتمين إليها، باسم مرجعية ماركس، وتجاوزاً للكثير من أفكاره ومفاهيمه، تحررهم من كل ما ارتبط بالفكر من صنمية حوّلته إلى عقيدة جامدة.
إلا أن الحديث عن فرج الله الحلو، بهذه المعاني وبهذه الإشارات، لا يعني أننا نتحدث عن شهيد قديس. فهو كان مثل كل الناس، ومثل كل القادة التاريخيين، يجمع بين البطولة ونقيضها، بين الصواب والخطأ، بين حب الذات والتفاني في الإرتباط بالقضية. فهو، إذاً، إنسان طبيعي، بكل المعاني.
كان فرج الله الحلو، على امتداد عمره السياسي، واحداً من أعرق الشخصيات اللبنانية التي شاركت في صنع استقلال لبنان، وفي النضال المتواصل دفاعاً عن الوطن اللبناني، ككيان سيد وحر، وعن نظامه الديموقراطي، وعن تقدمه في الميادين كلها، وعن سعادة شعبه. وهي المهمات التي لخصها الحزب الشيوعي اللبناني بالشعار البسيط التالي: وطن حر وشعب سعيد.

الطفولة والشباب

وُلد فرج الله في عام 1905 في بلدة “حصرايل”، في ساحل قضاء جبيل في محافظة جبل لبنان. ونشأ، منذ الولادة، وسط عائلة فقيرة. فوالده كان ملاكاً ريفياً صغيراً. ووالدته كانت ابنة ملاَّك ريفي صغير. وحين كبرت العائلة شعر الأبوان بالعجز عن القيام بأودها. فقررا أن تسافر الوالدة إلى أميركا الشمالية مع اثنين من الأولاد، حيث كان يقيم أحد أخويها. وكان السائد في تلك الأيام في مناطق الجبل أن تسافر الزوجة إلى الخارج، بدلاً من الزوج، خلافاً لما كان سائداً في جنوب لبنان. هناك مارست الأم العمل كبائعة جوّالة. وكانت تقسم الدخل من عملها بينها، ومعها ابناها المرافقان لها، وبين زوجها والأولاد المقيمين معه في لبنان. وكان فرج الله أصغرهم جميعاً.
مع بداية الحرب العالمية الأولى أصيب والد فرج الله بمرض أقعده عن العمل. فضاقت سبل العيش أمام العائلة. وكان فرج الله لا يزال دون العاشرة من عمره. فاهتمَّ بتربيته والعناية به شقيقه الأكبر غالب. ولم يتسنَّ لفرج الله الذهاب إلى المدرسة إلاَّ بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. وكان قد بلغ الثالثة عشرة من عمره. فالتحق بمدرسة البلدة المجاورة جدّايل، التي يفصلها عن بلدته حصرايل وادٍ عميق. وكان على الأولاد الصغار أن يجتازوا ذلك الوادي إلى المدرسة، ومنها إلى قراهم، كل يوم مشياً على الأقدام. قضى فرج الله ثلاث سنوات في تلك المدرسة حيث تعلَّم مبادئ اللغتين العربية والإنكليزية وأجاد التعبير بهما معاً. ثم انتقل بعد ذلك إلى مدرسة أعلى في بلدة عمشيت المجاورة. وقد أكسبه اجتهاده في الدروس وتفوقه في المدرسة احترام المعلمين والتلاميذ. إذ حصل على ثمانين جائزة من الدرجة الأولى في مختلف المواد الدراسية التي أدى الامتحان فيها. واختير بالإجماع لمنصب رئيس الجمعية التي أسستها المدرسة. ثم انتقل من مدرسة عمشيت إلى مدرسة ميفوق للرهبان الواقعة في أعالي جبال منطقة جبيل. ورغم أنه كان مثابراً كعادته على متابعة التحصيل العلمي في تلك المدرسة إلاَّ أنه لم يستطع أن يتحمَّل استبداد إدارة الرهبان، الأمر الذي اضطره إلى الهرب من المدرسة والعودة إلى بلدته حصرايل. وفي عام 1927، وكان قد بلغ الثانية والعشرين من عمره، تفاقمت ظروفه الإقتصادية، فاضطر إلى التوقف عن متابعة الدراسة لمدة عامين. وانتقل إلى التدريس الذي لم يمارسه طويلاً. إذ اختار العمل في مصلحة المساحة التي كانت في عهدة الفرنسيين، متنقلاً بين مدن وقرى لبنان وسوريا. وكان، كلما اختار ميداناً للعمل، يشعر بما لا يرضيه، إما في ظروف العمل أو في طبيعته، وأما في ظروف الحياة والعلاقات التي كان يسيئه فيها نظام الاستبداد في سلطتي الانتداب والإقطاع معاً. وراودته فكرة الهجرة إلى أميركا. إلاَّ أن ارتباطه بوطنه جعله يفضِّل المعاناة في الأزمة الاقتصادية على المغامرة في الهجرة إلى الخارج. وقرَّر في عام 1931، بعد طول بحث ومعاناة، الالتحاق بالمدرسة الإنجيلية في مدينة حمص في سوريا لمتابعة الدرس والتدريس في آن. وتمكَّن من الحصول على القسم الأول من الشهادة الثانوية، رغم أنه لم يكن قد مارس الدراسة إلاَّ لسنوات عدة وفي فترات متقطعة.
كان فرج الله  خلال تنقله من مدرسة إلى مدرسة ومن عمل إلى عمل آخر ومن قرية ومدينة إلى قرية ومدينة أخرى بين لبنان وسوريا، يراكم تجارب ومعارف ووعياً وطنياً متقدماً، بالمعنى اللبناني للوطنية وبالمعنى القومي للعروبة. وكانت معارفه تزداد اتساعاً وعمقاً. وكان شغفه بالقراءة وبالاطلاع على الأفكار يتعاظم. وكان من أكثر الذين قرأ لهم وتأثر بأفكارهم كتَّاب لبنانيون ومصريون وكتاب عرب من بلدان أخرى. وكانت جريدة “الوطن” التي أنشأها وديع عقل في لبنان، وهي جريدة تميَّزت بنهجها العروبي الواضح، المصدر الأول لقراءاته. لكنه كان يتابع أيضاً ما كان يصدر في مجلة “الهلال” المصرية من كتابات لسلامة موسى ونقولا حداد، رائديّ الاشتراكية الكبيرين. كما كان يقرأ لجبران خليل جبران، ولا سيما كتاباته التي كان يعبِّر فيها عن تمرُّده، وأبرزها قصة “خليل الكافر”. وكان يبحث عن المعرفة في كل ما كان يتوفَّر له من كتب في محيطه. وهكذا أصبح، في أفكاره وفي تحولاته السياسية، قومياً عربياً تقدمياً ذا نظرة علمية إلى المجتمع والكون والحياة. وقادته مجمل تلك التحولات إلى اتخاذ قرار حاسم بالعودة إلى الدراسة لاستكمال معارفه. فانتقل من مدرسة حمص الإنجيلية إلى الكلية الأرثوذكسية في دمشق، حيث تمكَّن من الحصول على القسم الثاني من الشهادة الثانوية، التي تؤهله للانتقال إلى المرحلة الجامعية. لكنه لم يتابع دراسته الجامعية. إذ كان قد دخل، بين حمص ودمشق، في طريقه إلى الالتزام بالشيوعية، من خلال انتسابه إلى الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان. فقد تعرَّف، وهو في حمص، إلى ناصر حدة، أحد المسؤولين في الحزب الشيوعي، وإلى أعضاء آخرين في الحزب. وكانت تلك بداية الطريق إلى مستقبله كشخصية سياسية لبنانية، وأحد القادة الأساسيين في الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان. وكانت المحطة الثانية، بعد حمص، في الطريق إلى الشيوعية، بلدته حصرايل ومنطقة بلاد جبيل، حيث شارك في تأسيس أول منظمة حزبية بحضور فؤاد الشمالي، أمين عام الحزب. ومعروف أن الشمالي كان المؤسِّس الأول للحزب الشيوعي مع المؤرخ يوسف ابراهيم يزبك وعدد من العمال والمثقفين اللبنانيين، وذلك في 24 تشرين الأول 1924. أما المحطة الثالثة من هذا الطريق إلى الشيوعية فكانت في دمشق حيث تعرَّف إلى عدد من الشخصيات الوطنية، وكان من بينها خالد بكداش، الذي كان قد أصبح، وهو طالب في الجامعة السورية، شخصية معروفة. كان بكداش، بانتقاله من الجامعة إلى الحياة السياسية، قد تحوّل إلى واحد من رموز الحركة الشيوعية مع ناصر حدة ورشاد عيسى وآخرين ممن أصبحوا القادة الأساسيين للحزب في سوريا، ثم في سوريا ولبنان. وبدأ فرج الله، خلال تلك المحطات الثلاث وبعدها، يرسخ أقدامه. وبدأ وعيه يسابق معارفه المتراكمة، التي عزَّزها انتماؤه إلى الفكر الماركسي، وعمَّقتها قراءاته المتنوعة، وسعيه الدؤوب إلى الإحاطة بقضايا بلده وأمته، وبالقضايا التي كانت تشغل العالم. إلى أن استقرَّ به المقام، بعد دمشق، كمسؤول حزبي في منطقة بلاد جبيل، وعلى علاقة متواصلة مع المركز في بيروت. ومارس نشاطه في المنطقة، ليس كقائد حزبي وحسب، بل كمحرض وقائد لعدد من المعارك الاجتماعية دفاعاً عن مصالح الفلاحين والمصالح العامة للقرى، سواء في ما يتعلق بقضايا التعليم أو ما يتعلق بقضايا الصحة والمياه وسوى ذلك من القضايا الاجتماعية التي كانت مطالب عامة لأهل القرى والبلدات في تلك المنطقة.

في موسكو

وإذ أصبح فرج الله شخصية حزبية جيدة التكوين، ووجهاً بارزاً من وجوه المنطقة، أرسلته قيادة الحزب في عام 1933 إلى موسكو للالتحاق بدورة مكثفة في أحد المعاهد السياسية العليا التي كانت تعد فيها الملاكات الحزبية السوفياتية، وملاكات الأحزاب الشيوعية المنتسبة إلى الأممية الشيوعية. وبقي في موسكو عاماً كاملاً عاد بعده إلى منطقة بلاد جبيل ليساهم، استناداً إلى ما اكتسبه من معارف وتجارب في العمل الحزبي، في تعزيز موقع الحزب في المنطقة، وإشراك منظمات الحزب التي طالت 22 بلدة وقرية في النشاط العام دفاعاً عن مصالح الفئات الشعبية. ونظراً الى النجاح الذي حققه في توسيع قاعدة الحزب في منطقته طلبت إليه قيادة الحزب أن يذهب إلى حلب ليمارس الدور ذاته. وبقي في مهمته الجديدة عاماً ونصف العام. وقادته نجاحاته إلى دمشق للمهمة ذاتها. وكان ذلك عام 1936، العام الذي كانت قد انفجرت فيه حركة إضرابات وتظاهرات ضد الإنتداب الفرنسي كان أبرزها الإضراب الخمسيني الذي كان له دور كبير في حياة سوريا في تلك المرحلة. وقد لعب فرج الله الحلو في هذا الإضراب دوراً مهماً باسم الحزب الشيوعي مع رفاقه الآخرين. ومن دمشق انتقل إلى بيروت ليستقر فيها، وليصبح عملياً وبإقرار من الجميع الشخص الأول في الحزب، قبل أن يعود خالد بكداش عام 1937 ويصبح القائد الأول للحزب، في أعقاب تنحية الأمين العام فؤاد الشمالي من مركزه بقرار تعسفي. وكان بكداش في ذلك العام 1936 يعمل في الكومنترن (الأممية الشيوعية) في موسكو، مع عدد آخر من ممثلي الأحزاب الشيوعية. وكان يساعد فرج الله في موقعه الجديد في قيادة الحزب، رفيق دربه نقولا شاوي. وعام 1937، وبعد عودة خالد بكداش من موسكو، انعقد اجتماع للجنة المركزية للحزب السوري اللبناني، تقرَّر فيه إنشاء قيادة مركزية (سكرتاريا) من خالد بكداش وفرج الله الحلو ونقولا شاوي ورشاد عيسى. كما تقرَّر انتقال الحزب من العمل السري إلى العمل العلني. وكان أول ما قام به الحزب في هذا المجال السعي للحصول على ترخيص بإصدار جريدة علنية. وقد حصل الحزب على الترخيص وبدأ بإصدار جريدة “صوت الشعب”. ومن موقعه الحزبي الجديد بدأت المرحلة الجديدة المثيرة للاهتمام في مسيرة حياة فرج الله الحلو. وفي هذه المرحلة، التي أصبح فيها فرج الله شخصية لبنانية عامة، إلى جانب كونه شخصية شيوعية أساسية، بدأت تندمج في شخص الرجل، وفي نشاطه، وفي مواقفه، بلا افتعال، ثقافته العامة وأخلاقه، بممارسته لنشاطه السياسي في المجالات كلها. وبدأت تصبح القضايا الوطنية في النضال من أجل الاستقلال، وفي مكافحة الصهيونية والفاشية، شديدة الارتباط إلى حدود التوحد مع القضايا ذات الصلة بمصالح العمال والفلاحين وسائر الكادحين في المدينة والريف. وبدأت تتحدد، منذ ذلك التاريخ، الملامح الخاصة لشخصية فرج الله الحلو، الإنسان والقائد الحزبي والزعيم الوطني، وصاحب المواقف التاريخية التي ارتبطت باسمه، وجعلت من شخصيته، على امتداد الأعوام العشرين التي تلت تلك المرحلة من حياته، بطلاً من الأبطال التاريخيين لذلك الزمان.

بين لبنان وسوريا

كان الوضع في لبنان وسوريا في الفترة الممتدة بين عام 1936 وعام 1939 بدأ يختلف عن السنوات السابقة. إذ تميَّز بشيء من الانفراج الذي أتاح للقوى السياسية أن تنشط بقدر من الحرية. الأمر الذي استفاد منه الحزب الشيوعي. فوسَّع نشاطه في البلدين. وتحولت جريدته “صوت الشعب”، التي كانت تصدر في بيروت بإدارة نقولا شاوي وبمساهمة نشيطة من فرج الله الحلو، إلى الجريدة الأولى في البلاد. وكانت افتتاحيات الحلو في الجريدة تعالج مجمل القضايا السياسية والاجتماعية، الخاصة بالبلدين، والعامة المتصلة بالوضعين العربي والدولي. ومعروف أن تلك الفترة من تاريخ العالم كانت قد شهدت صعود الحركة الفاشية في كل من ألمانيا وإيطاليا. إذ أصبح كل من هتلر وموسوليني الزعيمين الأولين للبلدين، حاملين معهما مطامحهما لتغيير العالم، استنادًا إلى نظريتهما التوسعية العدوانية ذات الطابع العنصري. وكانت قد وصلت إلى الحكم لفترة قصيرة في فرنسا الجبهة الشعبية المؤلفة من الحزبين الاشتراكي والشيوعي. وكانت قد قامت في إسبانيا في الوقت ذاته الجمهورية الفتية بمشاركة الاشتراكيين والشيوعيين وسائر القوى اليسارية والديمقراطية في البلاد. وإذ انهار حكم الجبهة الشعبية في فرنسا وبدأت تترنَّح الجمهورية الإسبانية الفتية تحت ضربات قوى اليمين الفاشي بقيادة الجنرال فرانكو وبمساندة عسكرية من حكومة هتلر في ألمانيا، برغم جيش المتطوعين الأممي الذي ذهب إلى إسبانيا لمساندة الجمهورية، فقد تحولت الأوضاع في العالم في اتجاه حرب مقبلة، سرعان ما اندلعت في أواخر عام 1939. واجتاحت جحافل الجيش النازي بولونيا وفرنسا. وانتصر فرانكو على الجمهورية الإسبانية. وبدأ يسود وضع جديد في لبنان وسوريا نقيض لفترة الانفراج السابقة. وكان قد تهيأ الحزب الشيوعي لذلك الوضع. فشكَّل من عدد من المثقفين الديمقراطيين منظمة لمناهضة الصهيونية وعصبة لمكافحة الفاشية والنازية. وباشر معركة حقيقية للنضال من أجل الاستقلال. وأقام تحالفات سياسية واسعة، كان أبرزها تحالف الحزب مع رياض الصلح في انتخابات عام 1937. إذ ضمت القائمة الإنتخابية في بيروت، إلى جانب رياض الصلح وألفرد نقاش، كلا من نقولا شاوي وسعد الدين مومنة ممثلين للحزب الشيوعي. وبادر الحزب بواسطة النقابيين المنتمين إليه إلى تشكيل اتحاد عام للعمال والمستخدمين. وكان النقابي الشيوعي مصطفى العريس أول رئيس لهذا الإتحاد. ومعروف في تاريخ لبنان الحديث أن قانون العمل الذي صدر عام 1946 هو ثمرة نضال هذا الإتحاد على امتداد عقد كامل. وكان لفرج الله الحلو دور في كل تلك النشاطات والمبادرات التي ارتبطت باسم الحزب الشيوعي. ولأن فرج الله الحلو كان قد أصبح قيادياً بارزاً في الحزب فقد كلف في عام 1937 بتقديم تقرير إلى اجتماع اللجنة المركزية للحزب الذي انعقد في دمشق بعنوان: “قوة الحزب في تنظيمه الديموقراطي وفي قيادته الديموقراطية”. وكان هذا التقرير صرخة مدوية في وجه السائد من الممارسات المخالفة للديموقراطية، الموروثة من السائد في الحركة الشيوعية. كما كان تعبيراً عن طموح حقيقي عند فرج الله لجعل الديموقراطية القاعدة الأساسية في العلاقات داخل الحزب وفي علاقات الحزب بالقوى الأخرى وفي علاقاته بالجماهير. وكان سلوكه، وكانت ممارساته، شاهداً على ذلك الطموح الذي كان التقرير المشار إليه مليئاً بالإصرار على جعل حزبه الشيوعي مدرسة نموذجية في الديموقراطية.
لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية في أواخر عام 1939 ووصول حكومة فيشي إلى السلطة في فرنسا قلبا الأوضاع في لبنان وسوريا رأساً على عقب. وسادت في البلدين حملة قمع ضد الشيوعيين والوطنيين عموماً. واعتقل فرج الله الحلو ونقولا شاوي وعدد كبير من قادة الحزب وكوادره ومثقفيه ومعهم قيادات الحركة النقابية. وصدرت بحقِّهم أحكام قاسية. ولم يدم ذلك الوضع طويلاً. ففي العام 1941هزم جيش فيشي في البلدين بعد معركة ضارية جرت بين جيش فرنسا الحرة بقيادة الجنرال ديغول والجيش البريطاني. واستعادت الحياة السياسية في لبنان طبيعتها السابقة. وأفرج عن المعتقلين. وبدأت حملة وطنية واسعة للمطالبة باستقلال البلدين كان الحزب الشيوعي في مقدمتها. وكان فرج الله الحلو، من موقعه في قيادة الحزب، أحد الرموز الأساسية لتلك الحركة. وانتصر البلدان في انتزاع استقلالهما برغم التدخل الاستعماري الفرنسي، الذي تمثل في لبنان عام 1943 باعتقال حكومة الاستقلال، وتمثل في سوريا في عام 1945 بقصف البرلمان السوري بالدبابات. وتشكَّل في لبنان “المؤتمر الوطني” من مختلف الشخصيات الوطنية التي مثلت كل الاتجاهات السياسية في البلاد. وتمثَّل الحزب الشيوعي في المؤتمر بفرج الله الحلو وأرتين مادايان، بصفته الشيوعية الأرمنية، وبشخصيات أخرى حزبية وصديقة للحزب. كما تمثل الإتحاد العام للعمال والمستخدمين برئيسه مصطفى العريس. وكان لهذا المؤتمر دور أساسي في النضال للإفراج عن حكومة الاستقلال، ثم في تثبيت دعائم الاستقلال، وفي الدفاع عنه، وفي استكمال عناصره بإجلاء القوات الأجنبية عنه غداة انتهاء الحرب. وكان للحزب الشيوعي دور أساسي في المعركة الوطنية لتحقيق الجلاء عن لبنان وسوريا، الذي ساهم في تحقيقه الفيتو السوفياتي الذي استخدم للمرة الاولى في مجلس الأمن عام 1946 لمصلحة البلدين. وكان لدور الحزب الشيوعي ولفرج الله الحلو ونقولا شاوي في معركة الاستقلال أثر بالغ في توسيع قاعدة الحزب السياسية والجماهيرية. وقد انعقد المؤتمر الأول للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان في نهاية ذلك العام بالذات، أي بين 31 كانون الأول 1943 و3 كانون الثاني 1944. وكان انعقاد المؤتمر بذاته، والقرارات التي صدرت عنه، تأكيداً لذلك الدور الذي لعبه الحزب في البلدين، ولترسيخ وتثبيت وجوده كمكوّن أساسي من مكونات الحياة السياسية في البلاد. ودلّ على ذلك بوضوح ارتفاع عضوية الحزب في لبنان إلى ما يزيد على عشرين ألف عضو، في حين لم يكن يزيد عدد سكان البلاد على مليون نسمة. انتخب فرج الله الحلو في ذلك المؤتمر رئيساً للحزب اللبناني وخالد بكداش رئيساً للحزب السوري. وأقرَّ المؤتمر لكل من الحزبين ميثاقاً وطنياً تضمن كل منهما مهمات وطنية واجتماعية تخص كلا من البلدين. كما أقرَّ العلم اللبناني والعلم السوري علمين لكل من الحزبين، والنشيد الوطني في البلدين نشيدا لكل من الحزبين.
كان قرار المؤتمر الأول للحزب الشيوعي في سوريا ولبنان بتشكيل قيادتين منفصلتين لكل من الحزبين ولجنة مركزية لكل منهما وبرنامجاً وطنياً خاصاً، إقراراً موضوعياً بقيام بلدين مستقلين، لكل منهما خصوصياته وأوضاعه. ورغم قرار انفصال الحزبين الذي اتخذه المؤتمر، استمر خالد بكداش في موقعه قائداً للحزبين بالتعاون مع القيادتين، من أجل الاستمرار في علاقة خاصة تربط بين البلدين والشعبين وتحافظ على الأخوة والمصير المشترك بينهما. وكان ذلك التاريخ شاهداً على المرحلة التي بلغها فرج الله الحلو في تطوره، وفي الموقع الذي احتله في حياة الحزب وفي حياة البلد. وصار مركز الحزب من المراكز التي تلتقي فيها الشخصيات السياسية على اختلافها، ومن بينها عدد من المسؤولين الحكوميين على اختلافهم من رئيس حكومة الاستقلال رياض الصلح إلى رئيس الحكومة الثانية ابن عمه سامي الصلح، إلى الزعماء الآخرين من عبد الحميد كرامي إلى حبيب أبي شهلا وكمال جنبلاط وحميد فرنجية وسائر زعماء البلاد الكبار. وكان فرج الله الحلو ورفيقه نقولا شاوي كقائدين محور عدد من تلك اللقاءات والاجتماعات والتحالفات والصراعات. ويمكن القول أن قمة مجد فرج الله الحلو تجسدت في الفترة الممتدة بين عام 1937 وعام 1947. وتعبِّر عنها مواقف أساسية في ثلاث قضايا جوهرية: القضية المتعلقة بمفهوم فرج الله الحلو للتنظيم في الحزب ولمكوناته وقواعده، والقضية المتعلقة بمفهومه للوطنية اللبنانية في ارتباطها بالعروبة وبالديموقراطية، والقضية المتعلقة بفهمه للقضية الفلسطينية كقضية عربية مركزية.

كريم مروة
(يتبع جزء ثانٍ صباح الخميس)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*