فتحية مزالي: أبرز سيّدات دولة الاستقلال

مالك التريكي
Feb 24, 2018

في عامي 1946 و1947 فوجىء التلاميذ في قاعة امتحانات البكالوريا الفرنسية، بجزئيها، في تونس أنه قد كان بينهم فتاة لم يتسن لهم رؤية وجهها لأنها كانت منتقبة على عادة النساء آنذاك. كانت تلك المفاجأة الأولى: طالبة علم مفردة بين جمع من الشباب في بلاد يجثم على صدرها احتلال كان يحول بين الأغلبية الساحقة من أبنائها وبين الحق في التعلّم والتقدم. ولكن المفاجأة الثانية كانت أدلّ وأوقع. إذ تبين عند إعلان النتائج أن الفتاة قد توجت الأولى في ترتيب الناجحين، متفوقة على الجميع بمن فيهم التلميذ اللامع محمد مزالي. تلك هي التونسية فتحية مختار التي انتقلت إلى رحمة الله تعالى يوم 12 من هذا الشهر عن سن تناهز التسعين.
اشتهرت هذه السيدة الفاضلة بأنها أول امرأة يسند لها منصب وزاري في دولة الاستقلال، حيث كلفها الزعيم بورقيبة عام 1983 بوزارة الأسرة والنهوض بالمرأة. وكانت من مؤسسات «الاتحاد القومي النسائي التونسي» عام 1956 و«الجمعية التونسية للتنظيم العائلي» عام 1968، بحكم اهتمامها الأصيل بقضية تحديد النسل التي ألقت بشأنها، منذ عام 1959، محاضرة في نادي عزيزة عثمانة (وهو اسم أميرة من القرن 17 كانت واسعة البر والإحسان، وتعدّ من أمجد «شهيرات التونسيات»، حسب عنوان كتاب حسن حسني عبد الوهاب). وكان اسم المثقفة والمناضلة الوطنية فتحية مختار قد اقترن باسم رجل الثقافة والسياسة الأستاذ محمد مزالي منذ زواجهما عام 1950 بعد نيلهما الإجازة في الفلسفة من جامعة السوربون. وكما أن ابنة بلدتها، رأس الجبل، توحيدة بالشيخ كانت أول طبيبة في تاريخ تونس، فقد كانت فتحية مزالي أول أستاذة فلسفة تونسية. كانت، حسب تعبير الأستاذ مزالي، «من مريدي أفلاطون دون أن تدري»: فقد اشترط أفلاطون لقبول الطلاب في أكاديميته أن «لا يدخلنّ علينا إلا من كان رياضيا». وقد اختارت هي، مع تفوقها في الرياضيات، أن تتخصص في الفلسفة!
لم يتسن لي لقاء السيدة فتحية مزالي أثناء زيارتي عام 2006 لزوجها، رحمه الله، في باريس. ولكني حظيت بمقابلتها عام 2015 في بيتها في ضواحي تونس العاصمة. استذكرت معها ما رواه الأستاذ مزالي عن تفاصيل تعرّفه بها في السوربون، وما عدّده من خصالها الشخصية والوطنية، ليس في كتابه الشهير الذي أصدره عام 2004 بعنوان «نصيبي من الحقيقة»، والذي يقدم شهادة تاريخية عن نصف قرن من الحياة السياسية في تونس. بل إن التفاصيل مروية بفرنسية كلاسيكية طليّة في كتابه الحواري (مع الكاتبة غزافيير أوليس) الذي صدر عام 1984 بعنوان «حديث الفعل». ومما قاله في سياق شرح انجذابه إلى هذه الفتاة التونسية المتفوقة إن «سجية التكتم والتحفظ فيها كانت تفعل فعل السحر».
كانت تشاطر بقية النخبة الوطنية حب المسرح. وتتقاطع ذكرياتها مع ذكريات الأستاذ مزالي حول عدد من الروائع، وخصوصا مسرحية سارتر «الأيدي القذرة» التي عرضت أول مرة عام 1948 والتي تقمص فيها الممثل بيار براسور دور «هوغو» الذي يجسد الفرد الذي يواجه مفاسد نظام الاستبداد. وتقابله شخصية «هودرير» قائلا بصوته الأجش «إن يديّ قذرتان حتى المرفقين. لقد أغطستهما في القاذورات وفي الدماء. أفتتصور أن من الممكن أن نمارس الحكم ببراءة؟» سؤال سياسي أساسي: هل يمكن ممارسة الحكم دون اتخاذ مواقف وقبول تسويات قد تبدأ بقدر من نكران المبادىء، وربما تنتهي بفرط في اقتراف الجرائم؟
عندما عين الأستاذ مزالي وزيرا للدفاع عام 1968 تعرف بضابط اسمه بن علي. ومنذئذ دخل العسكري في رعاية السياسي وحماه، وصار مدينا له بالفضل في كل شيء. ولولا الأستاذ مزالي لما كان بن علي ليحلم مجرد الحلم بإمكان العودة لأكبر المناصب الأمنية بعد إقالته بسبب فشله الذريع، عام 1980، في وقاية البلاد من الأحداث الدموية التي وقعت في مدينة قفصة نتيجة المحاولة الفاشلة التي دبرها القذافي لاغتيال الوزير الأول الهادي نويرة. أخبرتني السيدة فتحية مزالي، رحمها الله، أنها قالت لزوجها إنه ينبغي أن يحذر هذا الرجل. سألتها: لماذا؟ قالت: كان بن علي كثير الزيارات إلينا في البيت. ولم أكن أرتاح إليه. كنت أحدس أنه غدّار. ولا بد أنه استشعر ذلك مني. لهذا لم يكن يتحدث أمامي بشيء. بل كان دائما ما يستأذن الأستاذ مزالي في الخروج للتمشي والتحادث في الحديقة.

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*