«فالس مع بشير»: محاولات يائسة للتحايل على الذاكرة

 

 القاهرة – محمد عبد الرحيم
Nov 14, 2017
القدس العربي

القاهرة ــ «القدس العربي»: من  لم يكن فيلم «فالس مع بشير» إنتاج 2008 سيناريو وإخراج آري فولمان، هو الفيلم الأول الذي يستعيد ويستعرض حرب لبنان، فقد سبقه عام 2006 فيلم «بوفورت» لجوزيف سيدار، الذي يتناول حياة مجموعة من الجنود داخل قلعة بالاسم نفسه، داخل الأراضي اللبنانية، وكانت مهمتهم الحفاظ عليها، حتى جاءت الأوامر بالانسحاب في النهاية، بعد فقدان بعضهم نتيجة هجمات رجال المقاومة، إضافة إلى الانهيار النفسي الذي طال مَن بقيّ منهم على قيد الحياة. والفيلم مقتبس عن رواية بالاسم نفسه للكاتب رون ليشيم. وهو يُحمّل أهوال هذه الحرب للقيادة السياسية في إسرائيل، دون أن يتعدّى الأمر البحث أكثر عن أسباب الحرب، أو مناقشة الدوافع الحقيقية لخوضها. فقط انعكاس نفسي لهؤلاء الجنود صغار السن، الذين تم إجبارهم على خوض حرب يجهلونها. ثم يأتي لاحقاً فيلم آخر عام 2009 بعنوان «لبنان» لصامويل ماعوز ليروي الحكاية من خلال أربعة جنود داخل دبابة، لتصبح رؤية ما في الخارج من خلال شاشة التصويب بالدبابة. وبالطريقة نفسها ينهار المصوّب للأخطاء التي يرتكبها، وهو يصوّب طلقاته مرتعباً كيفما اتفق، فبينما ينتظر ليتأكد من سيارة مقبلة، فإذ فيها بعض رجال المقاومة، ويقتلون أحد الجنود من المشاة، وفي رد فعل على سيارة أخرى يرفع سائقها يده ملوحاً بالسلام، تصيب سيارته قذيفة، ليسقط فاقداً لذراعه، صارخاً وسط صناديق الدجاج الذي فرّ، فلم يكن سوى سائق شاحنة تحمل دجاجاً!

لجنة كاهان

في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1982 أمرت الحكومة الإسرائيلية المحكمة العليا بتشكيل لجنة تحقيق خاصة، حيث قرر إسحاق كاهان، رئيس المحكمة العليا، أن يترأس اللجنة بنفسه، وسُميت بـ»لجنة كاهان» والتي أعلنت نتائج البحث في 7 شباط/فبراير 1983 وأقرت أن شارون يتحمل مسؤولية غير مباشرة عن المذبحة، كما انتقدت اللجنة رئيس الوزراء مناحيم بيغن، ووزير الخارجية إسحاق شامير، ورفائيل إيتان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وقادة المخابرات، لأنهم لم يقوموا بما يكفي للحيلولة دون حدوث المذبحة، أو لإيقافها على الأقل حينما بدأت. ليبدو في النهاية أن إسرائيل اختارت مجزرة ارتُكبت على يد حلفائها، حتى تبقى على مسافة من المسؤولية. كان هذا مُلخصاً سريعاً لملابسات وأحداث مجزرة «صابرا وشاتيلا» قبل الحديث عن «فالس مع بشير» الذي يستمد أحداثه بالكامل من وقائع هذه الحادثة.

ألعاب الذاكرة الخائبة

حاول آري فولمان الاحتفاظ بذاكرته في مكان بارد، يكاد يقترب من درجة التجمّد، وهي لعبة للهرب وتجنب الألم بتذكر ما حدث. ويبدو أنه نجح إلى فترة من الزمن في لعبة الهرب تلك، إلا أن الخيبة لاحقته في النهاية، ليس فقط في استعادة أحداث «صبرا وشاتيلا» كصورة كاملة من بعيد، ولكن .. تذكّر أدق تفاصيلها، بما أنه كان أحد الجنود الذين شاهدوها، بل واشتركوا فيها بالفعل.

التوسل بالآخرين

عن طريق عدة شخصيات يسعى المخرج لمقابلتها، سواء التي ارتبطت أو شاركت في المجزرة بدرجات متفاوتة، كل حسب موقعه ودوره، يتم سرد تفاصيل الفيلم، ونسج الأحداث التي تعيد تشكيل ذاكرة البطل/المخرج، الذي ظن أنه تخلص من عبئها إلى الأبد. كما يستعين في مقابلاته بمتخصصين نفسيين، أوضحوا له طريقة الهروب بالنسيان، لتفسير الأمر من الوجهة النفسية، حول الأشخاص الذين يحاولون الهروب من وقائع مؤلمة، لا تستطيع ذاكرتهم تحمّلها. وهو ما كان يُعاني منه المخرج في البداية .. «النسيان».

كابوس مزمن

أول مَن يُطالعه فولمان، والذي سيفجّر داخله رحلة البحث هذه، هو صديق قديم وزميله في فترة التجنيد، والذي اشترك معه بالفعل في حضور المذبحة.
يتقابل الرجل وصديقه في بار، ويحدثه الصديق عن كابوس يومي لا يستطيع الفكاك منه، وهو أن 26 كلباً يقطعون مسافة طويلة، وهم في غاية الشراسة، حتى يصلون أسفل بيت الرجل، الذي يعرف أنهم يتقصدونه، وينظر لهم من نافذته في رعب شديد. ويذكر الرجل سبب هذا الحلم، حينما يسأله المخرج، بأنهم عند دخول المدينة ليلاً، وجدوا كلاباً تنبه أهل البلدة إلى تواجد الغرباء، فأمره قائد الفرقة أن يُطلق عليها النار، طالما أنه لا يستطيع قتل إنسان مثله. يظل هذا الكابوس الرمزي، المُتمثل في الحلم يراود صاحبه، بينما طوال الأحداث يتحول إلى كابوس ثقيل، يحمله الجميع، بعضهم يستكين لما حدث، ويحاول تجاوزه، والآخر لا يعرف كيفية الحُكم على الأحداث، كنتيجة لحالة من التشوش، لا يستطيع أن يقطع بحقيقة موقفه إذا ما كان مع أو ضد اشتراكه في مثل هذه المجزرة. فنرى صديقاً آخر، كضابط سلاح المدرعات، الذي يلوم الفوج الملحق به أثناء الحرب، لتجاهلهم إياه وتركه وحيداً خلف خطوط العدو، بعد صدام مع قوة من المقاتلين الفلسطينيين، وعلى الرغم من ذلك يشعر بالذنب لأنه ترك أصدقائه يموتون برصاص وقذائف الفلسطينيين! الأمر نفسه يتكرر مع «مليونير الطعميّة» وهو أحد المشتركين في المجزرة، والذي كان يتنبأ له الجميع بأن يصبح أحد العلماء، وأن الأمر سينتهي به للحصول على جائزة نوبل، لكنه الآن يعيش في هولندا، يتبادل تدخين سجائر الحشيش مع المخرج، ليستمر في العيش مُغيّباً، فرغم امتلاكه لأموال طائلة وأراضٍ ممتدة، إلا أن الكآبة تلفّه تماماً. فهو إذن نوع آخر للهروب من الواقع، باختياره إرادياً، وهو ما يمكن أن نطلق عليه «غيبوبة بديلة» مقصود عمداً، عن فقدان الذاكرة الجزئي، الذي يبدو كإجراء دون وعي ــ كما قال المختصون النفسيون ــ للهرب من الشعور بالذنب أو تحديد موقف واضح من المجزرة.

الراقص مع بشير

يستوحى الفيلم اسمه من موقف إحدى الشخصيات، الذي تم محاصرة فرقته من قِبل المقاومة الفلسطينية، والذي كان يحمل سلاحاً جديداً، لا يجيد استخدامه، بينما زميله بجواره يقاتل بالسلاح الذي اعتاد عليه دوما. وإزاء رفض زميله لاستبدال السلاح معه، يأخذه منه عنوة وسط دهشة الجميع، ويقف في منتصف الطريق، يحصد رجال المقاومة، وخلفه على الحائط تتوزع صور بشير الجميل، وكأن الجندي يرقص مع صاحب الصورة، وهو يوزع الطلقات كيفما اتفق. هذا الشخص الذي أصبح الآن مُدرباً لفنون القتال، وهو لم يزل في غاية الحدة والعصبية، وملامحه تحمل قدراً كبيراً من العنف لم يتخلص منه بعد، دون أن تنصرف عنه أجواء الحرب التي يعيشها، فمازال يضع العطر نفسه الذي اعتاده وقت الحرب، ليتعرف جنوده مكانه في الظلام، نظراً لرائحة العطر النفاذة.

التعميد بالنار

لا نجد في بداية الفيلم سوى مشهد وحيد يتذكره فولمان، هو خروجه ورفاقه من ماء البحر، وهم شِبه مُغيبين، كأطفال مُغرر بهم، لا يدركون ما حولهم، ولا يستطيعون التفكير أبعد من ملامحهم التي لم تغادر الطفولة بعد. هذا المشهد يتكرر عدة مرّات خلال الفيلم، وكأنه تكرار إيقاعي، لضبط وجهة نظر المخرج في الأحداث، أكثر من كونه ضبطاً سردياً لما يرويه الفيلم، فبعض الشخصيات التي يستحضرها لتسرد ما تتذكره، نراها تخرج من البحر، وتسير في بُطء نحو الشاطئ. حتى أن المخرج وقت أن كان شاباً، يخرج في النهاية، بعدما كان يستلقي ولا تظهر سوى قدميه، حيث يهدهد الماء جسده. طقس في مُجمله يُشبه طقوس التعميد، لكنه مُعاكس للمفهوم السائد، فبمجرد خروجهم إلى الشاطئ، سيتحملون نتيجة أفعالهم، حتى ولو حاول المخرج التنصل جزئياً، ومحاولة إزاحة المسؤولية تجاه المؤسسة العسكرية وحدها.

إدانة المؤسسة العسكرية

لم تخرج وجهة نظر المخرج عن نتائج تقرير «لجنة كاهان» بأن يحمّل تبعة ما حدث على عاتق المؤسسة العسكرية وحدها. وقد جاءت عدة مشاهد تؤكد وجهة النظر هذه: كالمقارنة بين إفطار الجنود في الميدان وإفطار شارون في مزرعته أو بيغن في مكتبه. إضافة إلى شهادة مراسل تلفزيوني شهير روبن بن يشاي، الذي سارع بإبلاغ شارون بأن هناك شيئا ما يحدث في مخيم صبرا وشاتيلا، ولكن شارون لم يعلق وشكره على ملاحظته! الرجل نفسه الذي أكد أن القيادة العليا المسؤولة عن ذلك الموقع كانت في مكان عال يسمح لها برؤية ما كان يجري من قتل في تلك الليلة على يد رجال الكتائب. وفي مقابلة مع أحد العسكريين الإسرائيليين، الذي يروي أنه كان في الخطوط الأمامية للمخيم، ورأى أن الشاحنات تخرج مُحمّلة بالمدنيين وتعود فارغة، وهكذا عدة مرّات، ويدّعي في ارتباك حينما يسأله المخرج عن مصير هؤلاء، أنه كان يجهل ما يحدث! مشهد أخير عبثي يؤكد هذه النظرة إلى القادة العسكريين .. فداخل فيلا راقية يقوم أصحاب الرتب العسكرية بالاستحمام بالماء الساخن، حيث كل شيء من الذهب الخالص، والبعض يستلقي في فراش وثير، إلا أن موقف القائد كان أشد فجاجة مما سبق، فهو يجلس أمام التلفزيون، ويقوم بمشاهدة فيلم جنسي، مُمسكاً بالريموت، لاستباق اللقطات التمهيدية في مثل هذه الأفلام، ومن عبارة داخل الفيلم تقولها إحدى الشخصيات «في الخارج تقف عربة مرسيدس حمراء» يأمر القائد فولمان أن يستعد للخروج وبعض رفاقه، فهناك معلومات عن عربة مرسيدس حمراء مُفخخة آتية في الطريق، فيمتثل الجنود لأوامر قائدهم ويقتلون بالفعل ركّاب أول «عربة مرسيدس حمراء» تمر بالقرب من المكان!

المدينة دائماً بعيدة

لم ينس الفيلم استعراض حالة التناقض ما بين جبهات القتال وبين مدينته التي يحيا بها، وكأنها في عالم آخر، فلا أحد يدري عما يحدث هناك، وفي مشهد دال يُشاهد المخرج العائد في زيارة سريعة إلى مدينته ــ هناك لقطة استعادية للجنود الروس وهم يزورون مدنهم وحبيباتهم للحظة عند محطة القطار، ثم يعاودون الذهاب لأرض القتال وقت الحرب العالمية الثانية، فأجداد البطل من روسيا في الأصل، وهي مقارنة عبثية ساخرة ــ بعض الشباب يلعبون ما يُشبه ألعاب الفيديو جايم، ويصوبون طلقاتهم الوهمية أمام أعداء وهميين، وهو مقارنة بين اللعبة الصبيانية التي تحدث هنا، وبين القتل الحقيقي الذي يحدث في مكان آخر. كما أن هؤلاء الشباب اللاهي لا يعرف ما ينتظره حينما يحين أجله وينتظم في سلك التجنيد الإجباري.

الذاكرة الحيّة

حالة التشوّش التي سيطرت على عقول هؤلاء الجنود وقت المجزرة، لم يتخلص منها، أو ينجو منها أحد حتى الآن. وهذا ما يفسر حالة فولمان نفسه، الذي يبحث عن تطهير نفسي، يجعله يستطيع مواصلة الحياة. إلا أن المأزق يتضخم ويصبح سداً أمام حالة مواجهة الذات هذه .. فهو بداية يدين القيادة العليا في الجيش، وقبلها القيادة السياسية بالطبع، ويحاول النجاة بنفسه ورفاقه من هذا النفق المظلم/النفسي، إلا أن هاجس الواقع يتراقص أمام مخيلته (واقع ما حدث) لنجده يأتي بمشاهد تدينه ورفاقه يفرضها المنطق، مثل .. مشهد الدبابات الإسرائيلية التي تحطم السيارات في شوارع بيروت الضيقة، والقناص الذي يقتل رجلاً يركب حماره، ورمي سيارة بالرصاص دون معرفة أي شيء عنها، ليحصدوا أرواح مَن بداخلها. هناك حالة من الرعب والخوف سيطرت على فولمان ورفاقه، لحداثة سنهم، وللتجربة المريرة التي أدخلتهم بها مؤسساتهم السياسية والعسكرية. حالة الرعب هذه لم تزل تلقي بظلالها على وعي العديد من الجنود، الذين عبّر عنها وعنهم المخرج من خلال فيلمه، وما بين الخوف والتشوّش تتسرب الحقائق، دون تعمد، فيعقد مقارنة صريحة بين ما حدث وبين الهولوكوست، وبينما يرى أنه تم استخدامه ورفاقه من قِبل قادتهم، وحولوهم إلى ما يُشبه النازيين، إلا أنه يعود ويدين الجميع أيضاً، بما فيهم نفسه، فهذه المشاهد، والوقائع التي حدثت لن تستطيع الذاكرة مهما تحايلت بالتواطؤ على نسيانها، وهو ما يؤكده المشهد الأخير بالفيلم، فالمتبقي بعد أحداث الفيلم هو مرور فولمان في مواجهة نساء المخيم، المتشحات بالسواد، وكأنه في عالم مرعب من الأشباح التي ستلازمه أبدا، ليتحول الأمر في النهاية إلى عدة لقطات حيّة أرشيفية للنساء وصراخهن وأجساد القتلى المتكومة في كل مكان لتحتل الذاكرة كلها بوضوح دون مواربة أو تحايل للنسيان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*