فؤاد نفاع


سمير عطاالله
النهار
14042017

العام 1973 كان فؤاد نفاع وزيراً للخارجية في حكومة تقي الدين الصلح، وكنت اغطي دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. ذات يوم التقى هنري كيسينجر، فسألته هل هناك ما يُنشر عن المحادثات؟ وكان جوابه: “سوف أطلعك على كل ما دار في اللقاء، أما ما يُنشر وما لا يُنشر، فهذا تقرره انت”.

بعد عامين كان وزير خارجية لبنان، خاله، الاستاذ فيليب تقلا. ذات يوم سألته إن كان سيلتقي هنري كيسينجر في هذا الوقت الملتهب (1975) قال أنه سيلقاه غداً، وطلب مني أن انتظره في صالة المندوبين. وبعد الاجتماع جاء يرسم تلك الابتسامة “الكاثوليكية” التي تريح، لكنها لا تفصح الكثير. وقال لي، هذا ما قلناه، وهذا ما قاله الرجل، أما ما يصلح منه للنشر، وما لا يصلح، فهذا عائد لك. أنت مراسل “النهار”، لا أنا!

خلال حكومة تقي الدين الصلح اثيرت “فضيحة” “اتفاق القاهرة” الذي ارادت الدولة حظر نشره، لكن الزميل اميل خوري حصل على النص، ونشرته “النهار”، وقامت الدنيا، وادخل غسان تويني السجن، ومعه المدير المسؤول وفيق رمضان. من اعطى النص إلى اميل خوري؟ سارع فؤاد نفاع إلى القول أنه هو. وكان الجميع يعرف أن اميل حصل على النص من تقي بك، لكن فؤاد نفاع اصرّ على أنه المسؤول، مغامراً بالصداقة التي تربطه بالرئيس سليمان فرنجية، وبمستقبله السياسي.

العام 1981، كنت اعمل مديراً لصحيفة “الانباء”في الكويت عندما جاءنا تقي بك ومعه ابن شقيقته، وصديقنا منح. حاولت أن اضع امكاناتي في تصرف تقي بك، وأن ارافقه في زياراته حيث اشعر أن لحضوري فائدة وصداقة.

وخلال زيارة للشيخ جابر العلي، فهمت من كلام تقي بك أنه يقوم بجولة في الخليج من اجل اقناع حكوماته بمدى أهلية فؤاد نفاع للرئاسة. وفوجئت بموقف تقي بك. فهو لا يراهن في السياسة إلا على الخيول المضمونة، وفؤاد نفاع بين الاتقياء. لا بين الأقوياء. وسألته بعد الخروج من عند الشيخ جابر العلي، لماذا فؤاد نفاع، فأجاب: “لأنه ضحى بنفسه من أجلي. مثل هذا الخُلق، يليق له أن يؤتمن على الدستور”.

رويت الحكاية، فيما بعد، إلى فؤاد نفاع، فلم يعلق بكلمة. لم يقل أن ملف الاتفاق أخذ من تقي بك، وليس منه. فقلت له، ألم يحن الوقت لقول الحقيقة وتبرئة نفسك، فقال أن البراءة ليست مهمة، الأمانة هي الأهم.

ربطتني بالوزير فؤاد نفاع وعائلته مودة كان يسميها “صداقة السراء والضراء”. لا صداقة ما قبل الحقيبة وما بعدها.

وبقيت المودة “تجوهر” حتى بعد أن هاجر الى الاوروغواي مع زبيدة، ليكونا قرب اهلها. وزبيدة، أم البنين، كانت جزءاً من الطوباوية في فؤاد نفاع. ولما اصيبت بضعف البصر، قرر أنه لم يعد ممكناً أن يبعد عنها إلى اي شيء. ورأى أن افضل حل هو أن يبعدها ويبتعد بها عن متاهات لبنان وسياساته. سبقه الى نفي الذات، خاله فيليب تقلا، الذي شاهد بداية الحرب جثة امام منزله، فبدل أن يذهب الى مجلس الوزراء، ذهب الى المطار.

اثنان من فخر الديبلوماسية اللبنانية وألق الألفة الوطنية. يفقد لبنان في فؤاد نفاع سياسياً عالي الخلق، وافقد فيه “صديق السراء والضراء”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*