“غداء العيد” الفائز بجائزة لجنة التحكيم في “دبي”: مائدة لمضغ السياسة اللبنانية!

هوفيك حبشيان
 المصدر: “النهار” 22 كانون الأول 2017 | 19:50


“غداء العيد” لـ 
#لوسيان_بو_رجيلي الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان دبي السينمائي الأخير (الروائي الطويل الأول له)، يتصاعد من النقطة الدنيا للسينما ليقفز بنا تدريجاً إلى ذروة التعبير عن حالة إجتماعية وسياسية وثقافية. اننا حيال فيلم تتشكّل تفاصيله على مرأى ومسمع منّا، آليته ظاهرة، رصيده الفكري محدود، ولكن قوية ومتماسكة رغبة المخرج في مداعبة جلدنا في الاتجاه المعاكس للشعر.  

في المشاهد الأولى التي تطول لتحتل أكثر من نصف الفيلم، نحن نجلس حرفياً داخل حضن الشخصيات وبين الصحون والأكواب في يوم عيد، أي إلى مائدة عائلة لبنانية خلال ما يتبين سريعاً بأنه احتفاء بالأكل والنقاش والاجتماع العائلي. باختصار: كلّ تلك الأشياء التي نعرفها جميعاً. هذا كله لا يكتمل في طبيعة الحال من دون تصادم وثرثرة وحكي “طالع نازل”. هذا يؤيد فكرة مطروحة، وذاك يعارض، والإثنان لا يملكان الحجج الكافية، أو على الأقل لا تُعرض لأن من المفترض اننا نعرفها. الأفواه لا تتوقف عن المضغ، هي مصنع لكمية هائلة من الكلام المكرور الذي يتعرض لما نعانيه في لبنان، والكلام دائماً من الصنف الذي لاكته الألسنة، سماعه يجعلنا نرتبك ونخجل أحياناً ليس لأننا نكتشفه للتو، انما للنحو الذي يتم نقله وعرضه، أي بشيء من “الأوفرة” والسوقية، وأيضاً لادراكنا اننا عاجزون تماماً – وسنبقى كذلك – أمام كلّ المشكلات المتراكمة منذ الحرب الأهلية حتى اليوم.

الشؤون اللبنانية باعتبارها محلية، تقفز مع دخولها في حيز زمني ملائم إلى طرح يأخد أبعاداً شاملة. في النقد اللاذع للطبقة السياسية ورجال الدين، أرض سيجد بعض العرب فيها ضالتهم. تُطرح الأشياء بلا فلترة أو بلاغة. لا شيء ممّا نسمعه مثالٌ في المعالجة الأنيقة. الفيلم يسمّي الأشياء بمسمياتها (إلى حدّ كبير)، لا تجميل، ولا ثقافوية تحدّ من جمهوره. الكاميرا تنزل إلى مستوى مائدة الطعام، لتلتقط الكثير من أفكار بو رجيلي، المسرحي الناشط في حملة “طلعت ريحتكم”، ولتجري مسحاً شاملاً للعديد من مفردات نضال شعبي تم قمعه بشتى الوسائل، ليتحول مجرد صفحة على “فايسبوك”. عمل بو رجيلي هنا امتدادٌ لنشاطه، يتلذذ بدور الواعظ الإجتماعي، ولا يخفيه، بل يتحمّل ما يترتب عليه.

التبادل بين أفراد العائلة يسوده التوتر، والخلاف المبطن لا يرقى إلى مستوى العداء. لكن الظاهر شيء، وما سنكتشفه تباعاً شيءٌ آخر. التصعيد آتٍ لا محالة وسيجرف كلّ شيء…

أدرك المخرج وهو أيضاً كاتب السيناريو، ان المائدة أفضل الأماكن للبوح، ذلك ان مَن في فمه لقمة لا يستطيع ان يكذّب ويتزلف. الفيلم هو في النهاية عن الكذب والتزلف، وعن الفارق الكبير بين ما نقوله وندعيه من جهة، وما نفعله من جهة أخرى.

بحجم معين من الصدق الذي ما كان ممكناً من دونه خوض مغامرة سينمائية مثل هذه، يتخد الفيلم من مجموعة مسائل رهينة له. صحيح لا وقت لدى المخرج ليفتتها ويمضي إلى معاينتها من قرب، ولكن يستبدل ذلك بإشاعة جو من عدم الرضا والتململ والشكوى المتواصلة يمتاز بها عادة هذا النوع من الاجتماعات العائلية.

لا بطولة لأحد هنا، وإن كنا نميل إلى سماع صاحب الصوت الأعلى، كما في برامج الـ”توك شو” التلفزيونية. فـ”غداء العيد” هو الفيلم الجماعي بامتياز، ذاك الذي يعبّر عن العجز، ليتحول شيئاً فشئياً إلى فيلم هو نفسه يصبح عاجزاً عن الاستمرار بموضوعه والإرتقاء به إلى مصاف آخر، فيلجأ إلى “ضربة مسرحية” يختم بها، ليخرج منها فائزاً بقلوب المشاهدين.

بمَشاهد غير مقطّعة وكاميرا مهزوزة لا تقيم أي اعتبار للحظات التغبيش في الصورة (تصوير أحمد طرابلسي)، يبدي الفيلم اهتماماً بالواقعية، ويتبنى صيغة حكائية يقول عنها المخرج بأنها مستلهمة من الشخص الذي يمر أمام باب جاره، وفجأة تدهمه الرغبة في استراق النظر عبر ثقب الباب.

كان من الممكن صناعة فيلم أفضل، أقله على مستوى الحرفة، لو قرر بو رجيلي التريث لجمع ما يحتاجه من مال ولجأ إلى الأساليب الأكثر تقليدية، لكن ذلك كان ليُعتبر خروجاً واضحاً عن نصّه السياسي القائم على جمع أفكار عفوية، وطعناً لهوية مشروعه. في الأخير، يمكن التغاضي عن بعض الجوانب غير المبلورة من النصّ وعن بعض الحوارات أو التطويل الذي يغرق فيه الفيلم، بسبب جرأة المخرج في القفز إلى الفراغ من دون ضمان قيامه منه.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*