عين الشرق : أو التأريخ الدمشقي المأنسن

2017الأربعاء 15 فبراير

إيلاف 

Elaph.com


دمشق هي عين الشرق، التي هجرها الشرق، وما بقي لها إلا الدمع. رواية لابراهيم الجبين، يؤرخّ فيها الوجوه الدمشقية قبل الحرب وبعدها.
تشعر وأنت تقرأ الرواية بأنك تعيش دمشق الماضي والحاضر، هذا الحاضر المؤلم المضرج بالدم والاضطهاد والقمع والحرب وممارسات النظام وغير النظام في سوريا… بلد عاصمته عين الشرق، صار الشرق عنه بعيدًا في زمننا هذا.إيلاف: “عين الشرق” للكاتب السوري المقيم في ألمانيا إبراهيم الجبين، من أجمل الروايات المعاصرة، فالكاتب ينقلك إلى الشام “عين الشرق”، فتجوب في حاراتها وأماكنها، وكأنك تسمع أصوات الباعة، وتستكشف وجوه الدمشقيين من مهاجرين ومن متطفلين.

الملامح الحقيقية
تأخذك الرواية إلى ماضي الشام وتاريخها الحديث والقديم، بحلوه ومره، إلى حقيقة المدينة التي لم يهدأ لها بال من خلافات وحروب طائفية وتهجير قسري لأقلياتها وسكانها، واستبدالهم بهذه الفئة أو بتلك الطائفة . فعين الشرق كما يرويها الجبين حقيقية خالية من التجميل الذي يضعونه على وجوه من يظهر على الشاشات ليخفي حقيقة الوجوه من وراء الأقنعة.

عين شرق الجبين مكتوبة بلغة جميلة وأسلوب شيق، إذ يحاول أن يسمّي الأشياء بأسمائها من دون تصنع أو ابتذال أو تغيير للملامح الشامية الأصيلة، والأهم أنها حقيقية، وحقيقة هذه المدينة المرة التي تستهوي كل من يصلها، فلا يستطيع فراقها، مع أنها تكويه بنارها وتغرقه في سراديبها وفي أقبية لا يعرفها سوى من يصلها باختياره أو يقتاده بعض أدوات النظام هذا أو الذي سبقه إليها.

تجد في الشام مع هذه الرواية كل ما أرادوا لك ألا تراه قبل هذه الرواية. فالشام بعد رواية الجبين غير الشام قبلها، أقول هذا كمن زار الشام في عام 2001 بدعوة من الحكومة السورية عبر رجالها في إسرائيل آنذاك لإعداد تقرير للتلفزيون الإسرائيلي باللغة العبرية، وقضيت أكثر من عشرة أيام أتنقل في شوارع وأزقة وأسواق الشام ومخيمات اللاجئين والوافدين. بالمناسبة، زرت المرحومة خالتي أخت والدتي في السويداء، والتقيت أفرادًا من عائلتي لم أعرفهم من قبل.

تغيّرت
أنا من عشق الشام مثل الكثيرين… في زيارتها رهبة، وفي تاريخها عبق حضارات توالت، ورواية إبراهيم الجبين أعادتني إلى دمشق 2001 بداية عهد بشار الأسد ومحاولات إظهار الانفتاح وافتتاح مجالس النقاشات والتعددية والحديث عن بداية سوريا الديمقراطية التي يحلم بها ملايين السوريين.

عدت مع رواية إبراهيم الجبين إلى لقاءاتي مع حراس الأرض، الذين وصفهم الجبين في روايته وصفًا دقيقًا، وحراس النظام الذين تنافسوا في تصوير البلد في أفضل حال، وخطبوا فيّ أنا ابن الأقلية الدرزية في إسرائيل خطبهم العصماء في تفاني النظام بالحفاظ على حقوق الأقليات وحقوق الجميع وتفاني “الرئيس” في خدمة العروبة وقضية فلسطين، وأن السلام العادل والشامل يجب أن يضمن إقامة دولة فلسطينية وعودة الجولان إلى سوريا.

تنقل “عين الشرق” القارئ من حقبة إلى حقبة بسلاسة وبذكاء كبير، لتجول في الوطن السوري بكل أجزائه، وتبقى في الشام حتى عندما تزور دير الزور وحماه وحلب والسويداء، فقد عدت بشريط ذاكرتي إلى تلك الأيام، لكني هذه المرة رأيت الأمور والمشاهد من منظور الرواية، وقد أصبحت الصورة في ذاكرتي أوضح، ورأيت سوق الحميدية بشكله الحقيقي، والجامع الأموي كما هو، وساحة الأمويين بأربعة عشر حجرًا يركعون نحو القصر الجمهوري. ورأيت مبنى التلفزيون كأنه ثكنة عسكرية تغصّ بالمخبرين، ما لم أرَه خلال زيارتي قبل ستة عشر عامًا.

بلا تجميل
هذه الرواية التي أكتب عنها قد أكون مررت في أحد سطورها، وقد أكون رأيت جزءًا من يهود دمشق، الذين قابلتهم، وتكتمت عن الأمر حتى كتابة هذه السطور، لأنهم استحلفوني بأغلى ما عندي ألا أفعل. ورواية الجبين انتزعت مني هذا الاعتراف بعدما تأكدت من أن من قابلتهم آنذاك غادروا سوريا مرغمين.

نقل إبراهيم الجبين بروايته هذه حال الجميع في سنوات الغليان في سوريا في سطور ولوحات تكاد تخرج صورًا تلفزيونية حقيقية من دون عمليات تجميل وتبييض لهذا أو ذاك. أقول إني قرأت رواية عين الشرق وكأني أمام عمل وثائقي تلفزيوني على أعلى مستوى، حيث تنتقل المشاهد بطبيعية عفوية وحقيقة لا يمكن إنكارها مهما كانت قاسية.

تسرد الرواية وقائع لم تنشر من قبل عن الجاسوس إيلياهو كوهين الإسرائيلي، وحقيقة ما أراد القيام به، إلى جانب أسرار مخفية عن الطائفة العلوية في سوريا، ولمحات ونقاشات للكاتب مع الفكر الصوفي ومع الوهابية، يناقش مطولًا فكر ابن تيمية. وأترك للقارئ متعة التعرف إلى أجزاء وخبايا الرواية المحبوكة بذكاء وعفوية، قلما تجد مثلها في الروايات المعاصرة، وهنا أود التأكيد أنني لست ناقدًا أدبيًا، بل قارئ متذوق الأدب، وخصوصًا الرواية العربية.

رواية عين الشرق (368 صفحة من الحجم المتوسط) ليست الأولى للجبين، بل لديه روايات ومؤلفات وأعمال تلفزيونية أخرى، قبل الثورة السورية وبعدها، وله رواية “يوميات يهودي في دمشق” التي تعتبر نقلة نوعية في رؤية الآخر والمختلف، واليهودي تحديدًا، من منظار آخر غير معهود في شرقنا خلال السنوات السبعين الماضية.

– See more at: http://elaph.com/Web/Culture/2017/2/1133925.html#sthash.Afc1u7pe.dpuf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*