عون في السعودية يكرّس التوازن الإقليمي ويُعيد البلاد إلى الحضن العربي

9 كانون الثاني 2017

بزيارته المملكة العربية السعودية، أولى محطات جولة عربية تقوده الى قطر فمصر، يكرس رئيس الجمهورية ميشال عون نجاح معادلة التوازن الاقليمي التي حيدت لبنان عن منطق الغلبة الناجم عن نتائج الصراع السعودي – الايراني، والذي أبقى البلاد رهينة تسوية طالت أكثر من عامين ونصف عام.

لم يأتِ اختيار عون المملكة وجهة أولى لتحركه الخارجي وليد ساعته، أو بناء على الدعوة الرسمية الاولى التي تلقاها من الملك سلمان، بل جاء نتيجة بحث عميق لترددات مثل هذه الخطوة على لبنان وعلى علاقاته المتوترة مع دول الخليج، فيما يسعى رئيس الجمهورية الى أن يشغل موقعه في سدة الرئاسة الاولى وليس كزعيم لتيار سياسي او طرف في محور إقليمي. وباختياره زيارة المملكة أولا، نجح في تثبيت موقعه، وموقع لبنان ضمن محيطه وبيئته العربية.
وليست زيارة رئيس لجنة الامن القومي في مجلس الشورى الايراني علاء الدين بروجردي لبيروت عشية بدء عون جولته العربية، إلا تأكيدا أن طهران ليست بعيدة عن هذه الجولة ولا تعارضها.
ولا بد من الإشارة الى أن الحضور الإيراني لم يغب عن لبنان طيلة فترة الشغور الرئاسي، وإبان المقاطعة الخليجية، بحيث لا يمرّ شهران إلا تسجل زيارة لمسؤول إيراني رفيع لبيروت. ولجولة عون كذلك اهمية استثنائية بما انها تتناول ثلاث دول إقليمية وازنة، بحيث تصبح جدولة أي زيارة لطهران، وربما لسوريا من بعدها اقل تأثيرا او وهجاً.
يولي رئيس الجمهورية زيارته الخارجية الاولى أهمية بارزة، فهو حرص على تشكيل وفد وزاري رفيع يضم مختلف المكونات السياسية، بما يترجم حكومة الوحدة الوطنية. إذ يحرص على ان يجسد في تحركه الخارجي النموذج اللبناني الحاضن لصيغة العيش المشترك، وانتفاء تأثير الصراعات الخارجية على الداخل. وهذا يساعد الوفد اللبناني برئاسة رئيس البلاد على استعادة الثقة الخارجية بالدولة وبمؤسساتها التي اكتملت بإنجاز الاستحقاق الرئاسي وتأليف الحكومة.
ويحمل عون الى السعودية من خلال الوزراء المشاركين في عداد الوفد الرسمي مجموعة من الملفات، بحيث تتجاوز الزيارة البعد السياسي لتلامس المواضيع ذات الاهتمام المشترك بين البلدين.
فإذا كانت الزيارة تهدف الى كسر الحظر الخليجي على لبنان وإعادته الى حضنه العربي، بما يعيد العلاقات الى طبيعتها ويتيح عودة الرعايا الخليجيين اليه، فإن هذا الامر يتطلب ما هو أبعد من الزيارة. ولهذا، أدرج على جدول أعمال الزيارة، الى لقاء القمة بين الملك سلمان والرئيس عون، محادثات موسعة يشارك فيها الوفد الوزاري اللبناني مع نظرائه السعوديين.
وعلم من مصادر وزارية مواكبة للزيارة أن عون سيحمل الى القيادة السعودية مجموعة من الملفات تنطلق من مقاربة جديدة في التعامل مع المملكة، تحترم النهج السياسي الجديد الذي تقارب فيه المملكة علاقاتها الخارجية.
أبرز هذه الملفات يتلخص بأربعة عناوين تتوزع على الشأنين السياسي والاقتصادي:
– اول العناوين يتعلق بالتعاون للتغلب على التحديات التي تواجه لبنان والمملكة وتؤثر على الاستقرار وتتناول مكافحة الارهاب.
– هذا الأمر يتطلب دعم لبنان في جهوده الرامية الى مواجهة الارهاب عبر تعزيز قدرات مؤسساته العسكرية والأمنية ولا سيما منها الجيش. وفي هذا السياق، يُطرح موضوع اعادة احياء هبة المليارات الثلاثة التي كانت قدمتها المملكة للجيش، علما ان لا معلومات حتى الآن عما إذا كان ثمة اعلان عن اعادة تحريك الهبة سيتم من الجانب السعودي خلال الزيارة او بعدها، او اذا كان قرار فك الحظر عن الهبة سيكون مشروطا بالازمة السورية وبخروج “حزب الله” منها. ذلك ان تجميد الهبة مطلع شباط ٢٠١٦ جاء على هذه الخلفية، ولم يتغير الموقف السعودي منذ ذلك الحين، رغم ان فرنسا التي كلفت تجهيز الجيش كانت انجزت دفعة ثانية من التجهيزات وعجزت عن تسليمها، فأبقيت في مستودعاتها.
– دعم لبنان في مواجهة تداعيات الأزمة السورية، ولا سيما أعباء النزوح، والاستمرار في رعاية الصيغة اللبنانية التي أثبتت نجاحها وقدرتها على التغلب على التحديات.
– أما في الشق الاقتصادي، فسيطلب رئيس الجمهورية استمرار الرعاية والاحتضان السعوديين للجالية اللبنانية المقيمة في المملكة والسماح للرعايا السعوديين بالعودة الى لبنان بعدما استعاد أمنه واستقراره واكتمل عقد مؤسساته الدستورية.
لن يطلب لبنان مساعدات مالية مباشرة كما درجت العادة سابقا، ولا ينتظر ذلك. بل سيعرض امام مسؤولي المملكة لفرص الاستثمار المتاحة أمامهم في لبنان، انطلاقا من مقاربة جديدة من خارج منظومة الدعم الريعي. وعليه، سيكون هناك اعادة تفعيل للجان المشتركة في مجالات السياحة والاقتصاد والاستثمار.
تخلص المصادر السياسية الى القول إن لبنان أمام فرصة جديدة ليستعيد أنفاسه من رئته العربية، وليس الاستقبال الرسمي الرفيع، وتبادل الأوسمة الرفيعة المنتظر بين الملك ورئيس الجمهورية والحفاوة المرتقبة الا للدلالة على رغبة سعودية اولا وعربية ثانيا في استعادة لبنان الى محيطه الطبيعي، كان عبر عنها تقاطر الموفدين العرب الى بيروت حاملين الدعوات الرسمية لرئيس الجمهورية.
أما في النتائج، فلا بد من انتظار انقضاء فترة السماح التي فرضها شهر العسل الرئاسي على البلاد وحكومتها أولا، وعلى ملفاتها العالقة ثانيا.

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*