عودتان … الى مجهول !


نبيل بومنصف
النهار
20112017

غالباً ما حظيت عائلة الحريري بحفاوة خاصة في قصر الاليزيه على تعاقب الرؤساء منذ العهد الشيراكي، ولكن للمرة الاولى تلازمت رمزيات الحفاوة الشكلية بالدلالات السياسية في يوم سعد الحريري الباريسي السبت الماضي بهذا الشكل الاستثنائي. لم نعد نميز ما اذا كانت “عودة” الرئيس الحريري الى المسرح العلني الكامل منعزلة عن “عودة” فرنسية قوية من الباب اللبناني الاكثر تأثيرا في مجريات المنطقة. والحال انهما عودتان لدور فرنسي كادت تهمشه التأثيرات الاقليمية والدولية الاخرى الى دور ثانوي، ولرئيس الحكومة الذي لم يسبق لاي شاغل قبله لموقعه ومنصبه ان وضع لبنان طوال اسبوعين في تجربة مماثلة بمختلف ظروفها الغامضة والاستثنائية. واذا كان إيمانويل ماكرون الذي شكل صعوده السياسي السريع وانتخابه رئيسا لفرنسا حدثا فريدا قد جعل لنفسه المكانة الاقرب للرئيس جاك شيراك من حيث اندفاعه نحو المسرح الشرق أوسطي من البوابة اللبنانية والاحتضان الكامل للرئيس سعد الحريري، فان الآتي من الساعات والايام بما يحمله الرئيس الحريري سيكون على جانب حاسم من رسم معالم الازمة الصاعدة. نقول الصاعدة لان احدا يجب الا يذهب في مزيد من اوهام بان ما بدأ مع استقالة الرئيس الحريري يبدو من نوع عادي من الازمات او مؤشرا لاقل من انفجار اقليمي كاد يؤدي بلبنان الى متاهات انهيارات نعرف جميعا كيف تبدأ ويستحيل التكهن بخواتيمها المفجعة . ربما نكون قد مررنا ظرفيا بفترة سماح ضرورية لاطلاق يد الوساطة الفرنسية في الاتجاهات اللازمة اقليميا وداخليا . ولكن الامر ليس باقل من ملامح أزمات تآلبت على لبنان قبل 2005 وبعدها بلوغا الى أزمة الفراغ الرئاسي قبل تسوية انتخاب الرئيس عون. هذه التسوية ستصبح الآن تحت أصابع الجراحين اما لإعلان وفاتها “شرعيا” واما للتصدي لإمكان إنقاذها وتعويمها وتعديلها بتسوية بديلة. لا وسط بين الخيارين ايا سيكون ما سيبلغه الرئيس الحريري الى رئيس الجمهورية بتثبيت استقالته او بطرح شروطه للعودة عنها او بإعادة تكليفه. الامر لم يعد في كنف اللبنانيين وحدهم وخرج من الإطار الداخلي والا لما كانت العودة الفرنسية من الباب المأزوم بعدما احتاجت الى دورها معظم الدول المعنية. والأخطر ان يبقى في لبنان من يستسهل العبور الى تطبيع يظنه سهلا لمجرد البحث عن تخريجات لغوية ولفظية وتعبيرية في مسائل لم تعد تجد لدى الدول والقوى الاقليمية اي أثر او جدوى . النأي بالنفس هذا سيغدو بعد عودة الحريري الى بيروت عنوان سقوط الاختباء وراء اللهفة على الحريري والالتزامات الصارمة الصريحة اما بالمضي في التورطات الخارجية تحت مبررات انتهى مفعول صلاحيتها واما القبول ببدء ترجمة حقيقية لشيء ما ينقذ لبنان من سوء المصير . فلا تخطئوا تفسير العودتين اللتين ستكونان برسم من ذرف الدموع المدرارة طوال اسبوعين اكثر من سائر اهل البيت الحقيقيين !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*