عودة الواحات إلى المدينة


سميرعطاالله
النهار
13082018

الإثنين الفائت تجمعت بيروت في “الأسمبلي هول” لحضور وول سوينكا أول افريقي اعطي نوبل الآداب. مضى زمن على بيروت التي كان يأتي إليها الفائزون من اجل ان يستمعوا الى اصواتهم تتردد في صداها الجميل.

كانوا يأتون اليها، أو يمرون بها، كمحطة ذات مصابيح في نذور الأدب. يتأملون الجبل من البحر، أو البحر من الجبل، ويستكملون بها دفاتر الجمال ودواوين البهجة. وسوف يتوقف ارنست رينان في أفقا ويقول لإن هذا اجمل مشهد رآه في عمره. وإليها سوف يأتي العام 1935، انطوان دوسانت اكزوبيري، صاحب “الامير الصغير”، أشهر ابداع فرنسي. وقبله جاء ألفونس دو لامارتين، الذي اقتطعناه وادياً جميلاً باسمه، نملأه اليوم بالزبالة والكسارات والكاسرين.

من كل مكان أتوا. من كل المذاهب والأذواق: ميخائيل شولوخوف، وناظم حكمت، ويفغيني ايفتوشنكو. وجاء ليوبولد سيدار سنغور.

كل ليعرض قضيته. سنغور السنغالي عرض الزنوجية قبل النيجيري سوينكا. وقبلهما كتب محمد الفيتوري، عاشق أفريقيا، الذي أصبح عاشق بيروت:

“الآنَ وجهي اسود،

ولأن وجهك ابيض سميتني عبداً

وصنعت لي قيدا”

كانت هذه المدينة، منارة ومنبراً، أي للحرية والحياة. وهذا كان شرطها الوجودي، ولا مثيل لها على المتوسط. حل نوبل أفريقيا ضيفاً على الصناعي حبيب جعفر المولود في نيجيريا. وقد انشأ منذ سنوات منحة سنوية لعشرة طلاب من نيجيريا، كبير بلدان افريقيا، توفر لهم ان يدرسوا تاريخ العالم من خلال مواقع لبنان: روما من بعلبك، فينيقيا من صور. أسس الاستدامة المدنية من جبيل، حيث يكرر زياد حواط المدنيات الخلاقة.

لبنان السابق كان لبنان البناء. ذهب الكبير سليم نصار الى زيمبابوي، فقال له الرئيس روبرت موغابي، يجب ان تضع في برنامجك زيارة الاثار التي تركها اجدادك هنا! وتساءل سليم متعجباً: “هنا؟” فأجاب مضيفه: بل أبعد كثيرا مما تتصور. لكنكم لا تكتفون بجهل تاريخكم، بل ترفضونه أيضاً.

أي تاريخ منها؟ نحن لا ننكر تواريخنا فقط، بل نفعل ذلك في مهرجان. لأن تواريخنا مراحل متعادية ومتضادة، وغالباً متكارهة. وعندما يحتفل فريق منا بذكرى شهدائه، يختلط المدعوون بأصحاب أثواب الحداد. وتطغي صور المشاركة على حداء الجنازات الطويلة وأصوات المدافع.

فالذاكرة في لبنان ترف يبعث على الضيق. يذكّر الجميع بالجميع، ويذكِّرنا جميعاً بأننا اعتدنا الرقص على نواح الامهات والسكن في الحقائب. من أجل من، ومن أجل ماذا كانت كل تلك الجنازات والخنادق؟ أمِن أجل التصالح بالنصوص، التي تُرفَس هي ايضاً وتداس تواقيعها؟

أنا حسمت أمري من زمان. ليس بسبب التفكّر، فإني لا ادعيه، ولكن بمجرد عامل الخبرة ومرور الزمن. وقد مرّ على أهلي من قبل. ونحن لا نزال معلقين بلبنان لأننا نسافر، فيدب بنا حنين بيولوجي الى الاشياء التي لم تتلوث بعد، كالصنوبر ودرب العين وقمر مشغرة. لكن حقائق البلد أكبر وافجع من طفولياتنا ورومانسياتنا. بل قد تصبح هذه القباحات أكبر من مدافن أمهاتنا، فلا يبقى شيء، أو رمز نحن إليه. مشكلة الجراد ليس انه يغرق ويقحط، بل انه يُكرّهك بكل خصب.

يرى المفكر مشير باسيل عون ان حقيقة الازمة الراهنة هي “أن الزمن اللبناني القديم قد استُنفد وانتهت صلاحياته، فدُرِس وولّى، وأن الزمن اللبناني الجديد لم ينبثق بعد، وليس في استطاعة أحد ان ينبىء عن امكان انبثاقه وكيفيات قدومه وخصائص انبساطه (1)”. ويخلص الى أننا مجتمع مختل بنيوياً، كثير العيوب المولودة، وأفظع ما فيه أنه قائم على ثقافة التسخير. كل فريق يسخّر لنفسه الفكرة نفسها في مواقف متناقضة وحالات متعادية. وفي جميع هذه الحالات يستخدم الفكرة نفسها من أجل اثبات عكسها، أو اجترارها.

في لبنان انتقلت جماعات واحزاب وفئات باكملها من موقع الى آخر، ومن بندقية الى اخرى، ووحدهم الضحايا لم يتغيروا. ولم يتردد طاعنو الظهور، أو الصدور، لحظة واحدة في استبدال الحلفاء اأو الأعداء. وغالباً ما كان المنظّر والمفسّر واحداً لكل حالات الطعن.

يقول مشير باسيل عون: “في هذا المستوى من الاعتبار تظهر الشطارة اللبنانية في تشويه المبادىء والمثل والقيم، وفي تطويع النصوص الدستورية والقانونية، وفي اجتراح التسويات المذلة (…) وهي قدرة تخولهم الحق في الحفاظ على نص القانون والذهاب في تفسيره الى حدود مخالفة النص عينه، حتى انهم يستنبطون من المبادىء النظرية العادلة، أحكاماً ظالمة يشرّعونها ويتلطون وراءها لتسويغ مغانمهم”.

ليس بالضرورة اللجوء دوماً الى عالِم اجتماعي، مثل الدكتور عون لكي نعي مدى الانهيار الذي وضعته فينا السياسات اللبنانية. فطالما اشعل السياسيون الجحيم من حولنا في سبيل الوصول الى الجنة. لكن النتيجة كانت دائماً جهنماً خلف أخرى.

وما دام لا شيء يلزم السياسيين، فلا شيء ممكناً، أو حتى محتملاً: لا الصدق، ولا الوعد، ولا العقد، ولا القانون، ولا الشهود. ومن المبالغة رمي السياسيين وحدهم بهذه النواقص، فإنها بثور الجسم الاجتماعي برمّته. ولم أقل الجسم “الوطني” بمعنى التعميم، فهو مصطلح غير وارد في لبنان حتى على سبيل التماثل والمقارنة. معظم المصطلحات القائمة عند الدول والشعوب لم تعد قابلة للاستخدام هنا. فُرّغت من محتواها كما فٌرّغت كل المكونات الأخرى. وخسر اللبنانيون أولئك العقلاء الوسطيين. وبدلاً منهم اقترعنا بموجب قانون عنصري يعطي المرشحين صفة التفضيل. وقد يصبح الفائز المفضل نائباً بتحصله على 70 صوتاً تفضيلياً.

ولم تحدث هذه الهرطقة البرلمانية المضحكة في أي مكان لأن من المفترض، في أي قانون، أن يحمي نفسه من احتمالات الطعن أو الهزء.

لم تكن بيروت دوماً مدينة لأهل نوبل وحدهم. كانت أيضاً مرفأ يزود “المارينز” وسائر البحارة ما فاتهم من الأنس في اعالي البحار. وكانت مدينة الصفقات السرية والبيوت المغلقة. وبنوك الظلال وصرافي العملة السوداء.

كانت كل ذلك مثل باقي المدن والموانىء. لكن هذا كان فرعها، لا جوهرها. كان أكثر من هارب يلجأ الى البرازيل، لكن عنواننا الدائم هناك كان نعمة يافث وشفيق معلوف. قبل اسابيع تعرضت عائلة لبنانية بارزة لولادة صعبة في بيتها. ونصحها المستشفى بمراجعة أهم أربعة أطباء من كبار الاختصاصيين في العالم: ثلاثة منهم لبنانيون، والرابع أم لبنانية.

لا حاجة بنا الى حكومات. دعهم يأخذون كل الحصص وأنواع الحقائب المجوفة. من أجل تعبئتها. ما دمنا عاجزين عن الوصول الى حكومة في مستوى لبنان.

حكومة ليس معيارها الحصص والوزنات، بل الكفاءات والنزاهة وصفر محسوبية. وزراء للبنان وللناس والعمل على رد الاخطار والكوارث الناجمة عن انعدام الاخلاق والضمائر، مع تراكمات السنين.

(1) هؤلاء هم اللبنانيون، مشير باسيل عون، دار سائر المشرق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*