عودة آل عثمان إلى جونيه وشارع الحمرا

محمود الزيباوي|
السبت01/04/2017
المدن

-الأمير عابد، أصغر أبناء السلطان عبد الحميد.

الأمير سليم بن السلطان عبد الحميد.

خرج أورهان عثمان أوغلو، أحد أحفاد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، من الظل إلى دائرة الأضواء، وأشاد بالمسلسل الذي تعرضه حاليا إحدى القنوات
التفلزيونية التركية، والذي يحكي قصة جده. مع ظهور هذا الحفيد الذي عمل مستشارا فنيا للمسلسل، واحتفال وسائل الإعلام التركية به، عاد الحديث عن أمراء آل عثمان الذين تشتتوا في بقاع الأرض بعد سقوط السلطنة والخلافة، وكان بينهم من لجأ إلى ربوع لبنان، واستقرّ فيها.  


في منتصف شباط-فبراير 1933، نشرت مجلة “كل شيء والدنيا” المصرية مقالة حملت عنوان “كيف يعيش أمراء آل عثمان اليوم”، وتصدّرت هذه المقالة صورة لـ”بلدة لبنانية صغيرة يتخذها هؤلاء الأمرا مقرا لهم ومقاما”، وهي بلدة جونيه في محافظة جبل لبنان، ومركز قضاء كسروان. بدأ الراوي بالحديث عن نهاية دولة بني عثمان، وقال: “دالت دولة السلاطين، واستولت الحكومة التركية الحاضرة على أموالهم وأملاكهم، فراحوا يضربون في طول العالم وعرضه، مشرّدين تائهين، يبحثون عن مأوى يأوون إليه، وملجأ يحطّون فيه رحالهم، ويأمنون فيه على حياتهم، لا يرغبون في شيء غير الهرب من الموت. وأخيرا وقع اختيارهم على البلاد التي عانت في آخر عهدهم أنواع العذاب والشقاء والظلم، فلم يجد الأمراء العثمانيون قطرا من الأقطار يرحب بهم وشعبا يفتح لهم ذراعيه غير لبنان الذي أنزلت به حكومتهم في اثناء الحرب العظمى الويلات والمصائب، وغير الشعب اللبناني الذي حاولت تلك الحكومة أن تفنيه قتلا وجوعا وتشريدا. فسبحان المعز المذل وسبحان المسيطر على القلوب”…

حطّ أمراء آل عثمان بعد طول طواف في جونيه، وفي هذه المدينة الصغيرة “وجد الأمير سليم بن السلطان عبد الحميد ورفاقه من الأسرة العثمانية ورجال العهد التركي البائد، المأوى الذين كانوا يبحثون عنه، والملجأ الذي كانوا يتوقون إليه”. كان الأمير سليم بن السلطان عبد الحميد زعيم الأسرة وعميدها، وكان “يحمل من أهله توكيلا عاما للمطالبة بأملاكهم السابقة في البلدان التي كانت من قبل تابعة للسلطنة البائدة”، وكان يطالب باسم هذا التوكيل بـ”جفتلك رأس العين”، في قضاء صور. استأجر الأمير منزلا في جونيه، وكان صاحب هذا المنزل يشكو دائما منه، لأنه “يطلّع روحه قبل أن يطلّع الأجرة من جيبه”. عاش ابن السلطان في هذا المنزل المتواضع محتفظا بجميع التقاليد الرسمية التي اعتادها في السابق، وكأنه في قصر الإمارة، وفرض على كل من أراد زيارته أن يتبع نظام التشريفات بدقة تامة، فإذا دُعي للدخول عليه في قاعة الاستقبال، “فُتحت الأبواب على مصاريعها، ووقف الخدم من الناحيتين، وجلس الأمير في صدر القاعة”. وظلّت “تقاليد يلدز وغير يلدز مرعية في قصر الإمارة بجونيه، بالرغم من الفارق العظيم بين قصر اليوم وقصور الأمس”. هكذا عاش الأمير سليم بن عبد الحميد في جونيه وكأنه ما زال في زمن السلطنة، بينما اضطر بعض الأمراء العثمانيين إلى العمل طلبا للرزق، ومنهم الأمير أورخان الذي عمل سائق سيارة أجرة بين بيروت ومدن الاصطياف.

بعد عقود، اقتفت مجلة “الأسبوع العربي” أثر أمراء آل عثمان في لبنان، ونشرت في كانون الثاني-يناير 1969 تحقيقا أعدّه أنور نصار حمل عنوان “ابن السلطان عبد الحميد يدفن أمجاد أبيه في شارع الحمرا”. لاحقت المجلة الأمير عابد، الابن الأصغر للسلطان الأحمر، والوارث الوحيد الباقي له، وكشفت عن هويّته. رافقت عدسة المصور جورج فالوف خلسة الأمير في جولته الصباحية في شارع الحمرا، وصوّرته وهو يخرج صباحا من الشقة التي يسكن فيها في شارع السادات، ليمشي وهو يدخّن لفافته، حتى يصل إلى مقهى بلازا حيث يتناول طعام الإفطار ويغرق في قراءة الصحف وبعض المراسلات، ثم “يعود إلى شقته كأي إنسان يدفن ذكريات الأمجاد في زحمة الشوارع، لا يثير فضول أحد، ولا أحد يثير فضوله”.

شرع أنور نصار في انجاز هذا التحقيق اثر شيوع خبر وفاة الطبيب عبد العزيز رأفت وزوجته راقية رأفت في قصرهما القائم في شارع الجنرال سبيرس، في محلة الصنائع في بيروت، وشاع يومها أن الزوجين من سلالة سلاطين بني عثمان. كان عبد العزيز رأفت في الأصل شابا أرمنيا يدعى مارديك، درس في ألمانيا، وتزوج ابنة باشا، فاتخذ اسمه الجديد الذي عُرف به فيما بعد. انتقل هذا الطبيب مع قرينته إلى لبنان بعد الغاء السلطنة العثمانية وطرد العائلة المالكة وملحقاتها سنة 1924، وعطف عليه مشير في الجيش العثماني في سوريا، فجعله طبيبه الخاص، وفتح له عيادة داخل قصره في محلة الظريف في بيروت، فعمل في هذه العيادة حتى وفاة المشير، وانتقل بعدها مع زوجته إلى شارع سبيرس حيث استمرّ في العمل إلى أن أقعدته الشيخوخة.

بحث أنور نصار عن آخر سلالات بني عثمان في لبنان، واكتشف أن أهالي جونيه ما زالوا يذكرون الأمير سليم ابن السلطان عبد الحميد، كما أن أهالي صربا لا يزالون يذكرون أسما سلطانة ابنة السلطان عبد العزيز، وقد أمضى الأمير سليم بقية عمره في جونيه، ودُفن عند وفاته سنة 1937 في تكية حملت اسمه في دمشق. تختلف مسيرة الأمير عابد، إبن عبد الحميد الأصغر، فقد مرّ في لبنان فحسب سنة 1924، ولم يعد ليستقر فيه إلا بعد أكثر من أربعة عقود. لجأ الأمير إلى مملكة ألبانيا  حيث دخل البلاط الملكي من الباب الواسع، وأعجب هناك بشقيقة الملك زوغو التي بادلته هذا الإعجاب، لكنه اضطر إلى مغادرة المملكة يوم شنّ موسوليني الحرب عليها، فقصد باريس، وتزوج هناك من محبوبته، وعاد معها إلى البانيا حيث احتل مركزا مرموقا في إدارة شؤون المملكة، وبعد انهيار الملكية، انتقل مجددا إلى باريس واستقر فيها، وتركها بعد رحيل زوجته ببضعة سنوات، فقصد لبنان في 1966، وسكن في غرفة مفروشة في أحدى بنايات رأس بيروت، وعاش فيها بعيدا عن الأضواء، إلى أن وافته المنية العام 1973.

كان في لبنان أمير آخر من سلالة سلاطين بني عثمان، وهو سليمان سعد الدين، أحد أحفاد السلطان عبد العزيز، عم السلطان عبد الحميد، وقد وصل إلى لبنان سنة 1924 مع والديه وجموع المنفيين، وكان في السادسة من عمره، وترعرع في بيروت، وامتهن التجارة، وتزوج من لبنانية، وأنجب منها ثلاثة أطفال، وبات المؤرخ شبه الوحيد للعائلات التركية التي لجأت إلى لبنان، ومنها خمس عائلات تعود بالنسب إلى سلالة السلاطين من ناحية الأم، وبعض منها لم يتخلّ عن المطالبة بإرث أجداده.

تقول مجلة “كل شيء والدنيا” أن الأمير سليم بن السلطان عبد الحميد كان يطالب باسم العائلة بـ”جفتلك رأس العين”، في قضاء صور. وتنقل “الأسبوع العربي” خبرا مشابهة يتعلق بأراضي عنجر، في محافظة البقاع، شرقي لبنان. في عام 1938 منحت فرنسا لواء اسكندرون حكمًا ذاتيًا مع بقاءه مرتبط من ناحية شكلية بالجمهورية السورية، ثم أعادت إلغاء هذا الرباط الشكلي، وانسحبت منه في 1939، ووافقت على اقتطاعه واعطائه لتركيا، وعندما دخلت القوات التركية اللواء، تخوّف الأرمن، وتدخّلت فرنسا لنقلهم من جبل موسى إلى لبنان، واتُصلت بصاحب عنجر رشدي دوريش باشا، وطلبت منه شراء هذه الأرض، ووقّعت معه صك البيع، فتم نقل أرمن جبل موسى إلى عنجر، وجرى توزيع هذه الأرض عليهم كبديل عن الأراضي التي اضطروا للإجلاء عنها.

بعد جلاء الفرنسيين عن لبنان، طالب ورثة رشدي بك بعنجر على أساس ان البيع لم يكن قانونيا، ورأوا أن الفرنسيين أرغموا جدهم على بيع أرضه بسعر زهيد لا يتجاوز الواحد بالمئة من السعر الحقيقي. رُفعت هذه القضية إلى مجلس الوزراء، فقام بإحالة الدعوى من محكمة زحلة إلى مجلس الشورى في بيروت، وبعد فترة، أصدر مجلس الشورى قراره ببطلان هذه الدعوى.

تلك هي الرواية التي نقلتها مجلة “الأسبوع العربي” في نهاية الستينات، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: ماذا بقي من أمراء آل عثمان الذين لجأوا إلى لبنان في القرن الماضي؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*