عن مجتمع شبح ينمو بيننا… “الضحايا” بالآلاف

 

فيما تسافر أمّهات لبنانيّات حاملات ليضعن مواليدهنّ في بلد أجنبي طمعاً بجنسيتهم، يحلم العديد من الشباب اللبناني بالهجرة وبدء حياة جديدة في بلد أجنبي طامحين لأن يصبحوا من مواطنيه.

هؤلاء مجتمع قائم بحد ذاته، مجتمع مكتومي القيد وأصحاب الجنسية قيد الدرس. أناس نتعامل معهم يومياً، نلجأ إلى خدماتهم ومهاراتهم. يتعلمون ويستحصلون على الشهادات الجامعية ولكنهم غير قادرين على نيل المناصب التي تخوّلهم إياها شهاداتهم. يعملون ويقتنون ولكنهم لا يملكون. يتزوجون وينجبون من دون أن يكون لهم أثر في قيود الدولة. مجتمع يتنامى في قلب المجتمع وعلى هامش القانون، ويحاول أن يلتفّ عليه ويتدبّر شؤونه ليحظى بحقوق من أبسطها القيادة، فلا يتوانى بعضهم عن الاستحصال على دفتر سوق مزوّر إذا ما توفرت له الفرصة، إلى الحق بالتغطية الصحّية والطبابة والإنجاب حد انتحال هويّة شقيقة أو شقيق لهم من حاملي الجنسية اللبنانية. ونتيجة للحاجة والارتباك وعدم الدراية بالقانون يراكمون الأخطاء غير القابلة للتصحيح، كتسجيل أولادهم على اسم أحد الأشقاء، أو باسم الزوجة الثانية اللبنانية. هم مجتمع شبح ينتظر أن يتلوّن بألوان العلم اللبناني فيصبح مرئياً في الحقوق كما في الواجبات. هم يلوذون بالإعلام وفي ظنّهم أنه إذا سلط عليهم الضوء فقد يجدون من ينصرهم ويحجب عنهم الظلم وينصَفون.

إلا أن أهل القانون يقولون إن السبيل الوحيد هو “القضاء” لأصحاب الحقوق منهم. أما الحل الجماعي فهو في الظروف الراهنة “مستحيل”، لا سيما أننا نتناول تحديداً الحالات الناتجة من أخطاء وخطايا مرسوم التجنيس 5247 الصادر عام 1994، وهم بمعظمهم من أبناء العشائر العربية، هؤلاء الذين يدفعون ثمن بلد “واقف على سوس ونقطة” التوازن الطائفي.

 “لا إحصاء دقيقاً لأعداد هذه الحالات”، يقول المحامي علي حسين البريج، الذي يتولى قضايا العديد منهم. “فالإحصاءات تتم عبر الناشطين والجمعيات”، لافتاً إلى أن “الأعداد إلى تزايد، فمن لم يكن متأهلاً عام 1994، كان حالة فردية، ولكنه تزوج وأنجب. والمشكلة باتت تتوارث من الأب إلى الأولاد بكل انعكاساتها السلبية”. نتحدث عن “أشخاص موجودين طبيعياً لكنهم غير موجودين قانونياً، لأنه لا وجود لهم على قيود الدولة. إنها حالات إنسانية بحتة”.

شيحان الجدوع

ومن هذه الحالات الإنسانية شيحان الجدوع. فهو كان قاصراً ويتيم الأب يوم فتح باب التجنيس عام 1994، فأضحى إحدى ضحايا المرسوم 5247. ففيما نالت والدته و3 من أخواته البالغات الجنسية اللبنانية، حرم منها هو وباقي إخوته وأخواته الذين كانوا دون السنّ القانونية في حينها. شيحان أصبح في الأربعين من العمر. تزوج سورية وأنجب منها 6 أولاد تتراوح أعمارهم ما بين 10 سنوات وطفل ابن شهرين، جميعهم كما والدهم بلا جنسية. يحمل شيحان بطاقة هوية أخيه، الذي أدى خدمة التجنيد الإلزامية بصفته لبنانياً. وفي اليد الأخرى يحمل بطاقة تعريف المختار، الورقة الرسمية الوحيدة التي تعترف بوجوده، ولا تغنيه عن متاعب في انتقاله وتنقلاته. ويسأل كيف يعقل أن يكون أخي لبنانياً وجندي احتياط في الجيش اللبناني وأكون أنا وأولادي محرومين الجنسية اللبنانية؟

الرجل “تعّيب” ومجتهد، كل ما اقتناه وجناه من بيك أب إلى منزل وقطعة أرض، مسجلة إما باسم والدته وإما باسم اللبنانيين من أشقائه. ولأن الأعمار بيد الله، يخشى شيحان التبعات القانونية لانتقال الإرث في حال وفاته أو وفاة والدته، فالرجل يقتني ولكنه لا يملك.

كل شيء عنده في كفّة، وما تبلّغه من مدير المدرسة الخاصة التي يدرس فيها أولاده بأنها السنة الأخيرة التي سيسمح بتسجيلهم من دون إخراج قيد في كفة أخرى.

غضب

يستشيط شيحان غضباً عندما يفتح هذه السيرة، وتقوم قيامته ويعلن بأنه مستعد “للوصول إلى رئيس الجمهورية ولا يبقى أولادي من دون علم”. منذ عام 2014 أوكل شيحان المحامي علي البريج لرفع قضية يستحصل فيها على الجنسية اللبنانية كصاحب حق فيها، وقام بما يلزم من إجراءات منها فحص الحمض النووي، وهو بانتظار صدور الحكم في قضيته.

آية

شقيقته آية، هي أيضاً من ضحايا مرسوم التجنيس. لم تتمكن من تحقيق حلمها بارتياد الجامعة، فتزوجت مكتوم قيد وأنجبا طفلاً مكتوم القيد. فيما شقيقهما علي يعمل في شركة خاصة منذ 14 سنة، لكنه محروم التسجيل بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من ثم خدماته. كذلك خالتهم نال أشقاؤها وشقيقاتها العشرة الجنسية باستثنائها، فهي أم ولكن أولادها ليسوا لها على الورق.

لم يكن محمد العلي، قاصراً عام 1994، لكن من بين سائر أشقائه وشقيقاته حرم هو وأخته خسة الجنسية اللبنانية. هو والد لـ 5 بنات بلا جنسية، وفي بلد يحرم نساءه منح أولادهنّ الجنسية، فإن والدتهن اللبنانية لا تستطيع منحهن جنسيتها، وهم بانتظار ما ستؤول إليه الدعوى المقدمة من قبلهما لينتقلا من حاملي جنسية قيد الدرس إلى أصحاب الجنسية اللبنانية. وعلى هذه الجنسية تتوقف إعادة بناته إلى المدرسة التي كنّ يتعلّمن فيها، بعدما اضطر لوقف تعليمهنّ فيها لأنهن غير مؤهلات للحصول على تغطية لرسوم التسجيل بسبب وضعهن القانوني ولا هو قادر على تسديدها.

حالة من مئات

يقول المحامي علي البريج إن “شيحان حالة من مئات الحالات، وأتحدث هنا على مستوى العائلة. إما إذا تحدثنا على مستوى الأفراد فالعدد يتراوح ما بين 20 إلى 30 ألف فرد، موزعين على الأراضي اللبنانية من البقاع إلى الجنوب وبيروت لتتفاقم الأعداد شمالاً”.

ويشرح بأن “كل حالة تختلف أسبابها وآثارها. فهناك من لم يتقدموا بطلبات قيدهم على الجنسية اللبنانية قبل أن يأتي مرسوم التجنيس، وهناك من لم يسجلوا قيودهم لا قديماً ولا حديثاً. وهناك من جاء مرسوم التجنيس وتقدموا بطلبات إنما نتج من تطبيقه أخطاء كثيرة”.

ويتابع في مزيد من التوضيح: “قبل عام 1960، كانت الدولة اللبنانية تفتح كل فترة الباب لتقديم طلبات القيد الاختياري، ليتم اكتساب الجنسية اللبنانية بموجب طلب إداري. توقف العمل بهذا الإجراء عام 1958، ومن لم يتقدموا بطلب قيد اختياري، استحدثت لهم جنسية قيد الدرس واستمرت هذه الحالة من الستينيات لغاية 1994 مع صدور مرسوم التجنيس الذي منح الجنسية لمعظم الحالات، ولكن ثمة حالات لم تحصل على الجنسية لعدة أسباب. من هذه الحالات من لم يتقدموا بطلب التجنيس وفق الأصول القانونية، حالات أخطأت في تقديم الطلبات بالطرق القانونية”.

وأعطى أمثلة عن “أشخاص كانوا راشدين عام 1994، فلم يتقدموا بملفهم على حدة، بل ضمن ملف العائلة، ولكن لكونهم بلغوا السنّ القانونية فلا صفة لوالدهم لتقديم الطلب عنهم فلم ينالوا الجنسية. ثمة قاصرون كانت تنقصهم الأوراق القانونية، كالقاصر يتيم الأب الذي كان يستوجب أن تحصل والدته على حكم بالوصاية لتتقدم بطلب عنه، الأمر الذي لم يحصل. إضافة إلى أشخاص لم يصدقوا بأنه سيصدر مرسوم تجنيس فلم يتقدموا بطلبات وخسروا فرصتهم”.

أما عن كيفية معالجة هذه الحالات فيقول: “لكل حالة دراسة، ومرجع قانوني ومحكمة ذات صلاحية. باجتهادنا الشخصي، نذهب بالحالة إلى المحاكم بحسب اختصاصها. أشخاص نتقدم لهم بطلبات جنسية أمام محكمة البداية، أشخاص نتقدم لهم بطلبات قيد عند القاضي المنفرد المدني، وأشخاص نتقدم لهم عبر الطرق الإدارية. وثمة من ليس لديهم حلّ ننتظر صدور تشريع جديد ليغطي حالتهم القانونية”.

“هناك تعقيدات وإجراءات طويلة، لكن هناك تعاون من القضاء في هذا الموضوع”. ويضيف:

“بالأساس كان هناك جهل وعدم دراية بالقانون، وكان الناس يعتقدون بأن القضاء لن يعمل لصالحهم. انعدام الثقة أتت من الطعن بمرسوم التجنيس الذي أوقف العمل به لغاية عام 2012. أما من عام 2012 لغاية الآن فنتقدم بالطلبات ونأخذ الأحكام”. في السنوات الثلاث الأخيرة، استحصل المحامي البريج على قيود لأكثر من 100 حالة ويعمل حالياً على 100 أخرى. “مكتوم القيد الموجود على الأراضي اللبنانية، المولود من أب استحصل على الجنسية عام 1944، نستعيد له الجنسية. مكتومات القيد، اللواتي لا يستحصلن على الجنسية اللبنانية بزواجهن بلبناني، باجتهاد بعض المحاكم تمكنّا من أن نأتي لهنّ بجنسيات”.

تبقى مشكلة “مكتوم القيد، الذي يسجل زواجه في المحكمة الشرعية، ولكن لعدم وجود قيود له لدى الدولة لا يمكن تنفيذ هذا الزواج على سجلات النفوس، إلا إذا كانت الحالة التالية، إذا كان لبناني متزوجاً حاملة قيد الدرس أو مكتومة القيد، فينفذ الزواج عبر قرار قاضٍ، وتوضع إشارة أنه متزوج بـ … وهي مكتومة القيد. والعكس صحيح إذا كانت الزوجة لبنانية والزوج مكتوم القيد”.

“لا حل جماعياً لمثل هذه الحالات” يؤكد المحامي البريج “إلا بما يشبه مرسوم التجنيس، وهو المستحيل” كما يضيف.

ولكن هؤلاء الأشخاص يتابعون بذهول الاحتفاء ببدء تطبيق قانون استعادة الجنسية اللبنانية، ويسألون كيف يمكن لمن أهمل جنسيته وهو مقيم في بلد أجنبي أن يكون له الحق باستعادة الجنسية ونحن ولدنا ونعيش ونعمل في لبنان وينظر إلينا كمتطاولين على هذا الحق؟

وفي إطار قانون استعادة الجنسية، يلفت المحامي البريج إلى أنه “أوضح هذا القانون بشكل صريح إلى الأشخاص الموجودين على الأراضي اللبنانية، فأعطى حيزاً لهؤلاء الأشخاص. فمن معه قيد الدرس، يفترض أن يأخذ الجنسية بموجب هذا القانون لأنه يملك مستنداً رسمياً من الأمن العام اللبناني من عام 1960 يثبت أنه من أصل لبناني وموجود على الأراضي اللبنانية، ولم يسجل بإحصاء عام 1932”.

ويشير إلى نقطة أخرى في إطار آلية تطبيق قانون استعادة الجنسية، تتعلق بـ “الأشخاص الذين ذهبوا إلى سوريا وتنازلوا عن جنسيتهم اللبنانية عام 1962، بحسب القانون السوري في ذلك الوقت الذي كان يمنع على الشخص حمل جنسيتين فتنازل الكثير من اللبنانيين عن جنسيتهم اللبنانية واكتسبوا الجنسية السورية”. ويسأل لماذا أولاد هؤلاء “لا يمنحون الجنسية اللبنانية بموجب قانون استعادة الجنسية بخلاف ذرّية المهاجرين إلى أميركا وأوستراليا وأوروبا الذين خسروا أيضاً جنسيتهم؟ لا يوجد تطبيق سليم”. ويضيف: “لقد راجعت مصلحة الأحوال الشخصية في الداخلية، وقالوا لي بأنهم أرسلوا إلى هيئة القضايا والتشريع لتعطي تفسيرها إن كان قانون استعادة الجنسية ينسحب على قيد الدرس، وعلى السوريين من أصل لبناني، ونحن بانتظار رأيها”.

في انتظار أن يعاد يوماً ما النظر في مجمل قوانين اكتساب الجنسية اللبنانية، فإن القضاء هو السبيل الوحيد لإنصاف “الحالات الإنسانية” الناجمة عن سوء تطبيق مرسوم التجنيس وسيئاته. “نشاط المجتمع المدني في هذا المجال يمكن أن يكون عاملاً مساعداً، فيضيء على هذه الحالات ويخرج قضية هؤلاء الناس إلى العلن، ولكنه لا يستطيع أن يحلّ مكانهم في المحاكم” كما يقول البريج. لذلك يحضّ المعنيين منهم، من أصحاب الحق، على “أن يكونوا أكثر جرأة في هذا الموضوع” وإن كانت “المحاكم قد تطول أو تقصر، فيتراوح بتّ الدعاوى من سنة إلى أكثر من سنتين، فيما يفترض ألا تتجاوز 8 أشهر”. فالمطلوب ليس فقط التسريع في نظر المحاكم بهذه القضايا، “فالتأخير ليس من القاضي” بل في الإجراءات التي تساعد القضاة على بتّ القضايا كتسريع التحقيقات التي يجريها الأمن العام، ومطالعة مصلحة النفوس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*