اخبار عاجلة

عن رحلتي «المسيح» و«المحمل المصري»: الرحلات المقدسة في عيون التشكيل الغربي

 

 

القدس العربي
Mar 29, 2018

 

القاهرة ــ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: لا تزال الحالة الدرامية أو الطقسية المرتبطة بالمقدس تثير خيال الفنانين، فيحاولون وفق وجهات نظرهم المختلفة وكذلك تقنياتهم، التعبير عن هذه الحالة بمفرداتها الدرامية، بما أنها أصبحت تمتلك أركان وتفاصيل الحكاية. ومن خلال هذه التفاصيل التي تكاملت والخيال الفني، تصبح للحكاية دلالات جديدة، تستحق أن تُروى.
وهنا تتناول فنانتان تشكيليتان غربيتان حكاية تمتلك الكثير من روح القداسة، أولهما الفنانة البرازيلية «ألميرا رويتر»، من خلال معرضها المعنون بـ «الطريق المقدس»، حيث تستعرض الرحلة الأخيرة في حياة السيد المسيح، من خلال طريق الآلام الذي انتهى بوضعه فوق الصليب، بينما تأتي الفنانة البريطانية «هنا ستيفنسن» لتستعيد حكاية ومسيرة (المحمل المصري)، في معرضها «المحمل .. نظرة ثانية».

طريق مقدس

من خلال لوحات متعددة تستعرض طريق الآلام، هذا الطريق الذي سار به السيد المسيح حاملا صليبه، وحتى لحظات الصلب، حاولت الفنانة «ألميرا رويتر» أن تجسد هذه الرحلة، في تشكيل يعتمد لقطات قريبة في الغالب، يستعرض مدى العذابات والآلام التي تحمّلها السيد المسيح في رحلته الأخيرة، لم تنشغل اللوحات بتفاصيل المكان قدر انشغالها بتفاصيل الملامح والتعبيرات التي علت وجه المسيح ورفاقه في هذه اللحظات العصيبة. وما بين ابتسامات شفقة العارف بالحقيقة، وبين هول صدمات الفزع على وجوه الآخرين تأتي اللوحات متواترة لتعيد نسج الحكاية المعروفة من جديد. جسد المسيح يتصدر معظم اللوحات، وكذلك يبدو دوما متقدما من خلال التكوين، فالدور البطولي في الدراما دائما ما يتم التأكيد عليه، سواء من خلال وضعيته في الكادر، أو من خلال الخطوط، وأخيرا اللون، هذه الألوان التي تبدو دائما في حالتها الصريحة، ومعظمها ينتمي للألوان الحارة، فنحن أمام حادث أو واقعة دموية إلى أقصى حد. فكرة الاحتفاء بالجسد ــ الجسد الحي ــ تأكدت عبر اللوحات مرارا. ورغم أن هذه التصاوير التي تستعرض الرحلة ولحظات الصلب أصبحت ضمن تراثنا البصري الذي نطالعة ونحفظه تماما، إلا أن الفنانة حاولت أن تتباين لوحاتها من خلال الأسلوب والتقنية، الأمر أشبه برسومات الأطفال، حيث الاهتمام بالمساحات اللونية، كذلك زوايا النظر التي تختلف كثيرا عن لوحات المسيح الكلاسيكية المعهودة. لكن التقنية في الوقت نفسه اقتربت كثيرا، وإن كانت في شكل غير مباشر من الأيقونات المسيحية الشرقية بشكل خاص، رغم كون الفنانة تنتمي للكنيسة الكاثوليكية حسب التنوية المصاحب للمعرض، الذي أقيم في قاعة ساقية الصاوي في القاهرة.

رحلة المحمل المصري

وعن رحلة «المحمل المصري» وما تحمله من مظاهر التقديس والاحتفاء، تأتي الفنانة «هنا ستيفنسن» لتعيد المظاهر البعيدة لهذا الحفل الكبير، الذي لم يزل يتذكره المصريون، وهي الرحلة المقدسة التي كان يقطعها المحمل، حتى وصول (كسوة الكعبة) إلى أراضي الحجاز. هذه الكسوة التي أصبحت من المهام المصرية منذ عمر بن الخطاب بعد غزو مصر، ثم بتبجيل من الحِس المصري بعد ذلك، وحتى الخلاف السياسي بين آل سعود وعبد الناصر، حتى توقفت رحلات المحمل تماما في عام 1960.
الجديد في تجربة ستيفنسن ــ أقامت معرضها في غاليري أوبنتو في القاهرة ــ أنها استوحت لوحاتها أو بمعنى أدق أعادت إنتاج رحلات المحمل من خلال الصور الفوتوغرافية المتعددة لهذه الرحلات، والممتدة لسنوات كثيرة، صور حفظت ملامح وحياة ذلك العصر البعيد، بأماكنه وشخوصه، وطبيعة الحياة المصرية آنذاك، فنطالع وجوه بعض الشخصيات، مثل شريف مكة الذي كان في استقبال المحمل، وهو الذي كانت تعينه الحكومة المصرية وقتها، إضافة إلى خطاط الكسوة والمسجد الحرام عام 1836 «عبد الله زهدي أفندي»، وكذلك «محمد صادق» أول مصوّر للأماكن المقدسة، إضافة إلى سرد الرحلة من بدايتها حتى عودتها ومظاهر الاحتفال في شوارع القاهرة وما حولها، مثل المحمل في ميدان فاروق عام 1948، العرض العسكري المرافق للمحمل، موكب المحمل يطوف شوارع القاهرة، فرقة المحمل الموسيقية فوق الباخرة، الطريق إلى مكة، وعودة المحمل.
حاولت الفنانة البريطانية استعادة هذه الأجواء وتفاصيلها الدقيقة من خلال تبسيط وتجريد المنظر إلى حده الأقصى، الأمر يبدو أكثر تعبيرية منه إلى النقل الفوتوغرافي، محاولة الحفاظ على الشحنة العاطفية لهذا الحدث الجلل والهام في حياة المصريين، الذين لم ينسوا حتى الآن هذه الرحلة، ويقسمون بها، كعادتهم دوما مع كل حدث تاريخي، خاصة إن ارتبط بقيمة أو معنى مقدس يحتل نفوسهم ووعيهم، حتى لو انتهى كطقس، لكنه يظل أبدا محل احتفاء وتقدير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*