عن ترسانة اللاسامية الجديدة


مالك التريكي
Feb 10, 2018

رغم أن ألمانيا تبدو أبعد القوى الغربية عن التأثير في شؤون العالم العربي، فإن خصوصية علاقتها باليهود تاريخيا وحساسية علاقتها بدولة إسرائيل حاليا تحولان بينها وبين فك الارتباط مع ما يسمى بالشرق الأوسط. جديد هذه العلاقة أن المستشارة أنغيلا ميركل أعلنت وجوب أن يتم في التشكيلة الحكومية الجديدة استحداث منصب «مفوض لمكافحة اللاسامية». وذلك بعد أن قالت، بمناسبة اليوم السنوي لذكرى ضحايا الهولوكوست (الذي بدأت ألمانيا في إحيائه منذ عام 1996 بمبادرة من الرئيس السابق رومان هيرتزوغ)، «إنه لممّما يعجز عنه الفهم ولممّا يثير الشعور بالخزي أنه لم يعد يمكن لأي مؤسسة يهودية (في ألمانيا) أن توجد إلا بحراسة أمنية، سيّان أن تكون مدرسة أو روضة أطفال أو كنيسا للعبادة».
وبما أن كثيرا من الناجين من محرقة الهولوكوست قد فارقوا هذه الدنيا، فإن ميركيل ترى أن على ألمانيا الاستعداد لمواجهة هذا التحدي «بتعزيز، وحتى بتحويل، طريقة تصورنا لعلامات الذاكرة الجماعية ومعالمها». أما الترجمة العملية لهذا التوجه، فإنها تتمثل في العمل من هنا فصاعدا على «تسجيل أصوات الضحايا وحفظ شهاداتهم حتى تسمعها الأجيال القادمة».
والحق أن للألمان سننا حميدة في مجال الحفاظ على الأصوات وحفظ الشهادات للتاريخ. فقد أدى حرصهم في هذا المجال، على سبيل المثال، إلى المبادرة لتسجيل شهادات عشرات من المجندين العرب في صفوف الجيش الفرنسي بعد أن وقعوا في أسر القوات الألمانية أثناء الحرب العالمية الأولى. ولهذا فإن في وسع من يذهب إلى الأرشيف الوطني الألماني في برلين اليوم أن يستمع إلى أصوات أجدادنا وهم يدلون بشهاداتهم، قبل عام 1918، عن محنتهم وطول عذابهم بعد أن زُج بهم، على بعد آلاف الأميال من أوطانهم، في حرب ليس لهم بها أدنى علاقة. ولعل هذه تكون أقدم التسجيلات الصوتية لشهادات وأحاديث عربية على الإطلاق!
وكنت أظن أن المعلقين والحقوقيين الألمان فقط هم الذين نادوا بوجوب أن تشمل مهمة المفوض الحكومي الجديد مكافحة العنصرية بجميع أشكالها (بما فيها الإسلاموفوبيا وكراهية السود، الخ) وعدم جعل اللاسامية تظهر كما لو أنها المشكلة العنصرية الوحيدة في ألمانيا، أو كما لو أنها مشكلة من جوهر مخالف أو متميز عن جوهر العنصرية، من حيث كونها جهلا وسماجة وصغار نفس. إلا أنه قد تبين أن وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل دقق نوعا ما موقف المستشارة، أو أنه وضّحه ووضعه في النصاب المدني والحقوقي الصحيح، عندما قال إن «إحياء ذكرى ضحايا القومية الاشتراكية (النازية) يحمل رسالة محددة: إنها ضرورة التوحد في جميع أنحاء العالم ضد الإقصاء والكراهية، وضد اللاسامية وجميع الأشكال الأخرى من العنصرية».
ملاحظتان. الأولى تتعلق بربط كثير من المعلقين الأوروبيين بين تزايد مظاهر العداء ضد السامية وبين استقبال ألمانيا في الأعوام الأخيرة مئات الآلاف من المهاجرين المسلمين. وقال قائل منهم مستنكرا: «أفلا تعلم مركيل سبب تفاقم اللاسامية؟ أليست هي المسؤولة عن ذلك منذ أن فتحت الأحضان لمن هب ودب من اللاجئين المسلمين؟». ليس هذا الكلام خاطئا كله. فبعض الأحداث اللاسامية الأخيرة هي من عمل مهاجرين عرب ومسلمين. ولكن معضلة اللاسامية في ألمانيا أقدم وأعمق وأعقد بكثير. إذ إن كراهية اليهود متأصلة في ثقافة القوم، وقد تزايدت مظاهر التعبير عنها والمجاهرة بها بعد تنامي جماعات اليمين المتطرف وتيار النازيين الجدد. كما أن تجدد اللاسامية الألمانية إنما يندرج في إطار أوسع هو استشراء كراهية الأجانب، حيث تفاقمت العدوانية ضدهم سواء في الشارع أم في صلب الأحزاب الشعبوية أم على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الانترنت.
الملاحظة الثانية تتعلق بما سماه المثقف والناشط الحقوقي الإسرائيلي نيف غوردون «اللاسامية الجديدة». وهي أخطر من اللاسامية التقليدية لأن أنصار دولة إسرائيل هم الذين فرضوا تعريفها. ومؤداها أنه يكفي أن تناهض سياسات إسرائيل وتؤيد حقوق الفلسطينيين حتى ترمى بتهمة باللاسامية، علما أن مجرد إطلاق التهمة يحسم النقاش. ذلك أن الأمر لم يعد يتعلق باليهود، وإنما صار يتعلق في الحقيقة بتحريم نصرة القضية الفلسطينية. ولهذا فقد أصابت الفيلسوفة الأمريكية جوديث باتلر عندما قالت إن «المطالبة بالعدالة قد أصبحت تطلق عليها تسمية جديدة هي اللاسامية»!

٭ كاتب تونسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*