عن انفصاليات أربيل وبرشلونة وبيروت

جهاد الزين
النهار
05102017


خارطة نشرتها صحيفة “الاندبندنت” البريطانية أمس الأول الثلاثاء لعدد المناطق داخل الدول الأوروبية إما التي تسعى لتعزيز حكمها الذاتي وإما التي تسعى للانفصال. الخارطة، برأيي، مبالَغٌ بها من حيث تصويرها لحجم مخاطر التفتّت الأوروبي ولكنها تعكس حجم القلق أيضا من مسار كهذا (ج.ز.)

كنتُ في دبلن عاصمة جمهورية إيرلندا يوم الأحد المنصرم عندما سمعتُ بأخبار انفجار المواجهات بين الشرطة الأسبانية والمتظاهرين الكاتالونيين. كانت الأخبار الآتية من الجنوب الشرقي لشبه الجزيرة الأيبيريّة ذات معنى في عاصمة دولة شهدت في العقد الثاني من القرن العشرين حتى العقد الخامس منه المواجهة العنفية مع الجيش البريطاني لتحقيق استقلال تدريجي تطور إلى دولة مستقلة بين 1916 و1949 هي جمهورية إيرلندا باستثناء مقاطعة الشمال.

وتستطيع أن ترى وأنت تتجول في شوارع دبلن النُصُبَ والتماثيل التي لشخصيات لعبت أدوارا مختلفة، وبعضها اغتيل خلال هذا المسار. كما تنتصب المباني القديمة الضخمة لمؤسسات شهدت مواقف وصراعات صعبة مثل مباني الحكومة ومقر البرلمان ومجلس مدينة دبلن حيث “اللورد عمدة” المدينة بينما لفت نظري أن مبنى موظفي البلدية هو ذو هندسة حديثة جميلة تتطلع إلى المستقبل في مدينة مشغولة الآن بمحاولة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي وضغوطه لزيادة الضرائب على الشركات العالمية الكبرى وخصوصا في الانترنت التي تأخذ من دبلن مقرا أساسيا بسبب انخفاض الضرائب بينما يريد الاتحاد الأوروبي زيادة عليها لتأمين انسجام المعايير الاتحادية على هذا الصعيد.

أيُّ فارق في أوروبا بين المسار الانفصالي أو الاستقلالي السابق والحالي؟! فرغم العنف المدني الذي ظهر على الشاشات بين الشرطة والمتظاهرين في كاتالونيا أصبح الإطار الديموقراطي اليوم هو الإطار الناظم. لم تعد حرب جيوش كما كانت في دبلن وبلفاست ولكنها مواجهات شرطة كما ظهر في شوارع برشلونة.

الصدفة الزمنية وحدها جعلت انفجاري أزمتي الاستفتاء في إقليم كردستان شمالي العراق وإقليم كاتالونيا الأسباني متقاربَيْن زمنيا ولكن حصول كل من الانفجارين ذاتيهما ليس صدفة أبدا بل هو أحد معالم عالم ما بعد انهيار الحرب الباردة الأميركية السوفياتية التي كانت تمنع المساس بالحدود الدولية أيا تكن حدة النزعات داخل الدول وقوة أو مشروعية أو عدم مشروعية الحركات الانفصالية وتجعل من هذا المنع قاعدة رئيسية في العلاقات الدولية.

طبعا الشرق الأوسط ليس مهيّأً لمسار سلمي لمعالجة توترات الانفصال بعكس أوروبا. ولكن القارتين يجمعهما معا عالم سياسي جديد.

هل هو عالم مسعود البارزاني رئيس الإقليم الكردي الممددة ولايته، الإقليم الذي يريد أن يصبح دولة مستقلة عن العراق وكارلوس بويغديمونت رئيس إقليم كاتالونيا، الإقليم الذي يريد أن يصبح جمهورية مستقلة عن المملكة الأسبانية وغيرهما من رموز وحركات إعادة تغيير خرائط الدول؟

ماذا في أوروبا عن تأثير هذه الديناميكية الانفصالية على مستقبل اسكوتلندا وكورسيكا وشمال إيرلندا وربما شمال إيطاليا (لومبارديا) وفلامان في بلجيكا وترانسيلفانيا في رومانيا؟

قيل، وهذا صحيح، أن الوحدة الكبرى التي جسّدها قيام الاتحاد الأوروبي كانت عنصرا مشجعا في بعض الحالات لتصاعد مطالبة الكيانات الصغرى داخل بعض دول الاتحاد بالاستقلال لأن الاتحاد الأوروبي يشكّل مظلة حماية ديموقراطية لهذه الكيانات. ولكن هذه المعادلة أظهرت أيضا ديناميكيتها في تعزيز السلام في القارة: شجعت الدول وخصوصا بريطانيا وأسبانيا على إنجاز اتفاقات سلام أنهت أزمات متفجرة والنموذج الحصري الأهم هو تسوية الحكم الذاتي في إيرلندا الشمالية التي أنهت حربا أهلية طويلة عام 1999.

وأتذكر، بالمناسبة، كيف أنني عندما وصلت إلى بلفاست آتيا من لندن بعد يومين من توقيع اتفاق “الجمعة العظيمة” وقمت بجولة في المدينة كيف اكتشفت أن الإيرلنديين الشماليين، بروتستانتا وكاثوليك، كانوا يتقاتلون على مدى ثلاثين عاما دون تدمير وسط المدينة وهذا عكس ما فعله اللبنانيون عام 1975 عندما اختاروا البدء بتدمير الوسط التجاري لبيروت، أما الإيرلنديون الشماليون ورغم العنف الكبير الذي كانت تشهده حربهم الأهلية فقد كانوا يتقاتلون في أحياء سكنهم (الأحياء الفقيرة غالبا) ويتعايشون في وسط مدينتهم التجاري!

 إنه عالم الملا والجنراليتات. الملا البارازاني الذي يستعيد وهج والده بعد الاستفتاء مراهنا في الوقت نفسه على تغيير أقدار الوالد الفاشلة في تحقيق الحلم الوطني الكردي في هذا الخليط العجيب الذي يمثله مشروع الدويلة الكردية بين الوعي القومي لمجموعة أصيلة في المنطقة شبيها بمشروع دولة فلسطينية وبين نشوء أول دولة في المنطقة تكون على صلة وثيقة جدا مع إسرائيل بل تحت حمايتها.

أما رئيس الجنراليتات بويغديمونت الكاتالوني، الصحافي السابق، المهووس دائما بالتكنولوجيات الجديدة والساعي، بالانتخاب ولكن بشكل غير دستوري، فيسعى إلى تأكيد حق الاستقلال لكاتالونيا وعاصمتها الرائعة برشلونة. زرت برشلونة مرتين تباعا قبل سنوات.

المفارقة أن هذه المدينة هي إحدى أكثر مدن أوروبا استفادة من تطور المشروع الأوروبي. دخلت قبل ثلاثة عقود في تحديث استثنائي جعلها من دون شك إحدى عواصم الاتحاد الأوروبي الأكثر شبابيةً وسياحيةً واستقطابا جامعيا واقتصاديا. كم لبيروت أن تتعلم من برشلونة كيف تعالج مناطقها المتدهورة وتحول القديم المتهالك إلى أحياء رائعة.

هل تكفر برشلونة بنعمة التقدم عبر اسبانيا أم تريد أن تضع وراءها أسبانيا لتكون أوروبية مباشرة كما يحلم انفصاليو اسكوتلندا خصوصا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد؟

تعالوا أكثر إلى ما يعنينا: بعض المقارنة بين بيروت وبرشلونة.

بيروت عاصمة “مقاطعة” أكثر تقدما حداثيا من محيطها. لكنها تشبه المنطقة المحيطة بها من حيث هشاشة الدولة البنيوية فيها مع سلطة مركزية ضعيفة خلافا لسلطات المنطقة. ساهمت دماء ومشاكل الشرق في ضخ شرايين بيروت بمادة تقدم ثقافي تربوي خدماتي ثرواتي ولكن، ومن دون مواربة، صَنَع التراكمُ الغربي تميّزَ بيروت أو بكلام أدق صنع التراكم الغربي قدرة بيروت على تعزيز غناها العربي الإسلامي المشرقي الكنسي. ثم جاءت مرحلة دفعت فيها، أي بيروت، ثمن ازدواجية تقدمها وضعف دولتها فأتاحت سابقاً لمحيطها الإقليمي أن يدمرها وسط خبث غربي ناتج عن أولويته الإسرائيلية . الآن المحيط الإقليمي هو المدمّر وبيروت لأسباب دولية تنعم باستقرار تقدمها الخدماتي حاليا. برشلونة – كاتالونيا هي إحدى نتائج الأوربة الناجحة. ما يحب أن يسميه الفرنسيون أوروبا المناطق.

حاولت بيروت لبنان المسيحيين الانفصال عن لبنان الكبير فمنع العالم الغربي والتوازن الدولي هذا الخيار خلال الحرب الأهلية بين 1975 – 1990. وها هي اليوم، مع نضج أكبر للتجربة، مسلمين ومسيحيين، تحاول تكريس معادلة لبنان الكبير مع استعادة دور مسيحي داخلي جدي، على الرغم من أن البيئات المسلمة لم تُشفَ بعد من قابلياتها الخطرة على الالتحاق بمشاريع المحيط الأيديولوجية.

أما أربيل وبرشلونة المختلفتان جدا فهما عنوانان من عالم واحد. أوروبا الي تشاهد خارطتها السايكس بيكوية تتفتّت، وتبدو شريكا للأميركيين في ذلك، ليست بمنأى عن مخاطر انفصالية خطرة داخلها. حتى لوحظ أنه بسبب هذه المخاوف امتنع الاتحاد الأوروبي عن الاعتراف باستفتاء كردستان رغم تشجيع العديد من دولها الكبيرة تاريخيا للتميز الكردي.

على أي حال وبعد الزلزال السوري ظهر كم الشرق الأوسط وأوروبا قريبان إلى حد استحالة انعزال أي منهما عن الآخر. الحرب السورية بلاجئيها كادت تخلق أزمة هوية في الشخصية الأوروبية، بل خلقت. وها هي أزمة خرائطية جديدة.

أسوأ الأقدار أن تكون هذه المقاطعات وهي راغبة بالاستقلال عن دولها الوطنية العريقة للالتحاق المباشر بالاتحاد الأوروبي، مساهِمة في تدمير المشروع الأوروبي بدل تعزيزه كمشروع تخفيف أثقال الدولة الأمة؟

من الصعب الجزم الآن هل نحن في عملية تاريخية تتعزز فيها الوحدات الكبرى بالتلازم مع تعزيز الانفصاليات الجهوية أم أننا في زمن تناقض حاد بين الاتجاهين؟

في الشرق الأوسط الحروب دائما في الأفق، هذا دون أن نذكر أول تقسيم دولي أصاب العالم العربي بعد الحرب الباردة وهو جنوب السودان، التجربة الوخيمة التي انتقلت من حكم توحيدي عسكري استبدادي إلى حكم عصابات متوحشة بالمعنى الحرفي للكلمة. أما في أوروبا فالثقافة الديموقراطية السلمية راسخة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*