بين عاصي وزياد
النتاج الذي قدمته في المرحلتين يشجع على هذه المقاربة ويتيح للمرء إمكانية رصد تطور غنائها سواءً «سلباً» أو إيجاباً. هي مع زياد لم تنتقل فقط من مناخ غنائي إلى آخر، بل اختارت بكامل وعيها وليس فقط تحت تأثير منهج ابنها الفني أن تحدث قطيعة مع المقاربة الوجودية للحياة والحب والموت كما اقترحها أو أسّس لها عاصي مع منصور. نقّاد التجربة بشقيها لا يأتون كثيراً على ذكر هذا الملمح ويكتفون بالحديث عن الانتقال من الغناء الريفي إلى الغناء المديني أو من التصوّر الفطري للحياة كما يقدم ريفياً إلى التصور المعقد الخاصّ بحياة المدينة.

فيروز في العام 1962 (وكالة «ماغنوم» ـــ تلوين المصور عماد لمع)

تقديم التجربة بهذا الشكل ينطوي على اختزال واضح، ليس لأن مروحة غنائها أوسع من مجرد تقديم صورة عن الريف أو المدينة، بل لأن اعتبار الغناء للمدينة كما قدمته فيروز مع زياد أعقد من الغناء الذي قدمته للريف، هو بحدّ ذاته اختزال، إن لم نقل أنّه فهم مقلوب للتجربة. الغنى والتعقيد اللذان تتميز بهما حياة المدينة قد لا يجدان بالضرورة المعادل الفني لهما، وهو ما يفضي أحياناً إلى تناقض كون النتاج عن المدينة أقلّ تعقيداً منها، بينما الريف الذي لا تخضع حياته عادةً لتعقيدات كثيرة قد يكون هو الذي وجد المعادل الفني المناسب له. التناقض هنا لا يعني أن صورة المدينة في الغناء لم تكن جيدة أو أن الغناء عن الريف كان أفضل بقدر ما يعني أن التصور الذي قدم عن المدينة في تجربة فيروز مع زياد لم يضاهِ التصور المضاد أو الأصلي الذي قدم عن الريف في تجربتها مع عاصي.

البعد الوجودي
التصوُّر هنا لم يبنَ فقط على فهم عميق للحياة الريفية بل أيضاً على إدراك للأبعاد الميتافيزيقية التي تنطوي عليها، وهو ما ميّز تجربة الأخوين رحباني عن معظم التجارب التي كانت مقاربتها للفطرة الريفية محدودة نوعاً ما، أو غير مقترنة بنزوع لتأصيلها انطولوجياً. البعد الوجودي الحاضر بقوّة في التجربة أضفى على الغناء الذي قدمته فيروز قيمة إضافية، واستفاد بدوره من الإمكانيات المتاحة في صوتها ليجعل من الصياغة الرحبانية الفذّة للفطرة البشرية مرجعاً فعلياً للتجارب التي حاولت تقديم مقاربة وجودية للحياة هنا غداة الحرب العالمية الثانية. قبل هذه التجربة، لم يكن ثمة استفادة عربياً من التصور الانطولوجي للحياة، وكانت الصياغات التي قدمت في الغناء العربي مقتصرة على استعراض الأثر الذي تتركه المعاناة العاطفية عليها. ليس ثمة فارق هنا بين غناء للريف أو غناء للمدينة، حيث التراكم الذي أحدثته المدرسة المصرية صهرهما في بوتقة واحدة، ولا يجري غالباً تعقب وجوه الحياة الباقية إلا بوصفها أثراً- أو امتداداً وحيداً- لهذه اللوعة الشديدة التي خلفها الحبّ.

تعدد المرجعيات
استمرت هذه المقاربة حتى انفجار الحرب العالمية الثانية، حين بدأت تظهر تيمات يمكن عبرها مقاربة الحب بطريقة مختلفة. المعاناة الشديدة التي خلّفتها الحرب انعكست على النتاج الفني الذي أعقب انتهاءها سواء في المسرح أو في السينما والغناء، فظهرت تيارات عديدة في هذه الفنون والآداب، من ضمنها المدرسة الوجودية التي طبعت أجيالاً عدة من المبدعين في الغرب. ولكن اعتمادها كمرجعية هنا لم يكن ممكناً بسبب اختلاف السياق التاريخي واستمرار هيمنة المدرسة المصرية على أنماط التعبير الفني، حيث لم يترافق وقوع الحرب وانتهاؤها مع طفرة فنية موازية تعيد النظر في أشكال التعبير المعتمدة، وتقترح مقاربات جديدة لمواضيع مثل الحب، العلاقات…الخ. تجربة فيروز والرحابنة كانت بمثابة خروج عن هذا السياق المستمرّ، فهي منذ البداية طرحت نفسها كحالة بديلة عن الغناء السائد، أو عن هيمنة المدرسة المصرية عليه. الخروج كان يقتضي اعتماد مرجعيات أخرى توفر أدوات «القطيعة»، وتتيح للتجربة أن تتطور بمعزل نسبياً عن السياق المهيمن عربياً.

القرب من الحداثة الغنائية المصرية 
حصول التطور بهذا الشكل فرض على التجربة أن تكون أقرب فنياً إلى المرجعيات الغربية، ولكنها بقيت على تواصل مع المدرسة المصرية لأن أفق هذه الأخيرة كان قد تطور أيضاً مع سيد درويش ومن بعده مع محمد عبد الوهاب. وليست مصادفة أبداً أن تكون فيروز قد غنت للاثنين أكثر أغانيها باللهجة المصرية، ابتداء بقصيدة «يا جارة الوادي» لعبد الوهاب (وهي من شعر أحمد شوقي) ومروراً «بزوروني كل سنة مرة» و«طلعت يا محلا نورها» لسيد درويش، وليس انتهاءً بالأغنيات التي لحنها عبد الوهاب لها مثل «اسهار»، و«سكن الليل».

نجد في «طريق النحل» التي يفضلها عاصي، ربطاً للحب بسياق أوسع، وعدم الاكتفاء بالتعبير عنه من خلال العلاقة بين الرجل والمرأة

والأرجح أن اختيار عاصي لهذا النوع من التواصل كان مقصوداً. إذ كان التطور الذي قطعته التجربة فنياً يفرض عليه عدم النكوص بها إلى مرجعيات سابقة، والحفاظ على وتيرة تبقيها ضمن الخط ذاته، مع السماح ببعض التنويعات التي تنتمي فنياً إلى المرجعية نفسها تقريباً التي يصدر عنها هو ومنصور. ضبط الإيقاع بهذه الطريقة كان ضرورياً للحفاظ على المنهجية نفسها التي سمحت بتطوّر التجربة والخروج بها إلى العالم. التعامل مع عبد الوهاب تحديداً كان مدخلاً للمزيد من التجديد، على اعتبار أنه الوحيد تقريباً الذي قدم مصرياً مقاربة وجودية للحياة من خلال أغنيته الذائعة الصيت «من غير ليه». صحيح أن تجديده للغناء اقتصر على الشكل فقط دون المضمون، وصحيح أيضاً أنه تأخر في إدراك الأبعاد الوجودية للحياة كما ينبغي أن تقدم في الفن، ولكنه في المحصلة انتهى إلى اعتماد منهجية قريبة من تلك التي اقترحها عاصي وكانت سبباً في اعتباره «دخيلاً» على الموسيقى والغناء العربيين أواسط القرن الماضي.

جدل الوجودية والواقعية
في إحدى مقابلاته التلفزيونية، تطرق زياد الرحباني بطريقته الساخرة المعتادة إلى سبب الخلاف بينه وبين أبيه من الناحية الفنية. بالنسبة إليه، الحب يجب أن يكون واضحاً وضوح الشمس، وطريقة التعبير عنه فنياً لا يجب أن تكون مغرقة في الرمزية، أو معبّراً عنها بطريقة لا يفهم منها الكثير لجهة العلاقة بين الرجل والمرأة. تعبيره عن هذا الرأي في المقابلة أتى مترافقاً مع إعطائه أمثلة عن هذا الاختلاف. هو يرى أن أغنية مثل «علموني» تعتبر نموذجاً للتعبير عن الحب بطريقة سهلة وبسيطة وواضحة. وفي المقابل يضع في مواجهتها أغنية يعتبرها والده عاصي متناسبة أكثر مع نمط الغناء العاطفي الذي يفضله «طريق النحل». في الأغنيتين، ثمة علاقة تنمو وتتطور ثم تنتكس كما هي الحال مع معظم التيمات العاطفية التي اشتغل عليها الرحابنة، ولكن في الأغنية التي يفضلها زياد (علموني) ثمة بالفعل تطرق مباشر إلى العلاقة على لسان الحبيبة. وبالإضافة إلى هذه المباشرة في الصياغة الشعرية، قلما نجد أيضاً صوراً أو توريات كتلك التي يحفل بها نتاج الأخوين رحباني الغنائي. الأغنية هنا تتطور وفقاً لخط مرسوم سلفاً، وتكاد تكون تعبيراً مباشراً عن رومانتيكية فجة. ولذلك فضلها زياد على سواها من نتاجات الأخوين كونها تتناسب مع منهجه الواقعي في التعبير الفني. في المقابل، نجد في «طريق النحل» التي يفضلها عاصي، ليس فقط إحالات ورموزاً شعرية، بل أيضاً ربط الحب بسياق أوسع، وعدم الاكتفاء بالتعبير عنه من خلال العلاقة بين الرجل والمرأة. في الأغنية ليس ثمة طريق للنحل فحسب، بل للحياة أيضاً التي جرى إحالتها رمزياً للنحل نظراً لما ترمز إليه هذه الكائنات من نشاط وحيوية دافقة. طريق النحل في الغابة بهذا المعنى هو مدخل إلى الحياة وإلى تجديد العلاقة والتجربة عبر استعادتهما من خلال النوستالجيا ودفق الذكريات. وهي تقريباً الأداة الشعرية الأساسية التي تربط عوالم الأخوين رحباني بعضها ببعض. الحب كما جرى التعبير عنه هنا، هو مجرد عنصر من جملة عناصر يتألف منها النسيج الشعري للأغنية، والعلاقة التي تدعو الأغنية إلى استعادتها عبر النوستالجيا هي مدخل ليس فقط إلى الحياة، بل أيضاً إلى فهمها بطريقة مختلفة. الأغنيتان جميلتان، وكل منهما تعبر عن الحب بطريقة معينة، ولكن المقارنة بينهما في سياق اختلاف في وجهات النظر الفنية بين عاصي وزياد، تجعلنا نفكر فيهما على النحو الآتي: ثمة بالفعل ما يصنع الفارق بين أغنية تعتبر مدخلاً إلى الحياة بمعناها الأوسع وأخرى تعتبر الحياة بمعناها «الضيق» أو اليومي مدخلاً إليها.