عن التراجع الأميركي عن الانسحاب


روزانا بومنصف
النهار
26042018

 

على رغم ان الجانب الاهم من زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى الولايات المتحدة يرتكز على ما يتصل بمصير الاتفاق النووي مع ايران الذي يهدد الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالانسحاب منه بحلول 12 ايار المقبل ما استنفر جهودا اوروبية كبيرة ستترجم ايضا بزيارة تقوم بها المستشارة الالمانية انجيلا ميركل الى واشنطن هذا الاسبوع ايضا، فان جانبا اخر مهما حظي بالاهتمام والمتابعة الديبلوماسيين. وهذا الجانب يتعلق بالموقف الذي كان اعلنه الرئيس الاميركي من عزمه على سحب القوات الاميركية من سوريا على الفور ما ساهم في استنفار فرنسا من اجل اقناعه بعدم القيام بذلك في الوقت الراهن. اذ اعلن ترامب في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع ماكرون ان ” بلاده تريد ان تترك اثرا قويا ودائما في سوريا” لافتا الى ” انه من المهم عدم السماح بتنامي النفوذ الايراني في البلاد” وكذلك ” لا نريد اعطاء ايران مجالا مفتوحا على المتوسط” في ما قد يعتبر تراجعا عن قرار خروج القوات الاميركية من سوريا وربما نجاحا فرنسيا ايضا باعتبار ان فرنسا استنفرت على وقع كلام الرئيس الاميركي ولم تر ضرورة لانسحاب غربي من اي حل سوري محتمل على وقع التضحية باوراق تتصل بالواقع السوري كما بالنفوذ الايراني وتوسعه.

لكن مصادر ديبلوماسية تكشف ان ما كان اعلنه الرئيس الاميركي في هذا الصدد لم يؤخذ على محمل الجد على رغم ما اثاره من ردود فعل قياسا الى عامل اساسي هو عدم موافقة المؤسسات الاميركية ولا سيما وزارة الدفاع على هذه الخطوة بحيث تم استدراك هذا الموقف من جانب هذه المؤسسات وتم ايجاد مخرج لا يشي بتراجع كلي لترامب لكنه ادرج تنفيذه تحت ظروف معينة. وقد باتت دول العالم تتريث في التعليق الفوري على تغريدات او مواقف الرئيس الاميركي في انتظار معرفة ملابساتها وما ستنتهي اليه. ويبدو تبعا لذلك ان دول المنطقة ابلغت بالموقف الاميركي الذي ازال الالتباس الذي اثاره موقف الرئيس بحيث كانت ردود الفعل العلنية مضبوطة ومحدودة ولم تأخذ مجالا رحبا في المواقف المعلنة باستثناء ما اعلنه ولي العهد السعودي متمنيا اعادة ترامب النظر في هذه الخطوة. وسرعان ما سرت معلومات التقى عليها خصوم الولايات المتحدة وحلفاؤها ايضا نتيجة اعلان الرئيس الاميركي ان رغبة دول المنطقة في بقاء القوات الاميركية يفترض ان يعني تمويل هذه الدول استمرار وجود هذه القوات في موازاة الكلام على ان الخيار البديل هو لقوات عربية مشتركة تحل محلها. وهذا الخيار يبدو انه استطلعت احتمالاته او رصدت لكن من دون اي نجاح يذكر علما ان رد فعل اساسيا برز من مصر رفضا لهذا الاحتمال خصوصا في ظل اعتبار كثر ان مصر قد تكون مؤهلة لذلك نتيجة استمرار تعاطيها مع سوريا كدولة على غير الخصومة التي طبعت علاقة الدول الخليجية بالنظام السوري. ورد الفعل المصري بدا مناقضا كليا لتحليلات رأت ان الامر قد يكون مناسبا متى اتخذ قرار مماثل او تم بحثه جديا. وقد سحب الكلام عن تمويل القوات الاميركية عربيا بسرعة من التداول لكن بقي الاعتقاد بان هذا كان الهدف الفعلي من اعلان الرئيس الاميركي عزمه على سحب القوات الاميركية بقطع النظر عمن كان وراء ذلك من المحيطين المباشرين به. اذ ان هذه الدول اكانت مصر او المملكة السعودية او اي من الدول الاخرى ليست مستعدة لان تكون في مواجهة ايران وروسيا في سوريا لما قد يفتح ذلك من مجالات لصراعات كبيرة او ان تكون هذه الدول بمثابة من يتم وضعه في المواجهة بدلا من الدور الذي يفترض ان تقوم به الولايات المتحدة في شكل اساسي. فهذه الاخيرة هي التي تولت الانخراط في حروب المنطقة بدءا من العراق وصولا الى سوريا تحت عنوان محاربة ما عرف بتنظيم الدولة الاسلامية من جهة وفي ظل صراع ايراني مع الولايات المتحدة بحيث ان هناك جانبا مستقلا وخاصا لحروب الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة بغض النظر عن مصالح حلفاء لها في المنطقة يلتقون على الاهداف نفسها اي التصدي للنفوذ الايراني والقضاء على تنظيم داعش. ولا يبدو ان هذه الدول الحليفة مستعدة لان تستخدم في مواجهة تتصل بمصالح الولايات المتحدة على نحو مباشر علما ان هذه الدول التي اجرت تقويما لمرحلة الاعوام السابقة من عمر ما سمي ب الربيع العربي” خلصت الى ان التدخل الغربي ساهم في اعطاء الاولوية لحسابات الدول التي قامت بهذا التدخل بمعزل عن مصالح الدول التي تم التدخل فيها ولم تتدخل لانقاذ شعوب او دول عربية.

في اي حال بدا لافتا اعلان روسيا مرارا في الايام الاخيرة ان الولايات المتحدة لن تسحب قواتها من سوريا على رغم اعتقاد مصادر لبنانية ان هذا الكلام قد ينطوي على شيء من الاستفزاز من اجل حض الرئيس الاميركي على رد فعل مناقض لذلك وملتزم ما اعلنه سابقا مثيرة في ذلك الكلام على ان سوريا قد تبقى مقسمة او قد يصعب توحيدها بالتزامن مع الكلام الروسي على عدم الانسحاب الاميركي. وكان الامر موحيا بانزعاج روسي واضح من ذلك وكذلك بانزعاج ايراني كبير علما ان المصادر تخشى ان يكون ما اعلنه الرئيس الاميركي مقدمة لامر ما يجري تطويره على خلفية ان كل مواقفه خلال مدة رئاسته حتى الان اظهرت اصراره على تنفيذ ما يعلنه او يغرد به ولو بعد حين وبعد توفير العناصر المناسبة له.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*