عنصرية برائحة ما بعد السوفييتية

 

العلاقة بين يهود روسيا ووطنهم لم تتناقض مع علاقتهم بأرض إسرائيل وقوميتهم اليهودية

دمتري شومسكي
القدس العربي
نقلا عن هآريتس
Dec 29, 2017

صديقي من أيام الصبا في بداية التسعينيات، ابن عائلة يهودية مثقفة من موسكو، يعيش مع والديه في حيفا في حي مختلط، يهودي عربي. قرب مكان سكنه كانت بقالة بملكية عائلة عربية. صديقي ابن الـ 15 سنة ووالديه لم يذهبوا في أي يوم إلى تلك البقالة وفضلوا السير مسافة طويلة وصعود درج متعرج من أجل الوصول إلى بقالة يملكها يهودي. «أنا لا أعرف»، قال صديقي مستغربا عندما رافقته ذات مرة في مهمته الوطنية في الطريق إلى بقالة اليهودي، «لِمَ لا يغادرون إلى الأردن أو سورية، بالضبط مثلما تركنا نحن الاتحاد السوفييتي؟».
من المعروف أن اعتقادات عنصرية بالنسبة لمواطني إسرائيل العرب الفلسطينيين كانت توجد في الدولة اليهودية قبل موجات الهجرة. ولكن نظرة صديقي العنصرية توجد لها خصائص مميزة. هي لا تشبه العنصرية الموجودة في البلاد، مثل دعوة افيغدور ليبرمان لمقاطعة الشركات العربية في وادي عارة، وهي مختلفة في ألفاظها عن العنصرية الإسرائيلية، ولها هدف مختلف هو التشكيك بشرعية المواطنة لسكان وادي عارة العرب.
صديق الصبا هذا مثل كثيرين في أوساط المهاجرين من الاتحاد السوفييتي وما بعد الاتحاد السوفييتي ولا سيما المصوتين لإسرائيل بيتنا، طبق على علاقة مواطني إسرائيل الفلسطينيين بالمجتمع الإسرائيلي نموذج العلاقات بين اليهود وروسيا السوفييتية، الذي تحدد في نهاية أيام النظام الشيوعي. أساس هذا النموذج كان مغروسا في الاغتراب العميق لليهود في الفضاء الذي ولدوا وعاشوا فيه.
من المعروف أن الهجرة إلى الغرب كانت ظاهرة منتشرة في تأريخ يهود روسيا منذ الربع الأول من القرن التاسع عشر. ولكن فقط في الجيلين الأخيرين ـ عشية تفكك الاتحاد السوفييتي وبعد ذلك ـ هذه الهجرة يرافقها لدى يهود كثيرين الشعور بالكراهية تجاه كل ما له علاقة بـ«الوطن».
انفصال من هذا النوع عن المشهد المحلي التأريخي للبيئة الشرق أوروبية كان ظاهرة جديدة تماما في تأريخ يهود روسيا.
على مدى التأريخ اليهودي في روسيا القيصرية وفي دولة السوفييت حتى ما بعد الحرب العالمية الثانية، انجذاب اليهود لوطنهم في شرق أوروبا، الذي عاشوا فيه لأجيال قبل احتلال روسيا أجزاء في بولندا وغيرها، لعب دور كبير في تشكيل هُويتهم. أيضا لدى البارزين بين الممثلين للقومية اليهودية والصهيونية.
مؤلف «التحرر الذاتي» والمبشر بالصهيونية السياسية، يهودا ليف بنسكر، أكد ذات مرة في 1984 على أنه برغم اللاسامية والاعتراف بالحاجة إلى إيجاد وطن قومي لليهود، إلا أن يهود روسيا يرفضون رؤية أنفسهم غرباء في روسيا، لذلك «نحن… الأبناء الأوائل للبلاد الروسية، فيها كبرنا وفيها مات آباؤنا، على هذه الأرض، روسيا وجدتنا».
زئيف جابوتنسكي أيضا، الذي بمستوى أيديولوجي واضح كان ملتزما بلا تحفظ بفكرة الوطن الإسرائيلي، التي عبر فيها في الوقت عينه عن وطنية متحمسة بخصوص مدينة مسقط رأسه أوديسا، حتى أنه دعا بقوة إلى أنه لا يمكن أن يكون تناقض بين حلمه الصهيوني وحبه لمدينته.
لأن «ما تدمن عليه يجب أن تحبه، هذا إشارة إلى الطعم الجيد» (اقتباس من «مقال حول التعليم»، 1912).
إذا رأى صهاينة روسيا أنفسهم مواليد متجذرين في محط إدمانهم الشرق أوروبي من دون تعذيب ضمير فإنه في أوساط اليهود الروس الذين لم يكونوا صهاينة انتشرت هذه الظاهرة بالأحرى. هذا ظهر بصورة واضحة في بداية عهد الشيوعية، عندما كانت الدولة السوفييتية الشابة تشن نضالا لا تنازل فيه ضد اللاسامية، وفي أثناء الحرب العالمية الثانية (التي تسمى الحرب الوطنية الكبرى)، التي وصلت فيها المماثلة ليهود سوفييت كثيرين إلى الذروة مع الدولة التي قادت المعركة ضد النازية.
ولكن منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية فصاعدا انقلبت الأمور رأسا على عقب. من حملة المطاردة في نهاية حكم ستالين ضد اليهود المثقفين والتي عرض رجالها كعالميين عديمي الجذور، ومرورا بازدياد اللاسامية الرسمية السوفييتية على أساس قطع العلاقة مع إسرائيل بعد حرب الأيام الستة وحتى المطاردة الدائمة للصهاينة الذين كانوا أقلية هامشية في أوساط يهود السوفييت.
هكذا تمكن السوفييت من محو ليس فقط معظم المضامين الثقافية للهُوية اليهودية، بل أيضا العلاقة الشعورية لليهود نحو فضاء شرق أوروبا، التي كانت مركبا أساسيا في تلك الهُوية. صحيح أن اليهود كانوا يعشقون الثقافة الروسية بالمفهوم الروحي، لكن في كل ما يتعلق بالبعد الجغرافي ـ الشرقي، الكثير منهم استوعبوا تشخيصهم (الخارجي والمؤسسي) كغرباء تماما في وطنهم، في روسيا وفي الجمهوريات الوطنية للاتحاد السوفييتي.
النظام السوفييتي تسبب لكثير من اليهود السوفييت بما لم ينجح أي قيصر كاره لإسرائيل في التسبب به لهم: الاقتناع بأنه ليس لهم انتماء تأريخي لبلادهم، والإيمان بأنهم موجودون على أرض الاتحاد السوفييتي بالإحسان وليس بالحرب. والأهم من ذلك هو قبول هرمية حقوق المواطن بين مجموعات الأكثرية والأقلية القومية كنموذج طبيعي، سوي وعادل في الواقع الوطني ـ المدني في دولة حديثة.
هنا، عند مجيئهم إلى إسرائيل، واجه يهود الاتحاد السوفييتي سابقا أقلية قومية من مواليد البلاد التي تفتخر بنفسها وغير نادمة، تكسر التشويه المتفق عليه سوفييتيا بخصوص العلاقة بين الأكثرية والأقلية.
المواطنون العرب الفلسطينيون ليسوا فقط لا ينوون الهجرة إلى الأردن أو سورية، بل يتجرأون على المطالبة بالمساواة في الحقوق، وإبراز حضورهم القومي المتميز في المشهد المدني الإسرائيلي. هكذا فإنهم يسحبون الأوراق من مفاهيم المواطنة من الهوموسوفيوتيكوس الإسرائيلي.
لأن الأمر يتعلق بموضوع حساس جدا بالنسبة لأجزاء واسعة من المتحدثين بالروسية في إسرائيل، ليس هناك فرضية بأن ليبرمان ـ الذي هو نفسه جزء من هذه الظاهرة ـ حول نزع الشرعية عن مواطني إسرائيل العرب إلى الهُوية الخاصة لحزبه فور دخوله إلى السياسة الإسرائيلية، وهو يحرص على التلويح بها مرة تلو الأخرى ـ مع أو من دون صلة بنشاطات احتجاجهم المدني.
لذلك، يسهم ليبرمان مع عدد كبير من جمهور ناخبيه مساهمة خاصة ومشكوك فيها في تنوع الاكتشافات متعددة الثقافات للعنصرية الإسرائيلية.

هآرتس 28/12/2017

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*