عمر الخيّام: الخمرُ مشروعٌ روحيّ فلسفيّ غراميّ لصناعة الجسور بين الوجود والعدم

 

للوصول إلى الشاعر الفارسي العظيم عمر الخيام في منازل تلك السموات وشوارعها وفراديسها، لم تكن أمامنا من مهمة، إلا التقدم ببطاقة بحث للاستدلال على وجوده في تلك الفضاءات الجديدة. ذلك ما فعلناه، عندما تقدمنا بطلب البحث عن غياث الدين أبي الفتوح عمر بن إبرهيم الخيام المعروف بعمر الخيام لدى إدارة هجرة الأرواح. لم نتأكد من وجوده في منطقة التائهين من دون هوية، ولا في مكتبة القشلة الذهبية أو حانة الفلاسفة على وجه التحديد. لكن الأمر لم يتفاقم إلى درجة فقدان الأمل بالعثور على الشاعر، إذ سرعان ما طلبت منا سكرتيرة إدارة هجرة الأرواح الجلوس والتريث إلى حين ظهور بعض النتائج. آنذاك دخل علينا رجلٌ نحيلٌ، يقف على كتفه اليسرى طيرٌ يُسمى طاسغنداق، وهو يطلق نحونا نظرات ثاقبة، فيما كانت قدماهُ تسيران نحونا بمزاج تملأه السعادة. لم نرَ للمشهد مثيلاً من قبل، إلا أننا قمنا باحتوائه ممزوجاً بصوت ذلك الراديو الذي كان ينبعث منه صوت أم كلثوم هادراً بأغنية “هو صحيح الهوى غلاب”.

الكتابة والحوار: أسعد الجبوري
المصدر: “النهار”
22082017

ما إن جلس الرجلُ على كرسيّ الخيزران، حتى بادرنا بالاعتراف قائلاً: أنا هو عمر الخيام الذي تبحثون عنه. فإذا كان ذلك من أجل الحوار، فأنا أرغب بإجرائه على متن “مقهى ديك الجن” المتاخم لبحيرات الزعفران. هناك سأطلعكم على ملفات سابق زماني وحاضري ومستقبلي أيضاً. آنذاك، وبغمضة عين، أصبحنا في المكان ذاته، تلبيةً لرغبة الشاعر عمر الخيام. وصلنا إلى المقهى. وقبل أن نتذوق شراباً، افتتحنا معه هذا الحوار الذي ننشره كاملاً هنا، على “موقع النهار الالكتروني”، بعد صدور نسخة مختصرة منه في عدد “النهار”، اليوم الإثنين 21 آب 2017:

* كيف تبدو الأرض لعينيكَ من خلال ذلك المرصد الحديث الذي تتولى مسؤوليته في السماء؟

– أراها كتلةً حمراء، وتكاد تنفجر.

* سبق أن توليت في الزمن البعيد مسؤولية مراقبة الفضاء في مرصد أصفهان. فهل كانت الأرضُ تربةً شبيهةً بالمريخ كما هو وضعُها الآن؟

– أجل. أنا أتفهم قلق الناس. فإذا كان المريخ أحمر بفعل ارتفاع نسبة أكسيد الحديد بتربته كما هو معروف، فإن الأرض حمراء بفعل الدم. لقد اشتغل الظالمون والظلاميون على تثقيف التراب بالقتل، حتى صارت الأرضُ كريّة دموية.

* بمعنى أن الأرضَ على أيامكم، كانت أقل احمراراً ونكباتٍ؟ 

– أبداً. فمنذ ولادة الأرض أو سقوطها من أحد ثقوب الفضاء الكوني، وترابُها يعاني سفك الدم. في السابق، كانت أدوات الموت بدائية، لكن اكتشاف السيد نوبل للديناميت ومن بعده مجيء صُنّاع الأسلحة الذكية، منح الهلاك حداثة استثنائية جعلت الأرض عبارة عن أكواريوم لمياه بلون الطماطم.

* لقد كنت أول مخترع لطريقة حساب المثلثات ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة. ما معنى ذلك بالضبط؟

– ذاك ما كان. فقد كنت غارقاً بالجبر وبالمعادلات الخاصة بعالم الرياضيات، وصولاً إلى تعديل نظام التقويم الفارسي الذي اعتمده السلطان ملكشاه السلجوقي.

* إذا كنت تعلم ان الله قد ثبت الأكوان وفقاً لهندسته وقواعده، ألم تخشَ –كعالِم- اللعب بتلك التقنية المركبة تركيباً فائق الدقة؟

– لم أخش شيئاً. كنت أحاول السيطرة على بعض منابع الأفكار التي تقود إلى اختزال الأكوان بكون له خصائص مشتركة، منعاً للذوبان في الفوضى والتشتت في التيه الأعظم.

* هل تعتقد بأن خضوع الروح الشعرية التي فيك إلى قانون الحساب، سبق أن عَقّد وضع القصيدة؟

– بالضبط. لم تَعُد الرياضيات ظلاً للشاعر. ولا الشاعر ابناً نجيباً للحساب وقواعده، لا بالأبعاد ولا بالمساحات. فعلمُ القياس الشعري هو غير فرضيات الجبر الهائجة في بُنيات المنطق.

* إذاً، هل كنت تحاول التخريب؟ أقصد ان تبنيك المنهج الرياضياتي، كان يهدف زعزعة استقرار الكون، ومنه الأرض على وجه الدقة، أم كان يرغب بتحرير الإنسان من لعبة الإلوهية المُستَدامة؟ 

– سأقول لك بعض الحقائق: كان المفكرون يعتقدون منذ قرنين – كما كان التطور الفعلي للعلوم يبدو انه اثبت – ان في الرياضيات وحدها تجد معرفة الطبيعة أسلوبها الصحيح وضماناتها الصحيحة. لكن الرياضيات نفسها، من أين تستمد شرعيتها؟ كيف يميز الرياضي الصواب والخطأ؟

* قد يأتيك أحدهم ويجيبك ان هندسة اقليدس كفّت عن كونها الهندسة الوحيدة. وكان بالإمكان تصور هندسات أخرى متناسقة كل التناسق بعيداً عن كل ما سبق، بما في ذلك الهندسة الإلهية!

– حتى الآن لا وجود لنشاز.

* حتى داخل المنطقة الشعرية التي في باطنك يا عمر الخيام؟

– لقد حاولت الهرب من هندسة الدين أولاً، لكنني فشلت.

* وما سبب فشلك بالضبط؟!

– كنتُ أرى “ان الدين هو ما يفعله الفردُ بعزلته الخاصة. وإذا ما تطورت هذه العزلة حتى نهاية مقتضياتها، مرّت بثلاث مراحل: من الله الحيادي إلى اله العدائي. ومن الله العدائي إلى الله- الرفيق. وهكذا، الدينُ هو عزلة. ومن ليس منعزلاً أبداً، ليس متدّيناً أبداً. ان الحماسات الكبرى الجماعية، والتجديدات في الإيمان والمؤسسات والكنائس والأشياء الطقوسية والتوراة والوصايا الأخلاقية ليست سوى زينات وأشكال عابرة للدين”، وهو عندنا غير هذا.

* ألم تستفد أنت في شغلك من الدين؟

– إذا كان الدين قد طاردني في العلوم المشفوعة بالأدلة والبراهين، فكيف له أن يتركني حراً في الشعر من دون مطاردة وعقاب، والشعر لا يملك إلا الخيال؟

* هل لأن الدين، يعتبر الاثنين نسخةً واحدةً: العلوم شذوذاً تحاول تغيير الإرادة الربانّية. والشعر زندقةً مفتوحةَ الأبواب، لا يمكنُ التحكم بمفاعيلها؟ 

– وهما كذلك من أعمال الشياطين!

* نحن نعرف أنك هربتَ من المقصلة اللاهوتية إلى أفق الشاعر حسن الصباح مؤسس طائفة الحشاشين، وهي طائفة الإسماعيلية. هل وجدتَ في ذلك الشخص فضاءً لالتقاط الأنفاس واستعادة الشعر عند طائفته، أم رأيت فيهم الملجأ للحفاظ على بقاء الرقبة فوق كتفيك؟

– كان فضاء الإسماعيلية أوسع من فضاءات نيسابور وسمرقند في ذلك الزمان. فما إن عرفتُ مقداري الذهب والفضة في كل جسم مركّب منهما، حسباً للكثافة النوعية، حتى فُتحت في وجهي أبواب الجحيم. ربما لأنني توصلتُ لمعرفة نسب وكثافة الوسخ والوضاعة في أعماق المخلوقات الأرضية، ففضلوا قتلي محواً لعَلمٍ من أعلام الإلحاد!

* وهل كنت ملحداً من الملاحدة الدَّهرِيِّين بحق؟

– قد لا يسألُ اللهُ كائناً من مخلوقاته عن سبب عدم إيمانه به. إلا أن الملحد يستطيع تقديم مطالعة بما يعتقد وبما لا يعتقد. فاللهُ محاورٌ من الدرجة العظيمة، ولا يغلقُ باباً بوجه كائن قام هو بإنتاجه واجترح تلافيف دماغه.

* وإذا كان الله محاوراً عظيماً، فهل تظن أن نتيجةَ كلّ حوارٍ ستفضي في النهاية، إمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار؟

– لا أعتقد أن الأمور في النهاية، تتعلق بمسألة ما يُسمى الثواب والعقاب وحدهما. فثمة موضوعات مهمة في ملفات الدنيا والأكوان الأخرى التي تتشابك ضمن تلك الأنظمة الهندسية وقوانين الوجود الحيويّ.

* هل من أجل تلك النظرة العلمية العميقة للوجود، ذُهِل عقلكَ، فوجدتَ لراحتهِ البديلَ في الشِعر؟

– إذا كان العقل متعَباً من أثقال العلوم وعواصف الفقه، فعليه التمتع بالمساحات الأوسع من الحلم والخيال، وذلك ما يوفره الشعر للنفس، لا لتخلد للراحة، بل لتتمرّن على نوع من الحياة غير الهندسية، أو تلك التي لا تقوم على القواعد والقوانين فقط.

* لكن للرباعيات التي كتبتها أنتَ بالفارسية، الأنظمة والقواعد. فكلُّ مقطوعة مكونة من أربعة أبيات، ثلاثةٌ منها مقيدة، فيما يكون الشطرُ الثالث مطلقاً من قيود ما تُلزم به البقية.

– هذا صحيحٌ. لكن أنظمة الشعر أقلُ قسوة من هندسة إقليدس التي تفتك بصرامتها العقلَ، وتبني الحصونَ حوله، لئلا يصاب بالكسل، فينهارُ كل شيء.

* ما المسافةُ التي تراها بين هندسة العلوم وهندسة القصيدة؟

– هي أن الأولى تأتي هندسةً لتهميش شهوة العلماء وخبراء العلم، فيما الثانيةُ تُهندسُ الأرواحَ وتفتحُ الأبوابَ ممارسةً للحب، ودعماً لنشاط الرياحِ المثيرة للذّة.

* وهل يستطيع الشاعرُ أن يمارسَ الحبّ عبر الشعر في رأيك؟ 

– ممكن. أنا عايشتُ تلك المسألة، عندما وجدتُ أن عدم التحكم بالعواطف، قد يقود الشعرَ إلى أحد غرف اللغة الشهوانية التي توفر له بعض أدوات الإنتاج الأيروسي بشكل من الأشكال.

* أنت تجعل من نفسك مبشراً بنشوةٍ شعرية. هل ترى ذلك ممكناً؟

– ليس لكائن من كان. فالشعراءُ طبقاتٌ، منهم الفارغُ والمُعَقّد والمسحورُ واللغوي والطائر والشمولي والنظامي والعامل في حرق الكلمات كالحطب.من هنا، تختلفُ بنوكُ الشهوات من واحد إلى آخر. ألا أن الأعظم من كل هؤلاء الشعراء، شاعراتٌ، كلّ معتقداتهنّ تنبع في هذا العنوان، وتصبُّ فيه كذلك.

* أية معتقداتٍ تقصد يا سيد عمر؟

– المعتقدات الشعرية المشبّعة بنشوة المفاتيح بالطبع. حيث كلّ مفتاحٍ ينحت في باب للوجد، حتى ذوبان حديد تلك المفاتيح وانهيار الأبواب.

* أنتَ حُوربتَ نتيجة تلك الإباحيات التهكمية التي بطنّتَ بها رباعياتكَ. أليس كذلك؟

– لقد أقاموا عليَّ حروباً مختلفةً. فمرةً لاعتباري مشوِّشاً على وجود الربّ. ومرةً لأنني مستغرقٌ في الرذائل كصانعٍ للشهوات. ومراتٍ كانت الحرب من أجل مقاومة تيار السعادة المحمول على أثير خمرة يعدونها من بعض الآثام الكبرى، حتى تتساوى عند الظلاميين شربةُ كأس نبيذ مع قطع رأس!

* ثمة من يعتبر ان عمر الخيام عالمٌ على قدر كبير من الحصافة والأخلاق والإجلال، بما يتنافى مع أنفاس تلك الرباعيات التي تفيض بالخلاعة والسكر والإلحاد. فيما ذهب المستشرق الروسي زوكوفسكي إلى نفي أن تكون أنتَ صاحب تلك الرباعيات. ما ردّك؟

– لقد أنجبتْ حيواناتُ الظلام على هذه الأرض الألوف المؤلفة من الجهلة والمصابين بالتقصير وبالقصور العقلي، فكانت لعبتهم تهشيم المصابيح وإخماد النور تحت ذريعة محاربة الإلحاد واللهو والمجون والعبث. رباعياتي كانت تعبيراً عن مشاعر وآمال أكثر من جيل. لذلك مارستُ قناعاتي الشعرية من رغبتي بتكسير أبواب السجون المحروسة بالسيوف والنظرات القاتلة. ما ذكره المؤرخ الروسي السيد المستشرق زوكوفسكي ليس صائباً. ويمكنه اعتباري مهندساً علمانياً قبل أن يضع ماركس وانغلز بيض الشيوعية في سلة العالم.

* هل تعتقد بأن منشأ الحرية لم يكن إلا منشأ شعرياً؟

– كلّ قصيدة علمٌ من علوم الروح التي تذهب بالشاعر إلى الشك المطلق بما يوجد لديه، وبما اختفى عنه، وبات في ما وراء الحُجب. لذا، فهذا التماهي مع الوجود والعدم، هو الذي يؤسس لحرية التفكير والخروج من بنك الرأس إلى مصارف الأكوان التي لا تزال مغلقة ومجهولة.

* وماذا عن سيطرة الشاعر على نصّه؟

– تلك السيطرةُ إنما هي في الأصل سيطرةٌ وهميّة. الشاعر الذي يسيطر على نصّه، هو أصلاً بلا نصّ. أو هو في أعظم الأحوال كاتبُ كلماتٍ لا تصنع رجةً في الدماغ، ولا رجفةً بالأصابع، يمكن تسميتها قشرة موز تقود لانزلاق القدم وحسب، فيما النصُ الهائلُ، شبيه بالذرّة التي تمارس الانشطار اللانهائي داخل اللغة وداخل الأنفس المستعدة لتقمص الكلمات والذهاب بالمعاني إلى أبعد من حدود السيطرة.

* هل تعتبر الشياطينَ فلاسفةً شعريين؟

– سيكون من الخطأ الاعتقاد بصحة ذلك. ستقول لماذا؟ وأقول لك إن الشياطين بعد عصر النانو مؤسسة أفلستْ وانتهت، ولم يبق لها من ظلالٍ، لا في الشعر ولا في الفلسفة.

* ألا تعتبرهم جماعات ميثولوجية، مرةً خرجوا عن التوحيد بالعصيان، ومرةً أوهموا البعض بدورهم كمحتلين لفصوص الإبداع في الرأس؟

– أنا لا أعتقد بدورهم كبنائيين في الشعر والفن، بقدر ما أراهم شخوصاً من فئة البكتيريا، استطاعوا عبر الزمن نشر فكرة وجود عفاريت الظلام، ليضاعفوا قوتهم عند الخائفين وأصحاب القلوب الخفيفة.

* كيف ترى الزمنَ، أتراهُ هاويةً على سبيل المثل؟

– الزمنُ جسدُ الكتابة الوراثي. وهو المادةُ غير المتطابقة مع كلّ تأليف، بهدف أن تكون النصوص متضادّة متنافرة غير متحدّة الجوهر، كي لا يكون المعنى واحداً أحداً، فتبردُ عظام مخلوقات الوجود داخل الكتابة.

* ولماذا التوكيد الدائم لحرارة النصوص. هل يشتغل المؤلفون كعمّال أفران؟

– أجل. فالنارُ من المخلوقات المُطهِّرة لليابس والمتعفن والمريض. عدا عن كون الحرارة ناقلة للعواطف والأحاسيس في عمليات إعادة تكوين الأشياء وصياغتها.

* أية أشياء قابلةٍ للتكتم في الشعر كما تدرك؟

– الشعرُ خاصٌ بالتكتم عن أعباء النفس ليس إلا.

* وما تلك الأعباء الخاصة بتكتم الشعراء في رأيك؟

– أن لا تكون تصاوير عواطفهم واضحة كل الوضوح. عدا عن ذلك، فهم لا يريدون أن يمضوا بآلامهم مشاةً بأقدام اللغة، بل يفضلون الهرولة وراء الكلمات عراةً من دون أن يحملوا المشاعل لشق مجرى الظلام.

* وفي ما يتعلق بمسألة الوحي، ما هي نظرتك لتلك الحرفة التي يقال إن الشعراء يعملون عليها؟

– قد لا يشبهُ الوحي إلا شماعة الثياب في الخزائن. وأنا لست معنياً بمقولات الآخرين الجاهزة. فيوم كنت في نيسابور، شهدتُ شعوباً تضطرب عقولها بمختلف الأفكار والشموس في محاولة منها لطرد الشوائب من الحياة، ووجدت أن رموز تلك الشعوب، ما كانت لتؤمن بوحي أو بغيب.

* تقصد أن النظريات الخاصة بالوحي، لا تتعلق بمنتجات الكتابة، بقدر ما هي براغي لصناعة تجارب شعرية خارج السياق الطبيعي للوجدان ولمختبرات العقل؟

– كل حاسّة من حواسّ الجسم، تنتج نصوصها بالطريقة التي تراها متناسبة، ولا ضرر من وجودها في السياق العالم للكتابة. إلا أن حاسّة الشعر تبقى متفرّدةً ببعض المخلوقات دون غيرهم. ومثلما قال الشاعر الفرنسي بول كلوديل: “ليس غرض الشعر إذاً، كما يقال أحياناً، الأحلام، والأوهام والأفكار. انه هذا الواقع المقدّس، المُعطى نهائياً، الذي نشغل منه المركز. انه عالم الأشياء المنظورة الذي سيضيف إليه الإيمان عالمَ الأشياء غير المنظورة”.

* ما العلاقة بين الشعر والأرقام؟

– إذا كانت الأرقامُ من مرجعيات الرياضيات، فليس في الشعر ما يعادلها سوى أرقام ضحايا الآلام البشرية، ممن تفيضُ دماؤهم في الذاكرة.

* هل تظن أن موادَ بعينها، تحفظها ذاكرةُ الشاعر على الدوام؟

– أظن أن المواد الدائمة الحضور في رأس الشاعر، هي السجون والملابس الداخلية وفيضانات الأجساد بالآلام والأغاني.

* لكَ كتابٌ بعنوان “رسالة في الموسيقى”. ماذا كانت رؤيتكَ للموسيقى بالضبط؟

– الموسيقى من لوازم الأرواح، ومنْ لم تخلخله الأنغام، مات شجرةً في الغابة، وأصبح حطباً فقط.

* ألا تظن أن الموسيقى هي خلاص وهمّي للفرد من آلامه داخل مجرى الزمن؟

– ليست الموسيقى ترجمةً للحداد على مفقودات البشر في مجرى الزمن، لكن ظاهرة الموسيقى تعني غايةً واحدةً هي ان “إقامة نظام الأشياء يتضمن بوجه خاص نظاماً بين الإنسان والزمن. وليتحقق هذا النظام، يقتضي بصورة ضرورية وفريدة بناءً. وبعد إقامة البناء وبلوغ النظام، ينتهي كل شيء” على حد تعبير ايغور سترافينسكي.

* تعني ان علاقة الموسيقى بالأرواح وهميّة إلى حد ما، وأنها ستصل يوماً للانفكاك عن بعدها الإيقاعي داخل خلايا الجسد، فتستسلم للقطيعة بشكل نهائي؟

– قد يخسر النظام الموسيقي تراتبياته الإيقاعية في مجرى الإنسان، لكنه سيستمر بالانتقال من وزن إلى آخر لأن تلك “الروعة لا تنضب في الموسيقى الإيقاعية” كما يقال.

* هل ثمة قدرة موسيقية على محو الألم البشري في رأيك؟

– أغلب المخلوقات الآدمية موصولة مع بعضها بتناغميات مجهولة الهوية أو غير واضحة في أغلب الأحايين، وذلك ما يجعل الموسيقى حبالاً، تتعلق بها الناسُ متعةً، أو تخلصاً من أحقاد الزمن وانفعالاته المريضة. كما أن هذا التناغم الموسيقي بين أجساد الآلات وأرواح البشر، عادة ما يقود إلى محو الإرهاق عن النفس وتطهيرها من مختلف المتاعب والانهماك الزائد بالأعمال غير الوجدانية التي تتكالب عليها بين أذرع طواحين الحياة.

* في كتاب عنوانه “ثورة الخيام” لعبد الحق فاضل، مقدمة قديمة للعلامة المصري أحمد أمين (عام 1951) أشار فيها إلى ما في رباعيات الخيام من شذوذ وشرور، محذرا القارئ مسبقاً من اعوجاج طرق الخيام. يقول أحمد أمين كما يذكر ذلك جهاد فاضل في مقالته له: “لقد ترجمت هذه الرباعيات إلى اللغة العربية مرارًا وتقبلها الناس قبولًا حسنا، لما فيها من شذوذ أحياناً، ودعوة إلى الإمعان في اللذة أحيانًا، وأنا لا أوافقه على هذه الدعوة ولا على هذا الشذوذ لأنه كما قال الفيلسوف كانط: “إذا أردت أن تعرف شيئا أصحيح هو أم فاسد “فعمّمه”، ونحن لو عممنا هذا المسلك لكان الناس كلهم إباحيين متلذذين بوهيميين لا يأبهون لشيء إلا للخمر والنساء. ويرى أحمد أمين أن الخيام في مهاجمته للماورائيات إنما هو مقلد لأبي العلاء المعري في لزومياته. هل لك أن تردّ؟

– لن أردّ على أحد قبل أن تمتلئ النفسُ بالشراب. وتمتلئ نفسهُ بالحبر حتى يعرف.

* هل ارتبطت المعرفةُ بالحبر يا سيد عمر؟

– بالضبط. فلا مؤلف إلا بمزاج أسود كالحبر.

■ في كتابها المعنون “الآراء الفلسفية عند أبي العلاء المعري وعمر الخيام” تقول الدكتورة تغريد زعيميان بوجوه الشبه بين آرائك وأبي العلاء المعري من خلال أشعاركما، أبرزها “الحديث عن الموت والحياة والاعتقاد بالقضاء والقدر وحشر الأجساد وبعثها من القبور، ثم مصير الإنسان ما بعد الموت، وغيرها من الأمور الميتافيزيقية التي طالما شغلت فكريهما. وكانا قد اعتمدا في معالجتها على العقل المطلق، فانتهت بها إلى اللا أدرية.”.

– كنت والمعري في تبادل دائم للأدوار لبلوغ القمة. فتارةً يصعد بصخرة سيزيف ليضعها على الجبل ويفشل، وتارةً أقوم بالمهمة ذاتها، من دون أن أستطيع بلوغ الهدف. حتى ظننت أنني الصخرة وهو سيزيف، وأن العقل هو الجبل الذي لم نصله، لنضع عليه حمولتنا من الأفكار ونستريح.

* وهل أقمتما صلةً مع سيزيف للتعرف إليه؟

– في الأمس كان معنا في حوض السباحة، ومارس الكثير من التمارين المضادّة للغرق، ثم انسحبَ من الماء حاملاً صخرته في اتجاه الحانة. كان شخصاً صالحاً للتهكم.

* ألا تُعَدّ سخريتكَ من سيزيف اعتداءً عليه، وأن ما وصفكَ به –البيهقى- في كتابه “تتمة صوان الحكمة” كان على حق عندما اتهمك بسوء الخلق وضيق العطن. أو كما قال عنك الرازي بأنك دهري، طبعي. كما يتبين لدارسك وسيرتك بحسب المؤلف عبد المنعم الحنفي في كتابه “شخصيات قلقلة في الإسلام” الذي جاء على ذكرك “أنك كنت مزاجياً ومنطوياً ظاهرياً ومنبسط باطنياً، وانطواؤك جعلك تعتزل أصحاب السوء والجُهال والمشتغلين بالسياسة”؟

– ليس عندي على ذلك أي اعتراض. فكل ما قيل أو يقال عني، لا يشكل جزءاً من المساحات الهائلة للمزاج الذي أتمتع به كشاعر ورياضي وشكّاك. التهكم بسيزيف أو بالصخرة، إنما هو من أدوات عمل الفيلسوف. فكيف إذا كان شاعراً وجبرياً في عالم الرياضيات؟

■ وهل تصنع بالخمر أفكاركَ؟

– بالتأكيد نعم. فالخمرُ ليس كأساً فقط، بل هو مشروعٌ روحيٌّ على فلسفي على غرامي لصناعة الجسور ما بين الوجود والعدم.

■ ثمة من يقول “لقد أكثرَ شعراء الفرس من وصف الخمر وآثارها في النفس إلا أن الخيام اشتهر في إيران أو في خارجها بالتغني بالخمرة، حتى أن اسمه أصبح ملازماً لشرب الخمرة، فهي لم تُر مستقلة بذاتها، بل هي دائماً مرتبطة بفكرة أو مقرونة بصورة من انفعالات الشاعر النفسية”.

– لا نغفل المجاز.

* على أن الخمرة التي جاء ذكرها في الرباعيات بكثرة، فسّرها المعنيون بدراسة الخيام وفق ميولهم وأهوائهم، فقيل: يمكن أن تكون هي هذه الخمر الحقيقية التي تعصر من العنب، وتشرب من القناني وفي الكؤوس. وقيل: يمكن أيضا تأويلها بأنها المعرفة اللدنية يتلقاها العارف بالله عن ربّه وهبياً وهي المحبة يُسقاها، فيكون بها حال السكر من أحوال الوجد الصوفي. وهنالك من يرى خمرته، خمرةً أدبية وليست خمرة كرمية. أو انها تستخدم استعارة ومجازاً، أي خمرة مجردة.

– إذا قرأنا بتتابع آيات سورة النساء من آية 43 إلى 58 وربطنا تلك الآيات بعضها ببعض بتدبر، نجد دليلاً قاطعاً على أنَّ الآية 43 ليس لها أي دعوة بتحريم الخمر (ولا بالوضوء المزعوم أو إقامة الخمس صلوات فرضا)، ونجد دليلاً قاطعاً للمقصود به من معنى “سُكارى” التي وردت في الآية 43. بل نجد تأكيداً واضحاً أن الغسل أو المسح من السكر أو النجاسة أو الوساخة هو في الحقيقة طهارة النفس، وأنَّ الهدف الوحيد الذي نستطيع من أجله أن نقرب كتاب الله أي أن نتقرب من كتاب الله هو لطهارة أنفسنا من الذنوب، أي هو بهدف إخلاص الدين لله وليس بهدف التحريف والضلالة والإستهزاء بكتاب الله والتكذيب بآياته بالكفر والنفاق والإشراك به.

* ما منسوب الإيمان بالآخرة في دمكَ؟

– أحسُّ بأن ثمة أكواماً من الأرقام في نفسي، لكن نتيجة تفاعلاتها الجبرية والنفسية والبيولوجية صفر.

* هل يجوز أن يتعلم كبارُ فلاسفة الإسلام على يد ملحدٍ من طرازك؟!

– كيف يعني؟ وماذا تقصد بالإلحاد وبفلاسفة المسلمين؟

* سنضرب مثلاً مؤرشفاً من سجلات التاريخ: ألمْ يكن الإمام محمد الغزالي المعروف بعناده معك، قد تتلمذ على يدك ولم يستطع إنكار موقعك العلمي الرفيع.فقد نقل كل من زكريا محمد القزويني (م ٦٨٢) في “آثار البلاد وأخبار العباد” (٦٧٤) وشمس الدين محمد التبريزي (أو للقاء بينه وبين المولوي ٧٤٢) في مقالات شمس الدين التبريزي: كان الإمام محمد الغزالى يحضر صباح كل يوم عند الخيام ويقرأ كتاب الإشارات في الفلسفة والمنطق لابن سيناء، وبما ان الغزالي كان متعصبا في مسألة الدين، فانه كان ينتقد الخيام كلما خرج من عنده ويذكره بالسوء فعلم الخيام بذلك، فأحضر في احد الأيام وقبل ان يأتيه الغزالي جماعة من الزمارين، وطلب منهم أن يطبلوا ويزمروا عندما يبدأ بالتدريس، ففعل هؤلاء ذلك فتجمع الناس من كل صوب عند بيت الخيام فوجدوا الإمام محمد الغزالي وقد فتح كتابه وهو جالس أمام الخيام، فقال الخيام للناس: يا أهل نيسابور ان هذا إمامكم وفقيهكم يأتيني كل يوم ليدرس وعندما يخرج يتهمني بفساد العقيدة. فاسألوه إذا كانت هذه العلوم تعني الكفر فلماذا يأتيني ويدرس عندي هذه العلوم الكافرة؟ وهل هذا من أخلاق الدين؟

– ما قلته للناس آنذاك، كان سؤالا صحيحاً بجد. فقد تربّى ودرس وتَخَرَّجَ على يَدِ الملحد –الذي هو أنا- عَدَدٌ لا يُحصى من الكتَّاب والعلماء ورجال الدين.

* لكنكَ لم تقلْ لنا عن النساء الكثير. أكنت تخافهنّ أم يمّمن هنّ وجوههنّ عنك بسبب إفراطك في الرياضيات والخمر والفلك وفلسفة خلخلة العقول؟

– كانت الحروب الباردة بيني وبينهنّ. ففي كل امرأة مسرح للنكبات، منهنّ من يستخدمن الشراكة العاطفية لبلوغ الذروة، ومنهن من يذهبن بك إلى غرفة الإعدام بالغاز.

* أهذا كلُّ ما خبرته عن النساء في حياتك؟

– لم أكنْ قارئاً للمرأة بذلك القدر الكبير من الذكاء والحنكة.

* هل لأنك مزجتَ لحومهنّ بالخمر، فضعت عنهنّ في متاهة السراب؟

– هذا أفضل ما يمكنني الاعتماد عليه كجواب عن سؤالك. فما النساء إلا متاهات مثقفة. كلُّ امرأة مخطوطةٌ لشهوةٍ، تبدأ بالفردوس وتنتهي بجهنم.

* سيصبح قراؤك مندهشين لهذا التصور المتوحش والقاسي الذي تخص به المرأة. ألا تعتقد ذلك؟

– ولمَ لا تجد في رأيي هذا مرثيةً لي أنا شخصياً؟

* ربما نحسب ذلك الأمر على وجودك على الأرض هناك، أما في الفردوس فلا نعتقد بأن الخديعة ستستمر بوجود الحوريات. أليس كذلك يا عمر؟

– بالتأكيد لا. لن أكون ممتازاً في هذياني الجماعي مع نفسي والآخرين في مسرح أوجين يونسكو الافتراضي هنا. فأنا مثال جديد لوحيد القرن ومتحرر من الهستيريا الجماعية تماماً.

* هل قابلت ربكَ أم تنتظر؟

– ما زالت الفيزا بعيدة المنال، وما زلتُ محاصَراً بكتب التاريخ وتقارير مرجعياته الأرضية.

* كأنك تتحدث عن سجون في السموات وعن رعايا بلا أعمدة فقرية؟

– ربما لأنني ما زلتُ أحتفظ بسؤال ألبر كامو: “أيمكن أن أكون قديساً بدون إله؟”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*