عمان: الاختبار الأول لرهان الحمقى

الياس خوري
Jun 12, 2018
القدس العربي

 

بينما يغرق لبنان في مماحكات «المكونات» الطائفية التي لا تستقر على قرار، من التجنيس إلى القناصل وصولاً إلى افتعال معركة مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما يجعل طبقة المافيا اللبنانية خارج اللعبة الكبرى التي تدور في الإقليم، انفجرت عمان في انتفاضة شعبية ضد قانون الضرائب. والانتفاضة، على الرغم من طابعها الاجتماعي-الاقتصادي، ليست سوى الاختبار الأول لما يسمّى بـ «صفقة القرن»، على المستوى الشعبي العربي خارج فلسطين المحتلة.
لا أسعى إلى إهمال الجانب الاجتماعي- الطبقي في الانتفاضة الشعبية التي قادت إلى إسقاط الحكومة، أو غض النظر عن تكبّر رئيس الوزراء المستقيل الذي قال انه لا يتراجع أمام ضغط الشارع لأن تعيينه جاء «من فوق»، ولا إلى ضرورة إحداث تغييرات جذرية في النظام السياسي، الذي يهمّش دور المجتمع ، فهذه مسائل أساسية، تمس جوهر مسألة الانتقال إلى الديمقراطية الفعلية، وهو مطلب كل الانتفاضات العربية التي اغتالها القمع الوحشي في عواصم «الربيع العربي».
هناك مشكلة كبرى ناجمة عن هيمنتين: هيمنة منطق صندوق النقد الدولي، الذي يسعى إلى فرض «إصلاحات» رأسمالية متوحشة، وهيمنة طبقة من الفاسدين والمفسدين، التي تتصرف وكأنها جالية أجنبية، ولا تراعي مستقبل بلاد مهددة بالاندثار، أمام ضغوط تحولات إقليمية مليئة بالحروب والمآسي.
غير أن هناك وجهاً آخر يجب التوقف عنده من أجل فهم دور المظاهرات الأخيرة في محاولة إنقاذ الأردن من كارثة حصار إقليمي عنوانها الوحيد هو «صفقة القرن».
بطل هذه الصفقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يملك سوى «المعرفة» التي صنعها له المستشرقون وعلى رأسهم برنارد لويس بأن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة. وللأسف فإن حكّام هذه اللحظة العربية المنقلبة، أثبتوا صحة هذه النظرية، فخضعوا وأُخضعوا للابتزازين المالي والسياسي، وهم يرون شرعيتهم تتداعى، ويصابون بالرعب من المد الايراني، فقبلوا ما لا يُقبل: التحالف مع إسرائيل، والرضوخ للاعتراف الامريكي بالقدس كعاصمة للدولة العبرية والقبول بتأبيد الاحتلال الإسرائيلي عبر حكم ذاتي فلسطيني ينظم التمييز العنصري ويطلق عليه اسم «دولة» فلسطينية، وهي دولة دالت، أي انهارت قبل أن تولد.
لا يبالي ترامب برأي عام عربي يؤكد له حلفاؤه العرب أن لا وجود له، وهو متيقن من أن بلاغة الجريمة التي صنعها الاستبداد في مواجهة انتفاضات الشعوب العربية، تشلّ أي احتمال شعبي. كما أن الممارسة الإسرائيلية الوحشية أمام بوابات غزة، تشير إلى أن الثنائي الأمريكي الإسرائيلي لا يلوي على شيء، وهو يعتقد أن الانهيار العربي أعطاه تفويضاً على بياض بأن يفعل ما يشاء.
هنا أتت المفاجأة الشعبية الأردنية.
يجب أن نقرأ المظاهرات والاعتصامات في المدن الأردنية المختلفة في سياقها الداخلي، أي في سياق أزمة بنيوية اقتصادية اجتماعية. وحلّ هذه الأزمة يبدأ من تغيير يجب أن يكون بنيوياً هو الآخر، فالاكتفاء باحتمالات المساعدات العربية، التي انقطعت من دون سبب معلن ومن المرجح أن تعود، ليس هو الحل. لأن الضغط السياسي- الاقتصادي، الذي يبدو أنه سيتراجع قليلاً من المحتمل أن يعود في أي لحظة.
غير أن المفاجأة الأردنية حملت في داخلها مؤشراً جدياً على الاستقبال الشعبي العربي الذي ينتظر «صفقة القرن»، فالاعتراض هذه المرة، يختلف جذرياً عن اعتراضات الماضي، وذلك لسببين:
الأول هو انهيار أي أفق عربي شامل يمكن الاستناد إليه في مواجهة القرار الأمريكي بتصفية القضية الفلسطينية.
والثاني هو أن قرار التصفية هذا تحمله القوة الرئيسية على المستوى الاقتصادي في المنطقة، أي التحالف السعودي- الإماراتي، الذي يبدو أنه وصل إلى نقطة اللاعودة في ارتباطه بالمشروع الأمريكي- الإسرائيلي.
في عمان بدأت ترتسم ملامح الاعتراض الشعبي العربي على الصفقة، فالأردن الذي يجد نفسه مرتبطاً بمعاهدة سلام مع إسرائيل، يكتشف أن هذه المعاهدة لم تعد قادرة على حماية موقفه الرمزي في القدس، عبر الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة في المدينة. كما يكتشف الوحدة المصيرية التي تربطه بفلسطين. فإذا كانت «صفقة القرن» تعني زوال فلسطين من الخريطة السياسية الإقليمية، فماذا يضمن بعدها بقاء الأردن كمنطقة فصل كانت ضرورية بين إسرائيل والداخل العربي؟
من هنا يجب أن نفهم الذعر العربي من احتمالات الانفجار في المملكة الهاشمية، فهذا الانفجار مؤهل للتحوّل إلى صاعق يفجر منطقة عربية ذاهبة الى الاستسلام الطوعي، بقوة الأنظمة الاستبدادية التي تعد شعوبها بليبرالية اجتماعية مصحوبة بقمع سياسي، والتي أحدثت إنقلاباً شاملاً على اللغة السياسية التي كانت تحتمي خلفها بحجة الدفاع عن فلسطين والقدس والمقدسات.
الانفجار سيكون شاملاً، وشعور الثقة في النفس الذي يهيمن على إعلام دول الصفقة، يخفي رعباً حقيقياً من ردات فعل شعبية، يمكن أن تطيح بكل أشكال التوازنات في المنطقة.
بدا اللعب بفلسطين سهلاً، إلى أن بدأت غزة في إرسال إشاراتها الكبرى من خلال مسيرات العودة، وهي إشارات سوف تولد إنفجاراً كبيراً في الضفة والقدس، لحظة الاعلان عن صفقة تعدها إدارة أمريكية تتكلم لغة المستوطنين وتبدو على يمين اليمين الديني الصهيوني.
دقت عمان ناقوس الخطر.
أغلب الظن أن النظام العربي المهيمن يراهن أنه يستطيع عبر الرشوة أن يفرض على المنطقة التنكر لحاضرها، والقبول بمحو فلسطين، وتفتيت شعبها، وتحطيم إرادته.
إنه رهان الحمقى.
لأن من يملك مفاتيح القدس هو الشعب الفلسطيني، ولا أحد سواه.
ولأن من يتلاعب بمصير فلسطين والقدس، لن يجد في حلفائه الإسرائيليين والأمريكيين من سيدافع عنه عندما يجد نفسه محاصراً بالعار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*