علي شمس الرسّام المجروح بالجمال ينضمّ إلى قافلة الملتحقين بفلسفة اللون والضوء والظلّ

 

 

النهار
10012019

علي شمس.

علي شمس، رسّام اللون والروح والجمال في حياتنا وفي طبيعتنا وفي لوحتنا التشكيلية، ذهب أمس لينضمّ إلى قافلة الملتحقين بفلسفة اللون والروح والجمال، بعد معاناة طويلة مع المرض، وعذاب مرير.

هذا الفنان الحقيقي، الواقعي، التجريدي، الغنائي، المجروح بشغف باللون، كان يحتفل بحياة الأشياء والكائنات على هواه، وكان على قول الناقدة مهى سلطان، “يكتشــف فــي تنقلاته بين القرى والأريــــاف، زوايا مناسبة لمنظر بانورامي عريـــــض في آفاقه وأعماقه، ولكن أكثر ما يحظى به هو المنظر القريب من العين لجنائن وهضاب وحقول ساحلية. فالمنظر في أعماله كثيراً ما يتجاوز مفردات الواقع إلى ما هو أبعد مــــن جمــــال الحقيقة الخارجية، في اتجاه الحقيقة الداخلية للعبة النور والظل والحار والبارد. كأنما ينظر إلى الواقع بعين الرضا، بشغف الإعجاب بأسرار الجمال الكامن في الطبيعة والجماد على حد سواء. وبين وفرة الضوء وبرقشة الألوان الزاهية والماء والهواء، يتكون المشهد الطبيعي من تراكمات لمسات شفيفة تتجاور وتتآلف في مناخات حميمة، بل في تكامل يسعى ليبوتق عناقيد الأزهار وأقلام النبات وجذوع الأشجار”.

لم يتوقف علي شمس يوماً في خلال استكشافاته الميدانية عن ملاحقة الجمال، سهلاً وجبلاً، بحراً وبراً، وفي مختلف المواسم والفصول، حيث كانت لوحته الغناء تحتفي بمشهد الثلوج التي تغمر بيوت القرية بقرميدها الأحمر، بقدر ما تحتفي بالحدائق الربيعية. و”من تجارب المنظور العلوي إلى المنظور الأفقي، تأخذ المقتربات التشكيلية لتتنوع ما بين اختزال وتبسيط للمساحات، أو تنميق زخرفي وتكثيــــف ورقـــش لوني”، على قول الناقدة مهى سلطان، حيث تتجلى “النزعـــة الغنائية لدى الرسام واضحة إلـــى حد بعيد. فهو الملوِّن الذي يأنس للفواكه والثمار والأواني المزركشة على موائد الصمت في ضوء النهار، كما يعرف كيف يقطف المنظر بلمسات رشيقة منمنمة، بضحكات فاقعة أحياناً أو بتناغم آسر”.

اختبر اللوحة الواقعية الغنائية التجريدية، بالتدرج، ومعاً وفي آن واحد. وبقدر ما يرسم التفاصيل والوقائع، كانت “تنعدم الآفاق والأعماق كما تختفي العناصر المباشرة للموضوع في أعماله التجريدية، كي تسيطر المسطحات اللونية الكبيرة أكثر فأكثر على المشهد التجريدي”.

علي شمس واقعي وتجريدي، زخرفي وتبسيطي، ملوِّن بارع ومهنيّ، أكثر ما يميزه انه متصالح مع ذاته وتناقضاته، وهو ايضاً بمثابة شاعر غنائي يجيد قطف الألوان من الطبيعة وينقلها الى لوحته بنقائها وشفافيتها.

في رثائه الفنان الراحل، كتب الباحث والفنان والأستاذ الجامعي فيصل سلطان عن علي شمس أنه “من القلائل الذين اعتبروا ان الغوص في تقنيات اللوحة ونسيج تكاوينها اهم بكثير من الدراسات النظرية لنيل شهادة الدكتوراه وذلك خلال دراساته العليا في الاتحاد السوفياتي وباريس. كان فنانا واستاذا طليعيا حين تولى مهام تدريس مادة التشريح الجمالي للجسد الإنساني وأيضا لمادة المنظر في الطبيعة. وكان شاعرا بنسيج ألوانه مازجاً ما بين إشارات الواقع والتجريد بقدر ما كان مخلصا لفنه الى أقصى حدود. ظلمته الحياة الاكاديمية لانه لم يأخذ مثل رفاق جيله حقه في تأمين معاش تقاعدي”.

تحية من “النهار” إلى روح الفنان الراحل، وتحية إلى زوجته الفنانة فاطمة الحاج، وإلى عائلته ومحبيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*