على من تقرأ زبورك يا داود؟


عبدو وازن
الحياة
02102017

أطلق كامل داوود على بطل روايته اسم «زبور» وهو المرادف الإسلامي لـ «المزامير» التي تنسب إلى النبي داوود في كتاب «التوراة»، مستعيضاً عن اسمه الأصلي إسماعيل. وهو لم يسمّه «زبور» إلا بعد الحادثة التي تعرض لها إسماعيل وهي اصطدام رأسه عندما كان طفلاً بجدار بئر حجرية تذكّر بالبئر التي رمى أبناء يعقوب أخاهم يوسف فيها ليتخلصوا منه بعدما أوغرت الغيرة صدورهم. نجا إسماعيل، الاسم الأصلي لـ «زبور»، من الحادثة المدبرة وانفتح أمامه لحظة اصطدام رأسه، باب الحلم ليسمع صوتاً يسميه «زبور». تبنى الفتى هذا الاسم رافضاً اسمه الأول الذي أطلقه عليه أبوه إبراهيم اللحام الذي اعتاد ذبح الأغنام. هذا الأب اللحام يذكّر حتماً بإبراهيم الذي شهر سكينه ليذبح ابنه تقدمة، وفق الإشارة التي حلت عليه في الحلم.

لماذا اختار كامل داود مزامير النبي داود التي هي الزبور وفق الآية المئة والثالثة والستين من سورة النساء: «وآتينا داود زبورا» ؟ أيّ علاقة تجمع بين اسم «زبور» او المزامير والشخصية نفسها التي سوف تستحيل طيفاً شهرزادياً بعد أن يمتهن كتابة السير أو القصص وسيلة لمواجهة الموت وإنقاذ المحتضرين؟ أصبح «زبور» وليّاً يملك قدرة على قهر الموت ولكن من خلال ما يرويه له المحتضرون على أسرتهم فيكتبه وما ان ينتهي من الكتابة حتى يشفى أولئك المرضى وينهضون.

تتقاطع اذاً في رواية كامل داود التوراة و «الف ليلة وليلة» مختصرة في طيف شهرزاد. لكن النبي داود لا يحضر إلا عبر العنوان المزدوج «المزامير» ورديفها الإسلامي «الزبور»، بينما تحضر لعبة السرد الشهرزادي علانية. يستخدم الكاتب علامات التعجب عند نهاية كل حكاية تؤجل الموت، رمزاً الى جملة شهرزاد الشهيرة عند بزوغ الصباح. لكنّ الموت المؤجل هو هنا موت المحتضرين وليس موت شهرزاد. ونظراً إلى تكاثر الحكايات التي يرويها المحتضرون ليتم إنقاذهم، تتراكم الدفاتر التي يدوّن عليها «زبور» حكايات قد تكون صنو حكايات الليالي التي تملأ مجلدات كاملة ولكن محرّفة. لا يسوّق الكاتب مزموراً ولو واحداً من مزامير داود الشعرية في الرواية. اكتفى بعنوان الكتاب في بعديه الإسلامي والتوراتي، مدركاً إنه يحمل هو نفسه، اسم داود. ولعله داود الكاتب الجزائري الفرنكوفوني صاحب «المزامير» وقد استحالت رواية. ويقول الكاتب عن سميّه داود في حوار مع مجلة «لو بوان» الفرنسية إن داود النبي كان مقبولاً ومحترماً في التقليد الإسلامي، ولكن تمّ إبعاده ورفضه، نتيجة ما يحصل راهناً في الشرق الأوسط، بؤرة الطائفية. طبعاً هذا كلام «مفخخ» وذو حدين، لا سيما إن داود رمز دينيّ وقوميّ في التراث اليهودي وفي إسرائيل الدولة العنصرية. ناهيك عن نبوّته المعترف بها مسيحياً وإسلامياً. هل تم استبعاد داود النبي صاحب «المزامير» أو «الزبور» حقاً في العالم العربي؟ أليس ذكره وارداً في القرآن؟ ألا يرتل المسيحيون مزاميره في كنائسهم؟

تحضر التوراة أيضاً من خلال شخصية هاجر، أم إسماعيل وزوجة إبراهيم التي تضطهدها زوجته الأولى سارة، لكنّها هنا تكون خالة إسماعيل وليست أمه، وتمّ اضطهادها عائلياً لأنها مكثت عانساً. لكنّ إبراهيم اللحام، والد إسماعيل الذي سمّى نفسه «زبور» في لحظة وحي، ينبذ زوجته من أجل امرأة أخرى. ويصف زبور لحظة الوحي تلك قائلاً: «كنت صامتاً داخل غرفتي الوردية في حال من الذهول أمام أفق هائل ينفتح أمامي».

يرين على الرواية إذاً جو توراتي، رمزياً ومن خلال الأسماء الطالعة من عمق «العهد القديم» ويتقاطع مع التراث الإسلامي، الجزائري الهوية ومع المخيّلة الشعبية في تهويماتها الأكزوتيكية والتغريبية. أما فعل القصّ أو الكتابة فهو شهرزادي تماماً لكنه لا يخلو من أثر تعزيمي ديني.

يقول «زبور» في الرواية مؤكداً «شهرزاديته» العجائبية: «حين أكتب يتراجع الموت إلى الوراء بضعة أمتار». إنها الكتابة القادرة على طرد الموت عبر بعدها الحكائي والأعجوبي. تمكّن «زبور» من إنقاذ فتاة في الثالثة عشرة تدعى نبية. بل هو يقرّ بأن الناس جرّبوا الصلاة والأدوية والسحر، كي ينتصروا على الموت فعجزوا، ولم تبق أمامهم سوى الكتابة أي «الحكي» حيلة وحيدة ناجعة ضد الموت.

يقارب كامل داود تخوم الواقعية السحرية ويوغل في التخييل، من غير أن يتخلّى عن الترميز الديني والتخييل الشعبي. هذه «الخلطة» تبدو بارزة في لعبته السردية، وإن لم تخلُ من التغريب الإكزوتيكي المفتعل الذي يغري عادة القارئ الغربي. يسعى داود إلى الإبهار أيّاً يكن ثمنه، مرتكزاً إلى المخيّلة التي تجعل المعتقد ضرباً من الخرافة. ويبلغ في أحيان شأواً من الجرأة في كسر المحرمات معلناً ما يشبه الموقف الذي يداني موقفه الذي يعبّر عنه في مقالاته وحواراته في الصحافة الفرنسية. ردّد داود مراراً إن اللغة العربية «مفخّخة» أيديولوجيا ودينياً وإن العروبة احتلال وسيطرة، ونفى عن نفسه انتماءه العربي مؤكداً جزائريته. وكان على مواقف كهذه أن تدفع مثلاً جبهة الصحوة السلفية في الجزائر إلى تكفيره واتهامه بالزندقة والكفر والدعوة إلى إعدامه… لكنّ المثقفين جميعاً جزائريين وعرباً وأجانب، دافعوا عنه بقوة مما جعل الدولة تقف إلى جانبه وتسانده قانونياً.

ليس استفزاز كامل داود السلطات الدينية والسياسية بريئاً، بل هو لا يخلو من الديماغوجية والغايات المفضوحة. هل حقاً كما يقول، إن بؤس اللغة العربية ينبع من عجزها عن إثارة السرّ والرغبة؟ مثل هذا القول يدل على أن كامل داود لا يفقه التراث الأدبي العربي، ولا يلمّ بما كُتب ويُكتب اليوم من نصوص تجرّأت على المحرّمات والممنوعات على رغم الرقابات الشديدة.

كان حظّ كامل داود وفيراً جداً عندما كتب روايته «ميرسو: تحقيق مضاد» التي عارض فيها رواية «الغريب» للكاتب الكبير ألبير كامو، فجعلته نجماً ساطعاً في فرنسا، لكنّ هذه الابتسامة يجب الحفاظ عليها، فالحظّ قد لا يبتسم مرة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*