علاقة تنظيم القاعدة مع “النظام الرافضي الإيراني”

واشنطن – هشام ملحم
النهار
04112017

كشفت وكالة الاستخبارات المركزية “السي آي إي” أخيراً عن مئات الآلاف من الوثائق والمذكرات واشرطة الفيديو حول اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة ونشاطات التنظيم
وعلاقاته الدولية، بعضها لا يزال آنيا وهاما، وبعضها أكد رسمياً وللمرة الاولى ما كانت وكالات الاستخبارات والعديد من الخبراء يقولونه او يتوقعونه، وهو وجود علاقة قديمة ومتشعبة بين “التنظيم السني الاصولي الارهابي، وبين الجمهورية الايرانية الاسلامية الشيعية في ايران”.

هذه العلاقة تطرقت اليها مذكرة تحدثت بالتفصيل عن انتهازية النظام الايراني بلغة مذهبية مقززة ضد الشيعة، وحول مركزية القاسم المشترك بين ايران والقاعدة، أي العداء لاميركا وحلفائها في المنطقة وبخاصة السعودية ودول الخليج. وتشير المذكرة الى ان الايرانيين “عرضوا على بعض اخواننا من السعوديين (الذين سفّروهم) ان يدعموهم بالمال والسلاح وبكل ما يحتاجونه، وعرضوا عليهم التدريب في معسكرات “حزب الله” في لبنان، مقابل ضرب مصالح أميركا في السعودية والخليج”!! وعلى مدى السنوات التي سبقت وتلت هجمات الحادي عشر من ايلول 2001 الارهابية التي شنها تنظيم القاعدة ضد الولايات المتحدة، كانت ايران ترفض بشدة وجود أي علاقة لها بالقاعدة، بما في ذلك نفي وجود عناصر قيادية من التنظيم في اراضيها او انها توفر او وفرت في السابق الدعم اللوجستي لمقاتلي القاعدة. وكانت هناك شكوك قوية بان ايران وفرت الملجأ لعدد من القياديين في القاعدة من بينهم المصري سيف العدل، ومحمد اسلامبولي، شقيق خالد أسلامبولي الذي شارك في عملية اغتيال الرئيس المصري أنور السادات، وحمزة بن لادن نجل اسامة بن لادن الذي تزوج في ايران. ولا يزال هناك كم كبير من هذه الوثائق لدى “السي آي إي” حيث يعكف المحللون على دراستها.

وكانت القوات الاميركية الخاصة التي اغارت على مقر اسامة بن لادن في آبوت آباد في باكستان في ايار 2001 قد جمعت هذه المعلومات والوثائق من منزله، بعد اشتباك قصير قتل فيه بن لادن وبعض حراسه. وسلمت السي آي ايه هذه الوثائق اولا الى جمعية الدفاع عن الديموقراطيات في واشنطن وهي مركز ابحاث محافظ لنشرها في موقعه
Long War Journal.

وتشمل الوثاق يوميات اسامة بن لادن المكتوبة بخطه، وتشمل تصوراته الخاصة حول القاعدة، بما في ذلك تفكير بن لادن حول الانتفاضات العربية التي اراد بن لادن من رجاله استغلالها. وتؤكد الوثائق بشكل لا لبس فيه ان بن لادن حتى مقتله بقي يمارس قيادته لتنظيمه، وبانه كان على اتصال مستمر بممثليه في جميع انحاء العالم الذين كانوا يساعدونه على ادارة اخطبوطه الارهابي في العالم. وضحدت الوثائق المقولة التي ادعت ان تنظيم القاعدة بعد الغزو الاميركي لافغانستان قد تفكك، وان فروعه في العالم تنشط باستقلالية عن التنظيم الام الذي يقوده بن لادن. الوثائق تبين ان فروع التنظيم مثل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والقاعدة في بلاد المغرب، وتنظيم الشباب في الصومال، بقيت على اتصال مستمر مع اسامة بن لادن، وتستلم منه ارشاداته وتوجيهاته”.

ويرى دافيد شنكر، الباحث في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الادنى، ان المذكرة “تؤكد رسميا وبشكل مباشر ومن قيادي في القاعدة وجود علاقة قديمة وانتهازية بين ايران والقاعدة يجمعهما فيها عدائهما للولايات المتحدة”. ويضيف شنكر في حوار مع “النهار” ان “انظمة مثل النظام الايراني والنظام السوري لا تلتزم بايديولوجياتها العلنية، بل تنطلق من مصالحها الخاصة، وهي مستعدة لانتهاك شعاراتها وادعاءاتها الايديولولجية لخدم مصالحها الانية او مصالح قادتها”.

ولاحظ شنكر ان “عرض ايران على تنظيم القاعدة تدريب عناصر سعودية في معسكرات حزب الله في لبنان، لقيام هذه العناصر بمهاجمة اهداف سعودية هو من اهم ما جاء في المذكرة، ورأى انه دليل صارخ على خبت وانتهازية الاطراف الثلاثة :ايران، والقاعدة، وحزب الله. ويعتقد ان هذه المذكرة التي تؤكد علاقة ايران بتنظيم القاعدة، سوف تعزز من من طروحات الرئيس ترامب العدائية لايران، لانها تظهر بشكل لا لبس فيه دعم النظام الايراني لتنظيم القاعدة، المسؤول عن أضخم وأبشع هجوم ارهابي تعرضت له الولايات المتحدة في تاريخها”.

انتهازية مشتركة 

ومن ابرز الوثائق الجديدة، مذكرة من 19 صفحة كتبها مسؤول في القاعدة حول التحديات الضخمة التي واجهها التنظيم بعد الغزو الاميركي لافغانستان، حيث يعترف فيها بان التنظيم اخطأ في قراءة رد الفعل الاميركي على هجمات ايلول حيث توقعت القيادة هجمات اميركية جوية وصاروخية “محدودة” ، وانها فوجئت بالرد الاميركي الذي “كان كبيرا جدا فوق تصورنا”. المذكرة غير موقعة وكتبت بتاريخ 1428 هجرية، وهي كما يقول كاتبها “صفحات..لمشايخنا ومحبينا كيف تعامل اخواننا المجاهدون مع النظام الرافضي الايراني…”. المذكرة جديرة بالقراءة ليس فقط لانها تتطرق الى طبيعة العلاقة المتشعبة مع ايران وتحولات هذه العلاقة على مدى السنين، ولكن ايضا بصفتها وثيقة مذهبية متطرفة تغالي في عدائها للمذهب الشيعي “الرافضي” الذي تدعي المذكرة ان جوهره هو “التقية والكذب، وهذا التمثيل والتلاعب واظهار خلاف ما يبطنون، والضحك في وجوه ألد الاعداء والخصوم…”. ولكن المذكرة تظهر بوضوح ان تنظيم القاعدة اختار في احلك ايامه –حين كانت قياداته تحاول الافلات من قبضة الاميركيين في افغانستان- الاستفادة من ما يسميه القيادي في القاعدة، “البراغماتية”الايرانية وان ما حصل هو “محاولة تفاهم مع ايران في وقت مخصوص لاجل اقامة بعض اخواننا او عبورهم، كان له ظرفه الخاص وكان بمنزلة الضرورة فقط..”.

واللافت هو ان المذكرة تضحد مقولات الاصوليين السنةّ من ان العداء بين ايران والولايات المتحدة هو “مسرحية” او “تمثيلية” وان من يقول ذلك “جاهل لا يعرف الحقائق”، ويؤكد الكاتب “نعم، العداوة بين ايران وامريكا هي عداوة واقعة وحقيقية… ثم كلاهما عدوّ لنا..لكن احدهما عدوّ ناجز، والاخر مؤجل”. وهنا يأتي مفهوم “البراغماتية” الايرانية وفقا للقيادي الذي كتب المذكرة، لان الايرانيين ” على اتم الاستعداد للتعاون حتى مع اكثر الناس سلفية “ووهابية” حيثما رأوا ان هذا التعاون والتعامل يحقق لهم مصلحة ولو مؤقتة، ثم ينبذونه في الوقت المناسب.. ,اي شخص يريد ان يضرب امريكا فان ايران مستعدة لدعمه ومساعدته بالمال والسلاح، وبكل المطلوب مما لا يورطهم بشكل صريح وواضح”. ويركز القيادي في مذكرته على ان الهاجس الايراني خلال مساعدة مقاتلي القاعدة داخل ايران هو عدم القيام بأي شيء يؤدي الى اكتشاف الولايات المتحدة لمثل هذا التعاون، ويتطرق الى فرض ايران لشروط متشددة على عناصر القاعدة في ايران عدم اجراء أي اتصالات بالهاتف الخليوي مع افراد خارج ايران، وكيف ان ايران اعتقلت عناصر من القاعدة بعد ان خالفوا هذه التعليمات وادروا اتصالات دولية رصدتها الاستخبارات الاميركية واعلمت السلطات الايرانية بانها تعرف بايوائها لعناصر القاعدة.

وتطرقت المذكرة الى الدور الذي لعبته الاستخبارات الايرانية في تسهيل دخول وتحركات قياديي القاعدة في ايران، “فدخل جمهرة كبيرة من الاخوان لايران، بعضهم بفيزا رسمية حيث اخذوا التأشيرة من القنصلية الايرانية في كراتشي وبعضهم بدون تأشيرة اصلا، ثم الكل بعد ذلك او المعظم دخلوا بطرلايق غير “قانوني”، اي بالتهريب وعبر تسلل الحدود..” وتبعت المذكرة ” وكان أول من دخل الى ايران من القيادات الاخ أبو حفص الموريتاني..ومعه مجموعة من الاخوة بعضهم قيادات ايضا، من القيادات المتوسطة والصغرى في القاعدة”. وبعد ان اشارت المذكرة الى شروط ايران بعدم استخدام عناصر القاعدة للهاتف الخليوي، اضافت المذكرة “وكانت معاملة الايرانيين (الاستخبارات وغيرهم) للاخوة معاملة طيبة ” وان الايرانيين “يعتبرونهم ابطالا. طبعا لا نعرف: هل هذا صادق منهم، او هو تقية ومسايسة؟ أو غير ذلك؟ الله أعلم..”. وتعترف المذكرة بان عناصر القاعدة ” لم يلتزموا بالاتفاقات ولم يكن او حفص قادرا على السيطرة عليهم، فقد كانوا من جنسيات مختلفة واشكال وانواع من البشر، وكان فيهم المستعجلون والفوضويون وغير ذلك فلم يلتزموا بشرط عدم استخدام الهواتف وخاصة الموبايلات!”. الرد الايراني كان سريعا وقاموا ” بحملة مداهمة وقبضوا على الاخوة بدون سابق انذار… بعد هذه الحملة تغير كل شيء” وقالوا لعناصر القاعدة “ان الامريكان قد سجلوا الكثير من اتصالاتكم.. واتوا بها الينا واحتجوا بها علينا، واننا نأوي الارهابيين… الخ.. قالوا هذا للاخوة في السجن”

وتشير المذكرة الى ان ايران أوت في السابق عناصر مصرية من الجماعة الاسلامية ومن الاسلاميين الليبين بسبب عدائها للنظامين المصري والليبي. اللافت ان كاتب المذكرة الذي قال انه دخل ايران لاحقا، واصل التأكيد على ان الايرانيين لم يسيءوا معاملة عناصر القاعدة، حتى بعد ان سجنوهم “فكانوا عندما يقبضون على الاخوة يعاملونهم كأخوة محترمين لدرجة انهم يعتذرون للاخوة ويقولون لهم دائما : نحن مضطرون للقبض عليكم لمصلحتنا ومصلحتكم…وكانت المعاملة محترمة جدا، لا ضرب او اهانة ولا كلمة توجع..”. وتطرقت المذكرة الى كيفية مساعدة السلطات الايرانية لعغناصر القاعدة على مغادرة ايران لاحقا، وتشير المذكرة الى انه في مطلع عام 2003 “ونحن نتابع الاستعدادات الاميركية لغزو العراق” قامت ايران بتسفير مجموعة من القياديين الى العراق من بينهم ” الشيخ او المنذر الساعدي فرج الله عنه، ومنهم الزرقاوي وجماعة من اصحابه، وغيرهم”.

ولكن المعاملة الايرانية لعناصر القاعدة، لم تغير من نظرة التنظيم العدائية لايران والمذهب الشيعي وتضيف المذكرة ” بالنسبة للدولة الايرانية فيراها اخواننا كسائر الدول المنتسبة للاسلام زورا وبهتانا. وانها دولة الروافض والمارقين، دولة زنادقة الرفض، وانها هي الدولة الداعمة لمشروع الرافضة المدمر في أمتنا، وانها عدو لنا على المدى البعيد”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*