عصرونية شاي أدبية عند “حلبي”: سعادة مع لمسة نوستالجيا


العصرونية عند حلبي.

غدير عبد النبي
النهار
01122017

لم يكن كوب شاي عاديّ تتناوله على عجل في تجمّع غير عادي فحسب، استغلّ فيه أصحاب متجر “حلبي” القديم الذي تحوّل من “سمانة” إلى مكتبة لبيع الكتب في منطقة قصقص/طريق الجديدة في بيروت، عطلة نهاية الأسبوع. الجميع منهمك منذ لحظة وصوله بالحصول على حصته من الكتب المجانية المعروضة أمام المحل والالتفاف حول الطاولة المستطيلة المرحّبة بزوّار المكان بحلويات على اختلاف أنواعها وللجميع فرصة التلذذ بكوب من الشاي “على مهلٍ”. خيط حنين أجمع الكلّ على وصله، من ماضٍ أرخى بظلاله الأدبية على جدران المكتبة الثقافية، إلى حاضر شرع يحيك مستقبل أجياله، فمن لا يعرف من أين أتى لن يعرف إلى أين يذهب. أسرة حلبي وفي مبادرة ليست الأولى، برمجت أجندة زبائنها الأدبية بدعوتهم إلى “حفلة شاي” “تي بارتي ” يوم الأحد 12 تشرين الثاني 2017، ودرّت في أكوابهم جرعات نوستالجيا قديمة مترجمة المعادلة اللصيقة بقرّاء الكتب “كوب شاي دافئ خير رفيق لكتاب مفضّل”.

تعمّد أصحاب مكتبة حلبي تخصيص عدد من الكتب المجانية لكي يتسنّى لكل زائر الحصول على واحد منها، بهدف تشجيع الناس على القراءة، حتى لا يكون العامل المادي عائقاً أمامهم، تقول لانا حلبي ابنة صاحب المكتبة والمشرفة على أعمالها. وتضيف “فكرة الشاي تُعدّ جديدة في لبنان، لم يتطرق إليها أحد من قبل، خصوصاً أن الشاي أو القهوة عاملان مرافقان للكتاب”. ابتسامة لانا المرحّبة لا تقل عفوية عن ابتسامة والدها العم عبدالله، فأمسى الجو عائلياً ودوداً.

بدت نور دبوق (20 عاماً) المنهمكة بشراء الكتب، لا تهوى القراءة الالكترونية، بل ترفضها رفضاً قاطعاً. تقول “عمري 20 سنة، بدأ اهتمامي بالقراءة منذ عشر سنوات حتى استطعت أن أجمع عدداً كبيراً من الكتب في مكتبتي. لا أحب القراءة الإلكترونية أبداً ولا أستمتع بها، تعرفت إلى مكتبة حلبي بالصدفة ورأيت أن هذه المبادرة تثبت للناس أن المثقفين والمهتمين بالأدب لا يزالون موجودين”. لكنّ رواد الحسيني (36 عاماً) لا يجد مانعاً في قراءة الكتب عبر الانترنت، بل يعتبرها وسيلة تشجع الناس على القراءة أكثر، لكونها عابرة للقارات، وباتت النسخ المتوفرة من الكتب لا تعدّ ولا تحصى. “أصبح انتشار الكتب أوسع، ولم تعد محصورة بالمادّة فقط، ومن السهل الحصول عليها، وإن كانت القراءة الإلكترونية قلّلت من حركة توافد القراء إلى المكتبات، إلا أنها لم تؤثر في حركة القراءة بشكل عام، بل زادت من عدد القراء”.

قد لا يرضي ذوق قارئ عشق تفاصيل الكتب القديمة وأوراقها المتهرئة، مكتبات كبيرة وحديثة توفّر له أجواء مصطنعة للقراءة، تجعله يحسب ثقل لمساته على كتب رُتّبت بعناية ودقّة على رفوف من الستانلس اللامع. إذ أوجدت المكتبة الصغيرة “المنمنمة” التي لا تتعدى مساحتها 40 متراً مربعاً بماضيها وحاضرها متنفّساً لكل باحث عن “سعادة مع لمسة نوستالجيا”. تقول فاطمة علامة (26 عاماً) في زيارتها الأولى للمكتبة “. هذه المرة الأولى التي أزور فيها هذه المكتبة، ولعل الدافع وراء زيارتي هو المبادرة التي قام بها أصحاب المكتبة، وخصوصاً أن المكان صغير ودافئ من الطراز القديم، وهذا ما فقدناه اليوم على عكس المكتبات الحديثة والمتطورة الموجودة بكَثرة. هذا النوع من المبادرات مهم جداً، وحبذا لو تقام تجمعات مشابهة في كل منطقة لتقرّب المسافات بين الناس وتعرّفهم إلى بعض”.

أما ميرا موسى (21 عاماً) التي لبّت دعوة كوب الشاي، فوجدت أن هذه المبادرة كانت نهاية لائقة لعطلتها الأسبوعية وبداية منعشة لأسبوع جديد. تقول “جمع هذا اللقاء الأدبي شيئين محببين لديّ: المطالعة وشرب الشاي، عدا عن أن المكان دافئ بكمية الكتب الموجودة فيه والذي يسمح للقارئ التنقل بين ماضيه وحاضره ومستقبله. هذه المبادرات مهمة جداً وكفيلة بأن تؤكد وجود مهتمين بالكتاب الورقي حتى اليوم ومن مختلف الأجيال”. وتضيف ميرا “العلاقة بين القارئ والكتاب ضرورية، وهذا ما لا توفره القراءة عبر الانترنت وإن كانت أسهل، لذا يبقى الورق عاملاً أساسيّاً في نشوء هذه العلاقة وتطورها”.

شعورك بدفء المكان يكاد يعوّضك الشعور بضيقه، توزّع الجميع في الزوايا، البعض يتصفّح أحدث الإصدارات ويعد نفسه بشرائها من معرض الكتاب الدولي بداية الشهر المقبل، وآخرون يتبادلون أطراف الحديث ملتفين حول طاولة أكواب الشاي، وكأنه اجتماع عائلي تحت سقف الكتب. وليس غريباً وجود الأطفال فيه، لطالما تعمل أسرة حلبي دائماً على تخصيص جزءٍ من نشاطاتها لهم. فعلى الجهة اليمنى الملاصقة للمحل، مجموعة من الأطفال يصغون بدقة للقصة التي تُقرأ لهم في وقت كان ممكناً لهم اللعب يوم عطلتهم. هذا ما بررته رين (11 عاماً) لدى سؤالها إن كانت تفضل اللعب على الـ “آي باد” أم المجيء إلى المكتبة، قالت: “يمكنني في أي وقت أن ألعب على الـ”آي باد”، لكن هذه الأنشطة لا تتوفر بشكل دائم. أحب المطالعة كثيراً وخصوصاً إذا كان الكتاب بين يديّ”. فيما يقول شادي (9 سنوات): “أحبّ زيارة المكتبة كثيراً، وفرحت حين قالت لي والدتي إننا سنزور المكتبة اليوم”.

تَعد حلبي روّاد مكتبتها بلقاء آخر الشهر المقبل مع كاتبة أميركية عربية، حيث سيتم توقيع كتابها، وقريباً سيتم الإعلان عن التفاصيل. وكعادتها، لن تتخلف مكتبة حلبي عن معرض الكتاب الدولي بداية كانون الأول المقبل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*