عزّ شتورة من «عروس» اللبنة

الأخبار
29032018

باتت «عروس» اللبنة جزءاً من المعالم السياحية لشتورة (علي حشيشو)

من عربة لبيع الجبنة والحليب، في ساحة شتورة عام 1931، استقت المدينة البقاعية وجاراتها شهرتها في صناعة الألبان والأجبان. باكراً اكتشف جرجورة غطاس عيد الأهمية «الاستراتيجية» لشتورة كبوابة للبنان على العرب. «إن ما سهرنا ببيروت منسهر بالشام»، غنّت فيروز. لكن ما لم تقله أن شتورة كانت دائماً محطة استراحة بين العاصمتين، يطيب فيها تناول «عروس» لبنة أو قريشة وعسل!

ما الذي دفع «نجمة زمانها» بديعة مصابني إلى افتتاح محل لتصنيع الألبان والأجبان وبيعها على طريق الشام الدولية بين جديتا وشتورة عام 1956؟ الراقصة التي ذاع صيتها في مصر، عادت إلى لبنان عن طريق سوريا عام 1950 واستقرت في المنطقة. حينذاك، لفتتها تجربة جرجورة غطاس عيد الذي تحوّل، بفضل «عروس» اللبنة، إلى أبرز محطات الإستراحة للمارّين على الطريق الدولية.
عند مفترق جديتا، لا يزال محل جرجورة معلماً منذ عام 1931. حينها، التقط الرجل الأهمية الإقتصادية للطريق التي تربط لبنان بسوريا ودول المشرق العربي والخليج. وقتها، كان لا يزال خط قطار بيروت ــــ دمشق في الخدمة. افتتح كشكاً لبيع الألبان والأجبان التي يصنّعها بنفسه، بعدما تعلّم الحرفة في دير تعنايل الذي آواه طفلاً يتيماً. الإرسالية الفرنسية التي كانت تشرف على الدير، افتتحت عام 1860 معمل ألبان وأجبان ملحق بمزرعة المواشي التي كانت تديرها. عام 1922، وعلى بعد كيلومترات قليلة من الدير، حجز جرجورة لنفسه مكاناً في ساحة شتورة، بمساحة تسع لعربة لبيع الجبنة والحليب للعابرين والمسافرين. لم يكن في وارد بيع «السندويشات»، قبل أن يلبي رغبة الزبائن ويحضّرها من أنواع الجبنة. من العربة، جنى أرباحاً مكّنته من شراء قطعة أرض على طريق عام جديتا، ليفتتح بعد 9 سنوات المحل الذي لا يزال قائماً حتى الآن. شيّد محلاً صغيراً، خلفه قبو استخدمه كمعمل. «اشترى مع الواوي والغبار»، يقول نجله أنطوان. إذ كانت المنطقة مقفرة من السكان، تقطعها طريق ضيقة ترابية تسلكها عربات الخيل التي تقل الركاب من بيروت إلى ساحة شتورة حيث يبدّل الركاب العربات ويكملون طريقهم إلى سوريا. جرجورة كان يتلقف المنهكين من الدرب الطويلة أو عندما يحاصرون بسبب الثلوج.

«عروس» اللبنة والقريشة اجتذبت فيروز وعبد الوهاب ووديع الصافي وفريد الأطرش وغيرهم

أول أنواع «السندويشات» التي اشتهر بها سندويش مربى السفرجل والزبدة. يوضح أنطوان: «كانت الزبدة عزيزة في ذلك الزمان». كان يصنع الزبدة من الحليب، والسفرجل من الشجر في حديقة منزله. صار يتعاطى مع الحليب على الطريقة الفرنسية؛ فالجبنة البلدية البيضاء أصبحت «كومومبير». لكن الزبائن لم يستسيغوا مذاق الألبان والأجبان الفرنسية، فعاد جرجورة الى المذاق اللبناني. ولضمان الجودة، اشترى الحليب من مزارع آل سكاف في عمّيق، وكان يربّي الخنازير بنفسه ليصنع «الجونبون». مع العابرين، سافر صيت جرجورة نزولاً إلى بيروت وصعوداً نحو سوريا. في الخمسينيات، طلب منه أحد أشهر محال الحلويات في بيروت ببيع منتجاته، ما وسّع من رقعة انتشاره. تميز جرجورة باللبنة المشتقة من الحليب البلدي، إضافة إلى الأجبان والبوظة. لم تعد «عروس» اللبنة، صباحاً ومساء، حكراً على المسافرين براً وسائقي شاحنات النقل والترانزيت. لبنة جرجورة والقريشة التي كان يصنعها باتا من المعالم السياحية للمنطقة. إبن بلدة راس الحرف في المتن نقل نفوسه في ما بعد الى شتورة وبات «جرجورة» اسم الشهرة للعائلة.
بعدما صارت «فولكلوراً» وليست مجرد حاجة لسد رمق العابرين، أُدخلت إلى «عروس» اللبنة إضافات غير زيت الزيتون، كحب الزيتون والخضر والنعناع. كما زيد العسل إلى القريشة، بعدما كان «سندويش القريشة» في زمن جرجورة يقتصر على القرفة وماء الزهر والسكر. قبل وفاته عام 1970، كان المشاهير قد زاروا محله الذي تغطي جدرانه صور فيروز ومحمد عبد الوهاب ووديع الصافي والأخوين الرحباني وفريد الأطرش وغيرهم.
أصبح جرجورة ماركة مسجلة للإستثمار المربح. عام 1956، حذت بديعة مصابني حذوه مع مساعدها نصار الريس. في الطبقة السفلية من منزلها على بعد أمتار من جرجورة، افتتحا المحل بعدما سافرا إلى بلغاريا لاكتساب التقنيات الأحدث في صناعة الألبان والأجبان. يقول جهاد، ابن شقيق الريس، إن شهرة مصابني حوّلت المحل إلى ملتقى للفن والسياسة والثقافة، لا سيما بالتزامن مع مهرجانات بعلبك الدولية. ففي هذا المحل، مرت أم كلثوم وتحية كاريوكا وغيرهما كثر. ينقل جهاد عن والده إن «عجقة» الزبائن كانت تستهلك أحياناً 40 طناً من الحليب يومياً. فإلى اللبنة والقريشة، كان الزبائن يسعون لرؤية مصابني أو مصادفة أي من أصدقائها المشاهير.

دخول «مسابكي»
اكتمل المشهد عام 1961، عندما قرر ميشال مسابكي (صاحب فندق مسابكي)، مزاحمة جرجورة ومصابني. إلى جوار الفندق، افتتح المحل مع صديقه ألبير كرم. على الجدار، عُلقت في برواز، شهادة ترخيص «افتتاح معمل حديث لصنع كافة الألبان والأجبان في شتورة. منتوجاتنا مضمونة لأنها مستخرجة من حليب البقر الصافي، لبنة وقريشة وزبدة وجبنة وبيض ودجاج». اعتمد مسابكي وكرم على عمال تعلموا تصنيع الألبان والأجبان في دير تعنايل. «كان الهدف من المحل جمع الأصدقاء الذين يزورونهما من بيروت والشام»، يقول ابن شقيقة كرم، عاطف حجار، الموجود في المحل منذ 1968. المعلم إلياس لا يزال جزءاً من إرث الإفتتاح، بعدما انتقل الى المحل من «مصابني». ببهجة، ينتظر الزبون «عروسته» بعد أن يزيّنها إلياس بالزيت والزيتون والخضر. يدرك الأخير أنه يفعل في النفس فعل الأم التي تحضر قوت أولادها. بين «العرايس» أمضى عمره، ومنها عاش وأنشأ أسرة.
لا ينسى أهل الكار فضل جرجورة الذي دشن قطاعاً واسعاً يبدأ من المديرج ولا ينتهي في بعلبك والبقاع الغربي. خيرات سهل البقاع من جهة وصيت اللبنة والقريشة التي عممها المشاهير والمسافرون من جهة أخرى، ضاعفت أعداد المستثمرين. بعد الثلاثي (جرجورة ومصابني ومسابكي)، ذاع صيت آخرين مثل «هدوان» و«جابر». استثمارات مناسبة في المكان المناسب: السهل والطريق الدولية.


أيام العز لا تدوم
فتكت الأزمة السورية بـ «عروس» اللبنة وأخواتها. إقفال طريق السفر بالبر وتبعات الأزمة على البقاع، قلصا حركة الزبائن في محال «جرجورة» و«مصابني» و«مسابكي» إلى ما دون النصف. فالسوق كان يرتكز على مرور العابرين والمسافرين الذين يتزودون بقوت الطريق وبالمنتجات البلدية. أول ضحايا القطاع، كانت «مصابني ونصار». عام 2012، قرر ورثة نصار إقفال المحل. الباب المقفل ويافطة «ألبان وأجبان مصابني ونصار»، يبثان حرقة بين أهالي المنطقة. إذ يذكرانهم بتبدل الحال بأسوأ منه بسبب أحداث سوريا. عاطف حجار لفت إلى أن «مسابكي» حاول التعويض بالتركيز على السوق المحلي في بيروت والمناطق. وعلى هذا النحو، سار أنطوان جرجورة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*