عزيز الأحدب وهيبة الأمن

العميد  المتقاعد أنور يحيىأ
المصدر: “النهار”
4 آب 2017


العميد عزيز الأحدب

بعد ان عمت الفوضى وانتشر الفساد في صفوف الشرطة وبعض القضاة اواخر عهد الرئيس كميل شمعون، والذي شهد سقوط رموز المعارضة بعد الانتخابات النيابية عام 1957 وما رافق فضيحة القوّادة عفاف المحميّة من النيابة العامة وكبار مفوضي الشرطة آنذاك، وجّه رئيس البوليس العدلي (قائد الشرطة القضائية) المفوض العام الممتاز حسين نصرالله كتاباً الى المدعي العام التمييزي فرنان ارسينيانوس يقول فيه:

“ان مديرية الشرطة (التي كانت بادارة السيد صلاح اللبابيدي) قد انهارت!.عمّ الفساد معظم افرادها. من الافضل ان يكون على رأسها رجل عسكري من الجيش. المقدم عزيز الاحدب اهل لهذا المنصب، وهو الاداري الصارم والرياضي وترضى عنه اكثرية اللبنانيين”.

رفع الاستاذ ارسينيانوس الكتاب الى الرئيس شمعون الذي تباحث مع اللواء شهاب، قائد الجيش، بشأن تعيين الاحدب مديرا للبوليس والذي لم يوافق على توليه وظائف: ضابط الرياضة والرماية والتدريب في الجيش ولا يمكن الاستغناء عنه في حينها؟.

لكن مع تسلّم الرئيس شهاب مهمات الرئاسة اواخر ايلول 1958، اصدر المرسوم الرقم 8 تاريخ 3/10/1958 والذي قضى بتعيين المقدم المغوار عزيز الاحدب مديرا للبوليس خلفا للبابيدي.

كانت الشرطة تعاني من انقسامات حادة بين صفوفها، منهم من التحق بالمقاومة الشعبية برئاسة الرئيس صائب سلام وكمال جنبلاط، ومنهم من التحق بالاحزاب التي تدعم ادارة الرئيس شمعون. وقد قال الرئيس شهاب الى المقدم الاحدب بعد تعيينه أن “السلطة تستمد هيبتها من الامن”.

باشر الاحدب مهماته فوراً ووجه نداء الى رجال المديرية يدعوهم فيه للالتحاق بمراكزهم وان الولاء للقانون وليس لزعيم الطائفة او المتنفذ السياسي، ولا زعامة تسمو فوق سيادة القانون .

انتدب للسفر بمهمة رسمية الى الاردن مطلع العام 1959 واطلع على نظام الامن فيها، بحيث تتولى فرقة مدربة ومميّزة تصفية الحوادث الفورية بسرعة، وهي مجهزة بسلاح خفيف وفعال ولباس مميّز وينتقل عناصرها بسرعة في شوارع عمان لضبط المشاكل الفورية. وكانت التجربة ناجحة في ظل وجود مجموعات فلسطينية كبيرة نتيجة نكبة 1948.

باشر تدريب كل عناصر الشرطة على فنون الرماية والرياضة الالزامية، ثم كلف النقيب علي الحسيني، قائد فرقة الطوارىء يعاونه المفوض مختار العيتاني، وهو ابن عائلة بيروتية معروفة ورياضي مميز، انتقاء نحو مئة عنصر بقامات مديدة ولياقة بدنية مميزة وفصلهم الى معسكر تدريب المغاوير لدى الجيش اللبناني لمدة ثلاثة اشهر.

انتقى لهم لباساً مميزاً: “بيريه” حمراء يتوسطها حرف ورقم (ف 16)، جزمة نصفية، بندقية رشاشة خفيفة ومسدس “سميث” بكر، وشملة حمراء. يتحرك العناصر في جيبات صغيرة الحجم، سريعة وحديثة، وتركزوا في السرايا القديمة.

وتمكن الأحدب خلال اربعة اشهر من تسلمه مديرية الشرطة، مستعيناً برجال الفرقة 16 الأبطال، من:

1- إقفال اندية القمار المحمية في العاصمة، والتي يتقاضى منها بعض رجال الشرطة وعدد من القضاة، الاكراميات العالية مع كبار النافذين في الحكومة.

2- مكافحة شبكات الرقيق والمخدرات وتوقيف كبار المطلوبين.

3- إقفال 39 بيت دعارة خارج مقر “السوق العمومي” الكائن خلف مقر مديرية الشرطة، والذي كان يتمتع بالحماية.

4- منع الاوضاع الشاذة في علب الليل والكباريهات، من توزيع المخدرات وممارسة الالعاب الممنوعة، والتي كان يرتادها الأثرياء اللبنانيين والعرب.

كان عديد الشرطة لا يتجاوز الـ 300 عنصر، فأقدم على دمج الشرطة البلدية بالشرطة النظامية ليرتفع العدد الى 500 عنصر. وبذلك حقق عدداً اكبر من الدوريات على مدار الساعة في كل شوارع العاصمة: تراقب، تتدخل باشراف غرفة عمليات حديثة، بشجاعة ونزاهة ونظافة كفّ، وتفرض هيبة السلطة التي طلبها الرئيس شهاب من المقدّم المغوار!.

اثناء يولي العميد ريمون اده وزارة الداخلية (1958-1959) ، وهو الرئيس المباشر لمدير الشرطة، اشرف على تنفيذ مهمات الشرطة وكان يشارك عناصرها بعض المهمات الخطرة مع المقدم عزيز الاحدب، لدعم المهمة وترسيخ هيبة الدولة ورفع معنويات القوة الامنية المكلفة بمهمات خطيرة.

منتصف العام 1959، صدر المرسوم الاشتراعي رقم 138/59، لتنظيم قوى الامن الداخلي، والذي استحدث المديرية العامة لقوى الامن الداخلي برئاسة الزعيم الاول المتقاعد نور الدين الرفاعي، والتي ضمّت الوحدات الآتية:

الشرطة القضائية بقيادة المفوض العام الممتاز نسيب ابو شقرا، والدرك بقيادة الزعيم سمعان والمعهد بقيادة المقدم يوسف الحركة، وعيّن المقدم عزيز الاحدب قائداً لوحدة شرطة بيروت والذي استحدث سرية الطوارىء التي استقرت في ثكنة اميل الحلو غرب العاصمة وجرى تطوير وتجهيز دوريات الفرقة 16 عدة وعديدا، والقت الرعب في نفوس المجرمين المحترفين والنشّالين ومروّجي المخدرات واستحقت شكر وتهاني وزير الداخلية والمدير العام لانجازات مميزة حققت خلالها سرعة في الوصول الى مكان الحادث من قبل الدوريات المتجوّلة او المتمركزة، وتوقيف الجناة والمطلوبين وضبط الممنوعات بجدارة مميّزة.

اما ابرز انجازات الاحدب والفرقة 16، فتمثلت بتوقيف ابرهيم النابلسي المعروف بـ”التكميل” عام 1959 والذي خطف ثلاثة شبان مسيحيين كانوا في طريقهم من الاشرفية الى المطار وقتلهم. وقد كشفت الشرطة مكان جثثهم في بئر بمحلة البسطة. اثار هذا الحادث غضبا شديدا لدى القيادات السياسية والدينية المسيحية التي هددت بخطف مضاد رداً على اختفائهم.

جهّز الاحدب، مدير الشرطة آنذاك، نخبة من شجعان الفرقة 16 واقتحم مقر الجاني الذي لجأ الى منزل احد النافذين، واوقفه بجرأة وشجاعة مع رجاله بعدما ضبطوه مع اسلحته وذخائره، فهدأت النفوس ورسّخ الاحدب وعناصر الفرقة 16 هيبة الدولة كما طلب الرئيس شهاب. وقد اعدم “التكميل” بعد محاكمة سريعة امام المجلس العدلي خلال فترة لم تتعدّ الاشهر الثلاثة. اثنى الرئيس شهاب شخصيا على جرأة الفرقة 16 والكفايات التي تحلّوا بها بقيادة المغوار عزيز الاحدب. كما تمكنت هذه الفرقة المميّزة من توقيف اخطر المجرمين في بيروت ومنهم:

ارتين الاسمر الذي كان يتمتع بحماية قوية، والمطلوب بمذكرات عدلية بجرائم القتل والسلب. الاطرف ان ارتين كرر اكثر من مرة امام المستنطق اثناء استجوابه بأنه لم يكن يخاف الا من الفرقة 16 التي حققت انجازات امنية مميزة، واصبحت تسيطر على الشارع.

استمر المغوار عزيز الاحدب قائداً لوحدة شرطة بيروت حتى اواخر العام 1962، حين عاد الى الجيش وبعدما اطمأن الى أن الفرقة 16 التي اسسها مطلع العام 1959، ستستمر قوية، مهابة، وان افرادها هم كتلة واحدة هدفها التصدي للجريمة والتحرك بسرعة وبقوة لتوقيف المعتدي وضبط الادلة بعيدا من الفساد الذي ساد لحقبة طويلة، واظهار هيبة الدولة التي ارسى مداميك ادارتها الحديثة اللواء الرئيس فؤاد شهاب (1958-1964).

استمرت الفرقة 16 في تغطية شوارع العاصمة عبر دوريات سيّارة او متمركزة او عبر المشاة، بحسب تعليمات غرفة العمليات المرتبطة بالقائد الساهر على بسط الامن وتوطيد النظام ونشر الطمأنينة بين الناس الذين اكتووا بنار احداث عامي 1957-1958، وقد تمكنت احدى هذه الدوريات من توقيف عدنان سلطاني، قاتل الصحافي كامل مروة صاحب جريدة “الحياة” بعدما اطلق عليه النار في مكتبه وسط بيروت وفرّ بسيارة اجرة. لكن صراخ الناس “حرامي، حرامي” لفت نظر الدورية المتمركزة في محلة خندق الغميق. وقد قامت هذه الدورية بملاحقته وتمكنت من توقيفه وضبط المسدس واودع التحقيق وحكم عليه بالاعدام وخفّض لاحقاً الى المؤبد.

اين هيبة الدولة في هذه الايام حيث تكثر حوادث اطلاق النار التي تتسبّب بضحايا بريئة، وانتشار السلاح غير الشرعي بين الناس، وازمة وجود اكثر من مليون ونصف مليون سوري على ارضنا لاسباب انسانية، (اكثر من ثلث سكان الوطن) وما يتطلبه ذلك من تدابير جذرية لتثبيت الامن والاستقرار، فيما تنشغل القوى المسلحة الشرعية بالتصدي لمخططات الارهاب الذي يستهدف الوطن، واضحت مناطق بعيدة من سلطة الدولة، ملجأ للمطلوبين!.

ترى هل نحن بحاجة الى اعادة الهيبة الى السلطة عبر تثبيت الامن وتأمين دوريات فاعلة قوية اسوة بما استحدثه القائد الاحدب اواخر الخمسينات (الفرقة 16)، مجهزة ومدعومة من كل الاحزاب والتنظيمات التي عليها ان تقتنع بأن استمرار ضعف هيبة السلطة يجعل مستقبل شباب الوطن مجهولاً. وينبغي علينا استعادة لبنان، سويسرا الشرق، وحماية امنه وثقافته وخدماته لكي ينعم بها ابناؤه والقادمون الى ربوعه؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*