عدد القوانين في 9 سنوات 391 بكلفة 391 مليون دولار

منال شعيا
النهار
07042018

…. أخيراً، ستنتهي ولاية مجلس النواب في 21 أيار المقبل، بعد تمديدات ثلاثة وغياب عن آخر انتخابات نيابية، منذ تسعة أعوام. فأي جردة لهذه الولاية الطويلة؟

في حزيران 2009، كانت المرة الأخيرة التي انتخب فيها مجلس النواب. كان يفترض ان تكون الولاية لأربع سنوات فقط، أي في حزيران 2013. ولكن، التمديد كان بالمرصاد. يومها، مدد لنفسه سنة وخمسة أشهر بـ97 صوتاً، تنتهي في 20 تشرين الثاني 2014. أما التمديد الثاني، فكان في 4 تشرين الثاني 2014، حين اجتمع مجلس النواب مجدداً وصادق على تمديد ولايته حتى 20 حزيران 2017، أي سنتان وسبعة اشهر. كأنه أمر طبيعي. مرّ عامان، فأتى التمديد الثالث. هذه المرة كان لـ11 شهراً. إنه 20 أيار 2018… وأخيراً، حددت الانتخابات في 6 أيار…

 خلال هذه الولايات، تفاوتت انتاجية البرلمان. وعلى مدى مراحل طويلة، تعطلت الانتاجية بسبب الحسابات السياسية. كان المجلس قليل العمل، الى حد التتعطيل أحياناً، وخصوصا بعد شغور موقع رئاسة الجمهورية، اي من أيار 2014 الى اواخر تشرين الأول 2016.

إنتاج وتعطيل

هذا التعطيل لا يتحملّه المجلس وحده، إنما أثرّ بشكل أساسي على عدد من اقتراحات ومشاريع القوانين، فالجميع يتذكرون كيف كانت أحياناً، ” تمرّر” قوانين تحت عنوان فضفاض “تشريع الضرورة”. كانت في غالبيتها، قوانين ذات طابع مالي، وأحياناً كانت شيكات بلا رصيد!

“الشركة الدولية للمعلومات” أجرت جردة لمجلس النواب طوال الأعوام التسعة، وحصلت على النتيجة الآتية: “391 قانوناً بكلفة مليون دولار للقانون الواحد”.

  فقد أقرّ المجلس خلال ولايته منذ منتصف الـ2009 وحتى نيسان 2018، 391 قانوناً ووصلت كلفتها إلى 659.5 مليار ليرة أي أن كلفة كل قانون وصلت إلى نحو 1.686 مليار ليرة، وفقا “للدولية للمعلومات”.

مقياس العمل

فأي معيار هذا يمكن ان تجرى حوله القراءة التقويمية لعمل البرلمان، ونحن نتهيأ لتغييره؟

يلفت الخبير الدستوري عصام اسماعيل الى أن “معايير قياس انتاجية المؤسسة أو الإدارة العامة هي مغايرة لقياس انتاجية مؤسسة تجارية، فمؤسسات الدولة إنما تنشأ لغاية تحقيق استمرارية الدولة وتأمين المصلحة العامة وتحقيق خطوات تساهم في تقدّم الأمة والخروج من أزماتها وازدهارها. اذا استطاعت هذه المؤسسة تأمين هذه المتطلبات فإنها تكون في قمة انتاجيتها دون التطلع إلى الكلفة التشغيلية”.

هذه المعادلة لا تقتصر على مؤسسة مجلس النواب فحسب، انما هي معيار عام. يوضح اسماعيل: “المجلس الدستوري الذي لم ينظر بأي مراجعة في الـ2015، فيما بتّ بمراجعة وحيدة في الـ2016، لا يمكن ان نقيس انتاجيته بهذه اللعبة الحسابية، فهل ننتقد المجلس الدستوري أو نقول إن كلفة الحكم هي قسمة موازنة هذا المجلس على عدد الأحكام الصادرة عنه؟. بالطبع لا.

كذلك بالنسبة الى الجيش، فإذا كانت لا توجد أي اعتداءات خارجية ولم تشنّ أي حرب على الدولة، فهل نخفّض موازنة الجيش أو نوقف التطوع بحجة عدم وجود حرب، وإذا كانت الأوضاع الأمنية مستقرة ونسبة الجريمة منخفضة أو معدومة ولم تلقِ القوى الأمنية القبض على أي مجرم، فهل نقيس كلفة المؤسسات الأمنية بقسمة الموازنة على عدد المجرمين المقبوض عليهم؟ إن هذا المنطق لا يأتلف مع طبيعة مؤسسات الدولة، فالربحية هي بوجود المؤسسة التي تحتاج اليها الدولة من أجل البقاء والاستمرار”.

معيار التقويم

ولكن ألا يختلف عمل مجلس النواب، لكونه السلطة التشريعية التي يفترض ان يكون في ورشة تشريعية مستمرة، وإلا لمَ تحديد عقد تشريعي عادي وآخر استثنائي؟.

يعتبر اسماعيل انه بالطبع “لا بد من أداة قياس لإنتاجية المؤسسات والإدارات العامة، وإنما أداة القياس ليست كلفة القانون المالية وإنما فاعلية انتاجية مجلس النواب في منظومة بناء الدولة”.

ويسأل: “هل اتسم دور مجلس النواب الرقابي على أعمال الحكومة بالفاعلية وأدى إلى مساءلة وزراء ومدراء عامين فعلياً وردعهم عن مخالفة قوانين الدولة وأنظمتها؟ هل كانت التشريعات أياً كان عددها مساهمة فعلياً في تلبية حاجات المواطنين وتأمين تطوير القطاع العام ونهضته ووضع البرامج الاستراتيجية التي تؤدي الى نمو الاقتصاد وخفض المديونية ودعم نشاط القطاع الخاص وتحديث المرافقة والخدمات العامة ورفع مستوى الرقابة على الإدارات العامة والخاصة، أم كانت التشريعات بناء على طلبات خاصة ولدعم تجاوز القوانين أو لتسهيل هيمنة الرأسماليين على مقدرات الدولة، أو لتلبية مطالب أفراد أو هيئات محقة كانت أو غير محقة”.

تلك هي المعادلة الصحيحة، وهذا هو معيار التقويم الحقيقي.

اما في إطار الصلاحية المالية، فلا بد من سؤال اساسي: “هل دقق مجلس النواب في أرقام الوارادت والنفقات فعلياً وألزم الحكومة وقف الإنفاق على الدراسات الاستشارية، وهي كلها غير مجدية وتكلّف أرقاماً باهظة؟

هل ألزم المؤسسات والإدارات العامة وقف دعم الشركات الإعلامية عبر دعايات لا لزوم لها إلا كتنفيعة لهذه الشركات، وهل ألزم الحكومة استرداد الامتيازات المنتهية المدة والتي تدرّ على أصحابها المليارات على حساب الخزينة العامة، وهل أوقف بند تجديد المفروشات التي تكلف مبالغ خيالية، مع أن الدولة مدينة ويقتضي ألا ننفق على هذا البند في ظلّ الدين العام المرتفع؟

وهل وضع قواعد صارمة للمناقصات العامة، وهل دقق في طريقة انفاق البلديات لأموالها، وهل راقب الشركات العامة والمؤسسات العامة التي تجني المليارات ولا يحوّل إلا القليل من أرباحها للخزينة العامة؟”.

كلها أسئلة مشروعة. صحيح أن المهم إنتاجية مجلس النواب، إنما الأهم أن نخطو خطوات فاعلة نحو الإصلاح السياسي والإداري. وربما صحيح أيضاً أن العمل ضروري وطبيعي، ففي البلدان المتطورة، لا تهمّ كلفة القانون، إنما في لبنان السؤال مشروع: ماذا عن كلفة القانون الواحد؟!.

manal.chaaya@annahar.com.lb

Twitter:@MChaaya

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*