عبدالكريم الخليل لم ينصفه التاريخ… معلومات تُنشر للمرة الأولى

 

علي عواضة
المصدر: “النهار”30 أيار 2017

“يا أبناء أمتي وأهل بلدي، نحن أمة تسعى إلى الخلاص من نير الاستعمار وتعمل من أجل الاستقلال”، عبارة لخصت حياة المناضل عبد الكريم الخليل، ودفع حياته ثمنها شنقاً في العام 1915 على يد السلطنة العثمانية في ساحة الشهداء، لتستمر أفكاره حاضرة في عقول الكثيرين من رواد القومية العربية الذين عاصروه أو أولئك الذين جاؤوا بعده حتى يومنا الحاضر حيث تعمل مؤسسة عبد الكريم الخليل لإكمال مشروعه ببناء الروابط التي تتركز على أسس متينة من الثقافة الموحدة والعلم الراسخ.

ولد عبد الكريم الخليل في برج البراجنة العام 1884، نشأ وترعرع في منزل والديه في الشياح قرب الشارع المعروف اليوم باسمه. يعتبر الخليل أحد ابرز رواد القضية العربية في مطلع القرن العشرين، إذ سعى الى استقلال الولايات العربية عن الحكم العثماني واعتماد اللغة العربية في مدارسها. فكانت اولى خطواته لدى مغادرته الشياح والانتقال الى “استنبول” للدراسة فيها عام 1905، وتأسيس أول جمعية عربية سرية تهدف الى إقامة الدولة العربية. كذلك اسس “جمعية الشبيبة العربية” السرية وجمعية النهضة العربية السرية وجمعية المنتدى الأدبي والعديد من الجمعيات منها السرية ومنها العلنية.

جمع الخليل النواب العرب في “مجلس المبعوثان” في استانبول العام 1911 وعرض امامهم مبادئ توحيد برامج التعليم الابتدائي ونشره في البلاد العربية، حيث كان من بين رفاقه في “استانبول” عدد كبير من الذين تسلموا مناصب عليا بعد استقلال بلادهم، أبرزهم الرئيس رياض الصلح، والرئيس السوري شكري القوتلي، ومزاحم الباجه الذي ترأس الحكومة العراقية العام 1948، كذلك توفيق أبو الهدى التاجي الفاروقي الذي تولى منصب رئيس الوزراء في الأردن. ليعود بعدها الى جبل لبنان العام 1914 وانطلق منها ليبشّر بأفكاره ويحضّ قادتها على تعليم ابنائهم ويهيئ للثورة ضد الحكم العثماني.

كتاب يكشف تفاصيل حياته

نظراً لأهمية الخليل في التاريخ اللبناني والعربي، وقّع الباحث يوسف خازم أحد أقارب الخليل كتاب “عبد الكريم الخليل مشعل العرب الأول”، فأكد لـ”النهار” أنّ الكتاب يكشف معلومات تُنشر للمرة الأولى، عن الخليل في النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، والظلم الذي لحق به من خلال عدم تسليط الضوء الكافي على مقاوم كان هدفه تحرير البلاد من الدولة العثمانية بعيداً من مساعدة بريطانيا أو فرنسا.

اعتمد خازم في جزء من الكتاب على مخطوطات كان يعدها المؤرخ الراحل عجاج نويهض لكتابة سيرة الخليل، إلى جانب شهادات شفوية من عائلة الشهيد، ومصادر أخرى وأوراق كانت مبعثرة كتبها معاصرون. وكشف جمع كل تلك المعلومات بعد وضعها في سياقها، الدور الرائد والمميز لعبد الكريم الخليل في استنهاض الأمة وتأثيره الكبير في الحركات الثورية التي نشطت بعده.

واكد خازم أنّ عجاج نويهض أدرك وهو يبحث في سيرة الشهيد الخليل مطلع الخمسينات الدور الخطير لهذا الرجل، فأطلق عليه صفة «شهيد العرب الأول… وشهيد العرب المكرم… ومشعل العرب الأول». وزاد في مخطوطاته أنه كان «لسان حال العرب في الحركة (العربية). فبروزه القومي لا يجعله قائد الرعيل ورأس القافلة وكفى، بل كشف بأخلاقه الفريدة عن شخصية نادرة المثيل في التجرد والإخلاص، ودفعت الناس بكل قواها على القضية العربية».

وكشف الخازم الدور المهم لعبد الكريم الخليل خلال مفاوضاته مع الدولة العثمانية باسم العرب للحصول على حقوقهم المدنية علنًا، وعن نشاطه السري في الوقت عينه، لتنظيم التعبئة العسكرية بين الضباط والعسكريين العرب في الجيش العثماني وحضهم على المشاركة في في برنامجه للاستقلال عن الدولة. ويعرض للمرة الاولى كيف كان نشاطه السياسي القومي العربي مصدر قلق للحركة الصهيونية التي زرعت جواسيس في مقره «المنتدى الأدبي»، وربما كان عملاؤها من بين الذين تسببوا باعتقاله ثم إعدامه لاحقًا على يد جمال باشا.

ومما كشفه الخازم أيضاً، تأسيس الخليل أول جمعية عربية سرية باسم «الشبيبة العربية» كانت تعمل لإنفصال البلاد العربية عن الإمبراطورية العثمانية باستخدام العمل المسلح. ويبيّن كيف التحق أنصار الخليل وأعضاء جمعيته السرية بعد استشهاده بالثورة العربية الكبرى التي قادها شريف مكة حسين بن علي وابنه الأمير فيصل وأدت إلى طرد العثمانيين من البلاد العربية العام 1918 بمساعدة بريطانيا، وذلك خلافًا لخطة الخليل التي كانت تسعى إلى ثورة عربية خالصة من دون التعاون مع البريطانيين أو أي جهة أجنبية.

وتؤكد عائلة الخليل أنّ احمد جمال باشا اتهم الشهداء بالتعاون مع الفرنسيين والانكليز، إلا أنّ الوثائق لدى أُسر الشهداء تؤكد بأنّ الخليل ورفاقه كانوا يسعون بالنضال السلمي والمسلح الى استقلال الولايات العربية عن الحكم العثماني ويرفضون قطعاً أيّ تعاون مع القوى العظمى آنذاك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*