عام على “بيت الفنان”-حمانا: متنفّس إبداعي.. بتَصَوُّر آفل؟

روجيه عوطة|الثلاثاء31/07/2018

Almodon.com

شغل متنفساً لعمال الفن من بيروت، التي لا يمكن تقطيع المكوث فيها سوى بالإنصراف عنها
مضى عام على افتتاح “بيت الفنان” في حمانا(*)، بمعية المصرفي روبير عيد، وبالجهد المتواصل لـ”مجموعة كهربا”، الذي تديره وتبرمجه. ومن الممكن القول أن هذا المسكن الفني استطاع، ومن خلال مختلف النشاطات التي نظمها، التثبت من موقعه في الخريطة المنكمشة والمتآكلة للثقافة اللبنانية. ومردّ ذلك كون “البيت” قد شغل متنفساً لعمال الفن على عمومهم من بيروت، التي لا يمكن تقطيع المكوث فيها سوى بالإنصراف عنها، كي لا تنقلب إلى مجرد رجاء للإختناق. إذ وفر هذا المتنفس لهؤلاء، عمارة يقيمون فيها من أجل البحث أو العرض، وبينهما، الإنتاج، متيحاً لهم الاجتماع مع بعضهم البعض ليتبادلوا خبراتهم المختلفة، كل بحسب مجاله الإبداعي.
على أن المتنفس ذاته، ولكي يتثبّت في خريطة الثقافة، لا بدّ أن يحاكي تضريساً من تضاريسها، وهو فعلياً تضريس يكاد يكون مضمحلاً، أو بالأحرى هو كذلك، على الرغم من بقائه حياً في المخيلة العامة. يتعلق هذا التضريس بتصور منصرم عن الفنان، بحيث أنه يعيش على ارتفاع من دنيا أغياره، كما أنه، وعلى عكسهم، يتحد بالطبيعة، وفي بعض الأحيان، يلتحم بها لكي يكتشف عجائبها. الإرتفاع والإلتحام يكفلهما مكانه المنزلي، الذي يتوازن جمالياً مع البيئة الطبيعية، بقرميده وحجره، فضلاً عن اتساعه، كما لو أنه جزء منها، فتحتضنه، وفي الوقت نفسه، يكون مقاماً لها. في هذا السياق، الفنان القاطن في هذا المكان، هو المستمع إلى ذلك الحضن الطبيعي، حارسه والمُعْلِم عنه.

بمحاكاته هذا التصور الجغرافي عن الفنان ودوره، لا يبدو أن “بيت الفنان” يعيد إحياءه. لكنه لا يبتعد عنه. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أكد المنشور الأول الصادر عن “البيت” على ارتفاع منطقته و”طبيعتها الساحرة”، وسرعان ما عبّر عن إهتمامه بالأخيرة من خلال “مطر الغد”، وهو عرض لمجموعة من الأفلام الوثائقية حول البيئة وشؤونها. لكن ذلك التصور، يظهر أحياناً باستعادة بلده القديم، أي لبنان التراثي والفولكلوري، أكان عبر غناء فاديا طنب لجبران خليل جبران، أو عبر تنظيم أمسية الزجل في ساحة الميدان مع الشاعر شربل كاملة وفرقته “جوقة العمر”.

ومع ذلك، لا يتلزم “بيت الفنان” بالتصور المذكور عن الفنان، بحيث لا يجعله منعزلاً عن محيطه. لكنه، وتماماً كما تريده “مجموعة كهربا”، يبقى قريباً من هذا المحيط ومخاطباً له، بأعماله التي تأخذ على عاتقها الترويح عنه بإخباره وإطرابه و”شعرنته” وتعريفه بإرث شعبي غريب عنه. فـ”بيت الفنان” مفتوح لهذا المحيط، وساكنه لا يتحدث بإسم الطبيعة، على ما كان في صورته الماضية، بل باسم مجتمعه الداخلي، الذي يعمد، من ناحية، إلى إذاعته في أعماله، ومن ناحية أخرى، إلى مشافهته فيها، كما لو أنه ينطلق من إعتقاد بأن هذا المجتمع هو المعزول عنه.

وهذا كله يتصل باللامركزية التي سعت “مجموعة كهربا” إلى ممارستها من خلال عرضها لأعمالها في مناطق لبنانية عديدة. فاللامركزية هذه، وعلى أساس “بيت الفنان”، أي باعتبارها تأميناً لمتنفس خارج بيروت، تقوم بالإستناد إلى ذلك التصور المنصرم عن الفنان، ومعه الفن. وذلك من دون إعادة إحيائه برمته، بل بتعديله، لا سيما من جهة ارتباطه بالطبيعة، والاستعاضة عنها بالمجتمع الداخلي، مع التركيز على دور محدد اتجاهه، أي دور الترويح عنه، وتجميل عيشه.

يبقى أن مرور عام على افتتاح “بيت الفنان”، قد يكون فرصة لبحث الفصل بين لامركزية مجموعته، أي “مجموعة الكهربا”، وبين ذلك التصور المنصرم عن الفنان والفن، والذي ما عاد يندرج سوى في سياق التحفيز على السياحة البلدية بنسختها المتخيلة.


*في هذه المناسبة، يطلق “بيت الفنان” برنامجاً يتضمن عروضاً فنية. للإطلاع على البرنامج،.
إقرأالمزيد حول البرنامج

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*