عالم زياد الرحباني… الشخصية و«الأغنية الطقطوقة»

 

 

سلافة الماغوط
القدس العربي
09112018

أهمية زياد الرحباني شخصيته، أكثر مما هي موهبته. لكن موهبته فرضت نفسها بسبب مثابرته. أي فنان غزير الإنتاج هو مثابر. ومثابرة المجتهد وجوبا تنبع من أمرين، إيمانه وثقته بما يمتلك من أيديولوجية فنية، التي هي بدورها تفرض نفسها عليه أكثر مما هو يتحكم بها. والأمر الثاني منبثق من الأول، أو تسلسل منطقي للأمر الأول، وهو أن الموهبة لها مداها وسعتها، تبقى تتدفق حتى تصل إلى مرحلة الإشباع، وقد لا تصل إلى هذه المرحلة من الارتواء، بل تبقى عند بعض الحالات مدى الحياة. أي كلما تعرض الموهوب لقصة حتى لو عرضية وتافهة تحرض عنده مفردات وتشابيه وتعابير تجعل الأمر العادي والاعتيادي خارقا فذا استثنائيا، فقط لأن من وصفها وعبّر عنها أعاد خلقها، فالإبداع خلق ونفخ الروح في الجسد وبث الحركة والجيشان في المهاد الراكد.
حتى لا يكون الرأي هنا بعيدا عن المنطق وقريبا من اللاهوتية. ببساطة بعض المبدعين لا جميعهم، الأفكار عندهم نبع لا ينضب. وكل مناسبة عندهم استثنائية. وكل حادث هو تاريخي. وكل صدفة هي ميعاد، وكل ميعاد هو صدفة، وكل خبر هو مفاجأة وكل حب هو دفين وكل ذاكرة هي مذكرات. البعض أكثر من غيرهم من الموهوبين.
وهذا ما ينطبق على زياد الرحباني. أهميته أنه غنى الGig أي الأغنية الطقطوقة، أكثر مما هي المسرح الغنائي عند أبويه، وفاق أهمية والديه لأنه ابتكر من دون قصد إدخال، أو دمج الجاز بالعود. الأوركسترا والبيانو بالتخت الشرقي. التصفيق كجزء من الأغنية الـ Gig ترافق الدندنة والمواويل التي يغنيها ابن العاصمة، الذي لا هو متمدن ولا هو متشرد. أشم رائحة التبغ والسيجار اللف، بل حتى الغليون في أغانيه وأتخيل دخانها يخيم على ظلمة استديو التسجيل. قد لا تكون كلمات الأغاني في مستوى الألحان والأسفار التي يجعل المستمع يعيش أجواءها، حيث ما زال مقيدا ومحصورا بموضوع الغني والفقير بالأسلوب الذي بات مملا من كثرة ما تردد بالأعمال العربية والعالمية، منذ أيام الأسود والأبيض حتى يومنا هذا، فبات يسمى فنا تجاريا رخيصا، أو فن شباك التذاكر. طالما هو مجرد تكرار لا يحفز ذهن المتلقي ولا حتى يشده، مثل أغنية «الحالة تعبانة يا ليلى»، أو «عايشة وحدا بلاك» وسواها من حب وانتظار وذكريات الطفولة و.. و. وكأنه متأثر بجو عائلته وما تربى عليه، وهذا طبيعي.

صنع زياد الرحباني كيانا لبنانيا من الكلمة واللحن، معتمدا في ذلك على تركيبة خلقية من ثلاثة عناصر: الفكاهة، التمرد والعبثية.

لكن أهميته أنه حالة ولون عربي ولبناني على صعيد الموسيقى، هو متهكم ساخر لاذع،  يجمع من خلال أعماله أجواء ريف وجبال لبنان أيام أوج تألق الرحباني، مع أدوات موسيقية عاصمية وكوزموبوليتانية مترفة ومتطورة مع نوتات كلاسيكية وأهازيج شعبية في خلطة واحدة وناجحة.
المدينة والعمران وتلوث الجو وصخب الحياة والفقر نتيجة قلة التدبير، لرجال تأخذ الأمور ببساطة في زمن بات كل شيء فيه معقدا، لكنهم ليسوا ضحايا، وأنا استمد تصوراتي من كلمات الأغاني ليس إلا. هم ليسوا ضحايا بالمعنى المأساوي ولا يعانون من الضياع والخيبة إنما بروح السخرية والنظر إلى الأمور من الأعلى لا من تحت، أي كأنهم أكبر من مصائبهم ولا يشعرون بغربة روحية في بلدهم، إنما هي ببساطة مجرد تعليقات ناقدة لبلد ما زال يتم إعماره ولكنه يحب كل جديد وشعبه يميز بين الجيد والرديء.
ورغم الجو الذي توحي به الأغاني، إلا أنه جو مدائن صناعية معاصرة، لكنها خالية من إحباطات مدن الغرب التي تبلع الضعيف حتى لو كان على حق. على عكس أجواء أغاني زياد الرحباني التي هي قريبة من قلب المتلقي، ولها جمهور من ذواقة الفن الرفيع الأصيل، وكل من يبحث عن الجديد والمختلف، إنها ببساطة عالم زياد الرحباني الذي يمتعنا ويطربنا.
في الوقت نفسه، زياد الرحباني لم يترجم مشاعر المواطن اللبناني ولم يمثله ولم يعكس صورة المجتمع مثلما يقدم أي فنان في المطلق لوطنه كجزء من رسالته المهنية. ما فعله هو أهم من كل ذلك، صنع كيانا لبنانيا من الكلمة واللحن، معتمدا في ذلك على تركيبة خلقية من ثلاثة عناصر: الفكاهة، التمرد والعبثية.
والذي حصل معه عكس ما يحصل عادة مع باقي الأسماء المعروفة، الذين نحبهم ثم نفاجأ بكلامهم في المقابلات (على الهوا) لا يعرفون كيف يتكلمون، أو كيف يعبرون عن أنفسهم بلغة مفهومة حتى لهم، رغم نجاحهم المهني. أما زياد الرحباني الذي كان سوق إنتاجه محدودا في سوريا على نطاق الأشرطة المسجلة التي يشتريها الناس ويديرونها في السيارات أثناء سفرهم لمسافات قصيرة بين المحافظات لمسرحياته، لم تكن ذائعة الصيت ولم تلق ذاك الرواج إلى أن أجري معه لقاء وكان على نحو مخالف لكل الذين استضافتهم المذيعة من قبل، عفوي ويخرج عن الموضوع ولا يخجل من المواقف المحرجة التي مر بها، ولغته المبسطة الطفولية التي أربكت المستضيفة، وربما كل القائمين على البرنامج في الكواليس. ربما هذه الشخصية الطريفة التي كانت في الظل، والتي سنحت لها الفرصة أن تطل على الشاشة في أكثر البرامج متابعة في ذاك الوقت، لفتت الأنظار إليه وزادت من شعبيته حتى من قبل الذين لا يحبذون نمط الأغاني التي يقدمها.

٭ كاتبة سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*