عاد لبنان سويسرا الشرق لكنْ سويسرا حروبِه لا سلامِه

جهاد الزين
النهار
07092017

لا شك أن النقاش الذي يطل برأسه بين الحين والآخر حول ما سُمِّي “الهندسة المالية” التي أجراها مصرف لبنان للقطاع المصرفي هو نقاش جوهري بل خطير على أكثر من مستوى ويضاعف منه الاستمرار غير المفهوم لمرجعية رئاسة الجمهورية في الصمت الكامل حول الموضوع، مع أن شرحا ما معلنا من الرئيس ميشال عون لمبررات إجراءات مصرف لبنان “الهندسية” ( والتي تخبرنا صحيفة “الاخبار” وحدها في البلد ما يستجد حولها فضلا عن أنها هي التي كشفتها إعلاميّاً) من شأنه أن يشكّل عنصر طمأنة ينهي شبهة الطابع “الفضائحي” عنها ويعطيها شرعيةً ما إذا تبنّاها الرئيس، أو على الأقل سيتحوّل النقاش حولها إلى نقاش محض اقتصادي بين وجهات نظر مختلفة وليس نقاشاً شبه جنائي إذا جاز التعبير. ويجب أن نضيف هنا لمزيد من محاولة إقناع رئيس الجمهورية بإدلاء رأيه العلني في الموضوع أن هذه “الهندسة المالية” تبدو أكثر فأكثر الآن باعتبارها جزءا مسبقاً أساسيا من ترتيبات صفقة انتخاب العماد عون رئيسا في وقت لاحق لها في العام المنصرم. لا أعني مطلقا هنا أن الصفقة السياسية الخارجية الداخلية التي أدت إلى ترئيس عون هي عمل سلبي. بالعكس تماما لم يكن هناك في أفق لبنان خيار واقعي أفضل من هذا الخيار يحقّق التهدئة ويعزز الاستقرار ويلبي حاجات الستاتوكو الإقليمي الدولي الأمني على لبنان. كان هذا رأيي قبل الانتخاب وبعده. لكننا نتحدّث عن سياسة مالية غير مسبوقة الضخامة قام بها مصرف لبنان والواضح بتغطية سياسية عميقة من عون إلى حزب الله إلى الحريري إلى كل نادي السلطة الائتلافية المحلية. حتى لو أن “حزب الله” بتشجيعه غير المباشر متابعة مسألة “الهندسة المالية” يُبقي حبلا مشدودا للضغط على الحاكم والقطاع المصرفي لمراقبة نوع أدائهما الدقيق في مسألة العقوبات الأميركية المنتظرة.

التطورات الحدثية العربية والدولية وانعكاساتها في لبنان في السنتين الأخيرتين ترجِّح بل تؤكد أن هذا الستاتوكو على لبنان ليس مهدّدا عكس الكثير من المخاوف. لا بل تبدو أقوى معادلة “لبنان سويسرا الحروب في المنطقة” أي بيئة خدمات سلمية لحروب المنطقة والبادئة منذ انفجار الوضع السوري عام 2011 ولاسيما بعد عسكرته.

لهذا فإن الاستنتاج اللبناني الأول هنا هو أن الحماية السياسية الأمنية الخارجية على لبنان هي أقوى من الاختلالات الاقتصادية البنيوية الداخلية والمتزايدة بعد الأعباء الجديدة المتفاقمة على الخزينة اللبنانية من حيث زيادة الدين العام أو من حيث زيادة عجز الموازنة وكلاهما مترابطان.

طالما ثبت بالملموس سياسيا وأمنيا أن الستاتوكو موجود ومتصاعد فإنه لا خطر انهيارٍ اقتصادي في لبنان مهما بلغت ممارسات الطبقة السياسية الشعبوية والفاسدة. فالاقتصاد اللبناني بالنتيجة بالنسبة للغربيين هو اقتصاد صغير. اقتصاد هش: صحيح، لكن تغطيته سهلة بالنتيجة على القوى الكبرى. نحن الآن في لبنان عكس النصف الثاني من الثمانينات عندما رُفِع الغطاء الغربي عن اقتصاد الحرب فحصل الانهيار يومها ونهشتنا أنياب كل أنواع الطفيليات الطبقية والميليشياوية.

اليوم لنا، أي لبنان، وظيفة بناءة في المنظومة الغربية التي تدير اللانظام العربي وتتجه ببطء نحو إعادة تنظيم الحرب السورية تحت ضغط التدخل الروسي.

من حجم التدفقات المالية الشرعية كالمساعدات الدولية واقتصاد تمويل النزوح السوري أيا تكن هناك علامات فساد فيه، إلى التدفقات الواقعية كفائض الفساد العراقي العربي والكردي وفائض نقل الأموال السوري وتجارة السلاح والآثار والمخدرات، إلى أنشطة قطاعات الخدمات الاستشفائية والسياحية والمالية … إلى رُخْص اليد العاملة التي يتيحها وجود النازحين السوريين… كل هذه العوامل في ازدهار حالياً. أخبرني أحد كبار المقاولين اللبنانيين منذ أقل من شهرين أن لديه في مشاريعه وحدها ألفي عامل سوري لو عادوا إلى بلادهم أو مُنعوا من العمل لأفلست أعماله ( استخدم تعبير: إفلاس). وفي صحيفة “الواشنطن بوست” أمس الأول الثلاثاء تقرير من هيوستن التي شهدت مؤخرا إعصارا دمّر أجزاء مهمة من منشآتها وبيوتها وبناها التحتية. التقرير ينقل بالصوت العالي دعوات شركات البناء وبعض المسؤولين المحليين والسكان إلى الحاجة الملحة لليد العاملة من المهاجرين غير الشرعيين البالغ عددهم خمسماية وخمسة وسبعين ألفاً في “متروبول هيوستن” لإعادة بنائها وإعمارها رغم قيود عهد ترامب على المقيمين غير الشرعيين.

لقد دخل الاستقرار اللبناني مرحلة جديدة من القوة بسبب أحد العوامل التي كان من شأنها في ظروف عدم وجود “حماية” إقليمية دولية أن تؤدي إلى انفجاره. هذه القوة في لبنان ليست متماسكة لكنها قوة استمرار. فمن حسن حظ لبنان أن النزوح السوري إلى أوروبا تحوّل إلى أزمة أوروبية وغربية استراتيجية طرحت مسألة الهوية الثقافية والدينية نفسيهما في بعض البلدان. لا أزال أتذكّر (وأحتفظ بالعدد الورقي في مكان ما؟ في مكتبي في “النهار”) عنوان صحيفة “اللوموند” على ثمانية أعمدة في أعلى صفحتها الأولى قبل عامين أو أكثر وهو يعلن تحويل الاستقرار اللبناني إلى هدف رئيسي فرنسي وأوروبي بسبب موضوع النازحين والقائم على استراتيجية إبقائهم في لبنان أو عودتهم إلى بلدهم كوسيلة رئيسية لإيقاف تدفقهم إلى أوروبا. كان ذلك يعني رفع الاتحاد الأوروبي لموازناته في دعم النازحين. بالنسبة لي كمراقب كان هذا أحد أكبر العناوين إن لم يكن الأكبر في جعلي مطمئنا إلى ثبات طويل للاستقرار اللبناني.

صار استقرارنا منذ صدور ذلك العنوان ليس فقط حاجة سويسرية لخدمة حروب المنطقة بل مصلحة استراتيجية لاستقرار أوروبا. وها هو الرئيس إيمانويل ماكرون يضعنا في الوجهة نفسها قبل أيام بإعلانه عن نية فرنسا عقد مؤتمر للنزوح السوري. العام 2018. تستفيد الطبقة السياسية الزبائنية والفاسدة في لبنان من تضافر قوة الاستقرار اللبناني لأخذ قرارات اقتصادية تعزز زبائنيتها مراهنةً على هذا العامل الحمائي الخارجي لمنع الانهيار.

نحن كمواطنين تربطنا مع هذه الطبقة مصلحة الاستقرار الأمني فقط. ومع أنها تأتي من أصول إدارة حروب أهلية إلا أنها اليوم تدير استقرارا أكيدا ودولة ضعيفة واقتصادا ذا اختلالات يمكن أن تصبح متفجرة في المستقبل في حال تغيّرت “الوظيفة” اللبنانية.

من حسن الحظ الاتجاه الصاعد في المنطقة من العراق إلى لبنان عبر سوريا هو اتجاه سلمي. اتجاه وليس نهاية حروب. وإلا ما معنى عملية التنظيف الشاملة لزبالة داعش التي تقوم بها مروحة واسعة “متناسقة” تضم حكومات لبنان وسوريا والعراق وروسيا وإيران والولايات المتحدة والقوى المحلية الرسمية وغير الرسمية التابعة لها؟

الخطر الوحيد، الوحيد، نظريا، على هذا الاستقرار هو إذا قرّر الرئيس ترامب والعسكريون المتزايدو العدد الذين يحيطون به تصعيد المواجهة مع إيران. هذا يعني شمولها لبنان مباشرة مع مناطق أخرى.

هذا هو الخطر الوحيد الذي لا يبدو مرجّحا لأسباب عديدة. أولها أن حصيلة السياسة الترامبية المتبعة حيال إيران بقيت رغم التصعيد ضمن ضوابط عدم إلغاء الاتفاق مع التركيز على التصعيد السياسي ضد إيران والعودة للاقتراب من أعدائها العرب. وثانيا أن حجم مشاكل ترامب الداخلية وضعفه المتزايد بما فيها ارتباك فريقه لا يجعلانه مهّيأً لتغيير معادلة “تحجيم الاتفاق النووي دون إلغائه”، حتى أن السفير السابق جون بولتون الذي كان من المرشحين لتولي وزارة الخارجية بعد فوز ترامب كشف في مقال كتبه في 28 آب المنصرم في مجلة “ناشيونال ريفيو” عن “لا ورقة” من خمس صفحات كان أعدّها لترامب بناء على طلب ستيف بانون تحت عنوان: ” كيف نخرج من الاتفاق النووي” يضع فيها خطة سياسية إعلامية لتحضير أجواء ما قبل وما بعد إعلان واشنطن قرار الانسحاب من الاتفاق تقوم على أربع نقاط:

1- تشاور مبكر مع إسرائيل والسعودية

2- تحضير وثيقة استراتيجية تستخدم معلومات استخبارية لشرح “مدى إذية” الاتفاق للمصالح الأميركية

3- حملة ديبلوماسية شاملة فور الإعلان عن الخروج خصوصا في الشرق الأوسط وأوروبا

4- تطوير حملة عامة ومع الكونغرس لتأمين الدعم الداخلي والخارجي.

الطريف أن بولتون ينعي خطته بإعلانه أنه لم يعد قريبا من محيط ترامب ولا يعلم إذا كان قرأها أصلا و لذلك يبرر بولتون نشرها.

هذا هو الاحتمال الوحيد الذي ينسف استقرارنا “الخارجي”ويكشف معه اختلالاتنا الداخلية.

لكننا الآن من حسن الحظ بعيدون عن هذا الاحتمال “الأنتي إيراني” في السياسة الأميركية و الذي علينا أن نضيف إلى عناصر استبعاده بروز أزمة كوريا الشمالية.

تبقى ملاحظة هي أن من سمات سياسة ترامب الخارجية أنه لا يلعب اللعبة الخبيثة التي انتهى إليها عهد الرئيس أوباما. وهي لعبة شد أذن إيران عبر حلقتها الصغرى وهي “حزب الله” و”تحييدها” كحلقة كبرى. الآن شد الأذن إما أن يحصل لإيران كلها أو لا يحصل كما نرى اليوم أي اللاحصول الانفجاري.

لبنان مزدهر جدا على حقل ألغام “طبيعي” من العبث داخليا السعي لإلغائه لأنه جزء من تكويننا ككيان رائع ودولة تافهة وجيل شباب هارب.

ولذلك أقول لشباب الحراك المدني: صحيح أنكم ستسلكون طريق المطار ذات يوم لكن هذه المرة خذوا وقتكم في تحضير حقائبكم وتأمين وظائفكم في الخارج الذي يليق بامكاناتكم لأن الوضع ليس على حافة الانفجار وكالعادة لأسباب لا تتعلق بحكمة اللبنانيين.

jihad.elzein@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*