طفولة بين الأسد وصدّام

المدن
20062018
Almodon.com

احتلال المشهد العام

ذكّرتني المقالات التي دُونتْ قبل أيام في ذكري رحيل حافظ الأسد، “باني سوريا الحديثة” و”قائد التشرينين” و”الأب القائد”، بالطفولة المريرة والشقية والمسحولة، التي عشتها في الثمانينات من القرن الماضي، في تلك البلدة القابعة مهمّشةً عند الحدود السورية اللبنانية. وتأرجحت تلك الطفولة، بين طغيان “البعث” بنسختيه السورية الأسدية، والصدّامية العراقية، على الأرض اللبنانية وبأدوات لبنانية، مع التذكير بأني لم أشاهد سوى التلفزيون السوري البعثي الأسدي، طوال السنوات التي عشتها في البلدة الى حين خروجي منها العام 1990 في رحلة المنفى المحلي بحثاً عن أماكن أخرى أقل ضجراً.

كنت قد أتخمت بثقافة “البعث” البصرية. ففي كل شيء، كان يحضر خبر حافظ الأسد وصورته، في الأغاني والرياضة والمهرجانات والمناسبات والأمجاد والفضاء (صعد رائد فضاء سوري الى الفضاء من روسيا، فكان يحيي أمجاد الأسد بدلاً من الحديث عن رحلته).. والأشجار إذ نبتت، والأنهار إذ تفجرت.

ربما كان بعض المسلسلات المصرية، الناجي الوحيد من طيف الأسد، فشكلاً متنفساً لمن يريد التسلية مساءً… الآن إذ أتذكر تلك الوقائع، لا أقدر على توصيف الواقع، كم تغير وانقلب رأساً على عقب. يومها كان الجندي السوري العابس في لبنان يذبح بظفره، كما يقال، ويحكم بجزمته، والمخابرات العراقية تطارد كاتب مقالٍ حتى في أقاصي العالم. لم يكن لديّ الوعي الكافي، ولم يكن لدى غيري من أبناء الريف، التوجه لتفكيك ثقافة الطغيان والتمرد عليها. فـ”ثقافة” الخوف والفلقة وأبو كلبجة والدولاب والأشباح، هي السائدة، وطغت على ثقافة التحرر والحرية. كانت صفة البعثي السوري هي صفة المخبر والعوايني والشبيح، من أجل تدبير مصالحه الضيقة والشخصية والنفسية الدنيئة. يستعمل وشاياته في المفارز ولدى الضباط، فيصبح له نفوذه القذر والمذموم، في مقابل أن صفة البعثي العراقي هي أنه مطلوب من النظام السوري وهارب أو موقوف، وكثيراً ما يوصف بـ”الشجاع” و”الشهم” والغامض البعيد من الأنظار.

كان بديهيا أن يتوسع نفوذ “البعث” السوري المنتفع، ويتقلص نفوذ “البعث” العراقي. فالمخابرات السورية استعملت كل أدوات القمع لإيقاف أي نشاط للبعثيين العراقيين، بدءاً من السجن، وصولاً إلى النفي وحتى الاستيلاء على اسم الحزب. وفي الواقع الاجتماعي السريّ، كان صدّام حسين يلقى مديحاً لأنه يقف في وجه إيران بعد صعود الخمينية، وربما لأنه يرمز الى القوة والتعسف من دون مواربة. بينما كان حُكم الرئيس السوري، الماكر والغامض، يتلخص في أنه “أسد في لبنان أرنب في الجولان”، وهذا التوصيف الغرافيتي كتب على أحد الجدران وبقي لسنوات، وما زال حتى الآن عنواناً لتوصيف “البعث”…

في لحظة مفصلية، خلال حرب الخليج الثانية بعد غزو العراق للكويت، وجدنا بشكل مفاجئ، مجموعة لا بأس بها من تلامذة الضيعة، ينزلون الى الشارع في تظاهرة مدرسية “ساذجة”، يؤيدون صدام حسين، ليس لأنه غزا الكويت، بل لأنه قصف اسرائيل بالصواريخ. توهم كثيرون من عشاق العروبة وفلسطين أن “الرفيق صدام” سيرمي اسرائيل في البحر، وتوهم كثيرون أن صدام سيوحد العرب ويعيدهم إلى مجدهم في مواجهة الاستعمار، وحتى أن أحد “المندفعين” قال “اذا كان لله موجوداً، فإننا نراه في هذه الأيام”، إذ بدا مؤمناً بأن صدام هو الحق ولا بد أن الله معه وأنه سينتصر.

وفي التظاهرة، كان الفتيان يشتمون بعض الملوك ويشيدون بـ”أبو عُدي”. والمفارقة أن معظم “قادة” التظاهرة، من البعثيين السوريين، فليس في البلدة أي بعثي عراقي. فهم إما في السجن الأسدي، أو يتوارون عن الأنظار في صيدا ومناطق أخرى خارج سيطرة الجيش السوري ومخابراته. وما هي إلا ساعات قليلة، حتى كانت شاحنة صغيرة، تابعة للمخابرات السورية، وعلى متنها مجموعة من العناصر الشرسة، تبحث عن منظمي التظاهرة وتقتادهم من بيوتهم إلى مركزها. كانت في عداد المعتقلين مجموعة من المراهقين وبعض الاساتذة، وقد أهين أحدهم من عناصر المخابرات، من خلال شدّه بربطة عنقه. مضت أيام قليلة، ونظّم “البعث” السوري المندفع “محاضرة” في المدرسة الرسمية، يريد محو أثر التظاهرة ويتحدث عن سلبيات إطلاق صدّام صواريخ سكود على اسرائيل. كان المسؤول البعثي يعرف انني، أنا تلميذ البريفيه، اميل الى الشيوعيين، ويريدني أن أسمع نوابغ مسؤول مخابراته، ربما لتدجيني…

حتى بين الشيوعيين، نال صدام تعاطفاً. فبينما كان الحزب الشيوعي على ود ملتبس مع نظام الأسد، كان أحد الشيوعيين “البلديين” يضرب بيده على الطاولة في الاجتماع ويقول “شعوب يلزمها ستالين، أنا مع صدام”، ليخرج من الاجتماع مستنكراً معمعة الشيوعيين، تاركاً حزبهم الى غير رجعة، عائداً الى كنف عائلته وعشيرته.

تلك سنوات مضت. فيها من الغباء ما يكفي، ومن الرومانسية ما يكفي، ومن الأوهام ما يكفي، ومن الدم ما يكفي، ومن الكذب ما يكفي. قد أفهم ولاء البعض لنظام صدام، ونظام الأسد، في الثمانينات والتسعينات. فَهمٌ بين الانتفاع والتشبيح وأوهام القوة والمجد. لكني الآن، حين اتأمل المسؤول البعثي السوري الريفي متمسكاً بولائه لنظام المحرقة السورية، أحسبه كائناً مازوشياً يضحك على نفسه، أو يحافظ على تراث غسيل الدماغ الذي تعرض له أيام نظام الوصاية في لبنان. أيضاً، لا أعرف لماذا يحب بعض الشبان صدام حسين، ويضعون صوره في بروفايلات حساباتهم الاجتماعية. الأرجح أنه جزء مما يسمى الرجولة والبداوة، جيل من الشبان السنّة، لم يعيشوا زمن صدام، ويحبونه، ربما هي لعبة الخوف من الشبح الايراني.

بالطبع الشيوعية، لا تقل فظاظة عن “البعث”، ولها موضوع خاص.

هذا كلام عابر عن أيام “القسوة والصمت”، وله تتمة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*