طرابلس الفقر أو عار سياسات لبنان

 

جنى الدهيبي|الجمعة04/01/2019
Almodon.com

الفقر الزاحف إطرادًا نحو أحياء المدينة، لم يترك للرخاء مجالًا (علي علّوش)

إذا كان لبنان في عموم مناطقه يشهد شللًا اقتصاديًا، أو يترنح على شفير الانهيار، يبقى لعاصمة الشمال حصّة الأسد من التدهور الاقتصادي، الذي “يتميّز” بسوئه على الخارطة اللبنانيّة. وإن كانت طرابلس تجاوبت مندفعةً للمشاركة في تنفيذ اضراب الإتحاد العمالي العام، الجمعة في 5 كانون الثاني 2019، وانتفضت، في المقابل، غضبًا على حال مواطنٍ طرابلسي قيل أنه سرق ربطة خبزٍ لأطفاله، قبل أن يتبين أنّه سرقة دراجةً نارية بدلاً من دراجته التي أحرقها شخصان، سلبوا منه المال، فهذا مؤشرٌ على كيلٍ طفح اختناقًا في المدينة.

مقاهي البطالة والثراء معاً
في تاريخها الحديث، حملت طرابلس لقبًا تراجيديًا، أصبح يلازمها وأصبحت مصبوغةً به. إنّها “أمّ الفقير”، التي لم تجد بديلًا عن المفاخرة بمرارة لقبها شكلًا ومضمونًا. والحديث عن الأبحاث والدراسات والإحصاءات، حول الفقر في المدينة الأفقر على حوض البحر المتوسط، لم يعد مجديًا، طالما أنّها لم تدفع نحو التغيير للأحسن، إزاء ارتفاع مؤشرات الأرقام السلبية عامًا تلو عام. كذلك الحال بالنسبة للمؤتمرات التي ترسم مخطاطات وهمية للإطاحة بوحش البطالة، إلى جانب “الوعد السعد” بـ 999 ألف وظيفة، لم ينل منها طرابلسي وظيفةً واحدة.

أمّا واقع الحال، فهو أنّ الفقر الزاحف اطرادًا نحو أحياء المدينة، لم يترك للرخاء مجالًا، إلّا في بقعٍ جغرافية محدودة في طرابلس الحديثة، وهي لا تتجاوز 20 في المئة من إجمالي مساحة المدينة. وهنا الكارثة الكبرى، بعد أن بدا دارجًا الحديث عن الفجوة الصارخة بين طرابلس الشرقية والغربية، على غرار بيروت المنقسمة اجتماعيًا وطبقيًا لشرقية وغربية. وفي الوقت الذي يغزو الفقر الأسواق القديمة، وفي المناطق الداخلية، ابتداءً من باب الرمل جنوبًا وصولًا إلى باب التبانة شمالًا، حيث تتشح الوجوه بالبؤس والشقاء، ثمّة مساحات في مناطق عدّة مثل المعرض والميئتين ومنطقة الضم والفرز المستحدثة، يختلف حالها شكلًا وثراءً. وإن كان الأمر عاديًا قياسًا للمنطق اللبناني، الذي لا يستغرب محازاة أحزمة البؤس لأحياء الرفاه، إلا أنّ العجيب في طرابلس، وقد يكون في لبنان عمومًا، هو أنّ هذا “الرفاه” يبدو كسولًا، لاقتصار مظهره على المقاهي والمطاعم والدخان المتصاعد من النزاجيل

والغريب في طرابلس أيضًا، هو أن تصاعد وتيرة التحركات والصرخات الشعبية اعتراضًا على تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي – حتّى بات معظم أبناء المدينة إمّا في عداد العاطلين عن العمل وإمّا في “نادي” المصابين بالبطالة المقنعة – يترافق مع ظاهرة التوسع في انتشار المطاعم والمقاهي الفاخرة في طرازها وقائمة تقديماتها. في شارع عشير الداية، المعروف بـ “شارع 32” في منطق الضم الفرز، تحول في السنوات الأخيرة لشارعٍ يكتظّ بالمطاعم والمقاهي، التي تستقبل روادها من ساعات الصباح الأولى إلى آخر ساعات الليل. وفيما عمليات الحفر لا تزال مستمرة لتأسيس مقاهٍ إضافية في هذا الشارع، الذي يتنافس أصحابه على تقديم أفضل نرجيلة “معرمرمية” وأطيب طبق، قد يؤشر ذلك لأمرٍ خطيرٍ جدًّا، في ظلّ الانعدام الكليّ لتأسيس المشاريع التجارية الكفيلة بتأمين فرص عمل لطابور العاطيلن عنه. بل على العكس، تشهد طرابلس في شهورها الأخيرة، ظاهرة إقفال المحال والمؤسسات الصغيرة والكبيرة، إلى أن انقلب وضعها رأسًا على عقب.

شارع عزمي التجاري مثلًا، الذي تتراصف على جهتيه محال الألبسة والأحذية، وكان مشهورًا بحيويته وديناميكيته التي أعطته ميزةً خاصةً في تناغم محاله مع أبنيته التراثية، يشهد حالاً من الركود والشلل غير المسبوقتين. وبعد أن كان تجاره لا يجدون وقتًا لحكّ رؤوسهم المشغولة ببيع زبائنهم، أصبحوا يقضون أوقاتهم على أبواب محالهم، من دون “حركة وبركة”، حتّى في موسم الأعياد، لاصطياد زبونٍ عابرٍ لا يملك رغبةً بالشراء، رغم عروض التنزيلات الكبيرة التي تغطي واجهاتهم الزجاجية.

غيبوبة البلدية
وفيما تبدو الدولة “المشلولة” عاجزة بمؤسساتها ووزاراتها عن تقديم المشاريع التنموية، يضع عضو بلدية طرابلس الدكتور باسم بخاش جزءًا كبيرًا من المسؤولية على عاتق السلطة المحلية، التي خيّبت ظنّ الطرابلسيين، ودفعتهم بإحباطهم منها لإنتاج الطبقة السياسية نفسها في انتخابات أيار 2018، بعد اندثار “أوهام” الانتفاضة في الانتخابات البلدية في العام 2016. ويشير لـ “المدن”، أنّ البلدية التي تعدّ حكومة مصغرة في المدينة، يحق لها في قانون البلديات أن تنفذ مشاريع تنموية على غرار بناء المستشفيات والمستوصفات والمشاريع التنموية والاقتصادية والمعمارية.

المفارقة الأهم في ظلّ التقاعس البلدي، وفق بخاش، هو أنّ بلدية طرابلس لديها وفرٌ ماليٌّ لم يسبق أن شهدته بلدية طرابلس في تاريخا الحديث، إذ يوجد فيها أكثر من 90 مليار ليرة لبنانية، لا تُستثمر في أيّ مشروعٍ نافع. فـ”المطلوب من البلدية ليس المعجزات. لكنها معطلة عمدًا من دون انجازات تساهم في تحريك الجمود الاقتصادي في طرابلس ولو بمشروع إنارة، مقابل سكوتها عن الفشل الذريع لمشاريع مجلس الإنماء والإعمار، الذي حوّل شوارع المدينة لمساحات من الحفريات والجوَر”.

واقع طرابلس الذي يترافق مع شللٍ في مرافئها المعطلة، حتّى مرفأ طرابلس البحري لم يرتقِ بعد لمستوى خلق فرص عمل فعلية، لا يمكن فصله عن صورةٍ مشوهة طُبعت بها المدينة مع ارتفاع جبل النفايات الذي أفرز واقعًا صحيًا وبيئيًا مترديًا. وقد يكون ذلك سببًا إضافيًا في “هروب” المستثمرين في الداخل والخارج.

وإذا كان هناك من يحمّل النزوح السوري “إثم” تفشي البطالة في طرابلس بفعل اقتحام النازحين السوق ومضاربتهم بالأسعار، قد يكون مشروع الإرث الثقافي نموذجًا حيًا للرجوع إلى أصل المشكلة. فهذا المشروع، الذي فشل تنفيذه في طرابلس، خلافًا لنجاح تنفيذه في مدينة جبيل بعد أن جعلها رقمًا صعبًا على الخارطة السياحية اللبنانية، يؤكد أن نظرية الفشل في الأداء تتفوق على نظرية المؤامرة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*