طبقة سياسيّة لا تقول “نعم” أو “لا” إلّا بعد الذهاب بلبنان إلى حافة الهاوية!

 

لم يشهد لبنان في تاريخه وجود طبقة سياسية كالتي يشهدها اليوم، تذهب به عند كل خلاف الى حافة الهاوية لتقول “لا” أو “نعم” ولكن بعد مرور وقت طويل يكون لبنان خلاله قد أُنهك سياسياً وأمنياً واقتصادياً. هذا ما حصل في الانتخابات الرئاسيّة التي ظلّت هذه الطبقة تقول “لا” للعماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. وعندما بلغ لبنان حافة الفراغ قالت “نعم” ولكن بعد مرور أكثر من سنتين ونصف سنة. وها هي الآن تفعل الشيء نفسه لاجراء انتخابات نيابية على أساس قانون عادل ومتوازن، وهي تختلف على تفسير كيف يكون عادلاً ومتوازناً، الى أن قالت “نعم” لقانون النسبية بعد خلاف دام أكثر من ثماني سنوات، وبعدما كاد لبنان أن يصل إلى شفير هاوية الفراغ الشامل. وهذه الطبقة ذاتها كانت قد قالت “نعم” لقانون الستين في مؤتمر الدوحة واعتبرته يستعيد حقوق المسيحيين. وعندما لم تعجبها نتائج الانتخابات التي جرت على أساسه صار هذا القانون ملعوناً ولا يستعيد هذه الحقوق. ثم راحت تتخبّط في خلاف على قوانين أكثرية ونسبية ومختلط وتأهيلي الى أن اتفقت على النسبية بـ15 دائرة ولكن بعدما كاد لبنان أن يواجه خطر الفراغ الشامل والقاتل والوضع الاقتصادي الانهيار، في حين أن الموافقة عليه كان ينبغي أن تتم عندما تقدّمت به حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ولا أحد الآن يعرف متى تتفق الطبقة السياسية الغريبة الأطوار على نقل مقاعد نيابية من منطقة الى أخرى لدوافع مذهبية وعلى الصوت التفضيلي وفي إطار أي دائرة وأي مذهب… وكأن لبنان لا يتحضّر لالغاء الطائفية تنفيذاً لما نص عليه الدستور، إنّما للعودة إلى آفة الطائفية البغيضة خلافاً لما كانت عليه الطبقة السياسية في الماضي، التي جعلت الصراع في ما بينها سياسياً وليس طائفياً. ففي معركة الحصول على الاستقلال كان طرف يحاول كسب نواب يؤيّدون الحصول عليه من دون شروط وطرف يحاول كسب نواب يؤيّدون الاستقلال ولكن بشرط عقد معاهدة مع فرنسا لحمايته. وعند قيام جامعة الدول العربية حاول طرف كسب نواب يؤيّدون انضمام لبنان إليها وطرف آخر حاول كسب نواب لا يؤيّدون انضمامه ترجمة لمبدأ “لا شرق ولا غرب”. وعندما انقسم السياسيون بين مؤيد لـ”التيار الناصري” ومناهض له، تنافست اللوائح في الانتخابات بين هذين الخطين. وفي انتخابات لاحقة تنافست اللوائح بين مؤيدي بقاء الوصاية السورية ورافضي بقائها. لذلك ينبغي أن تخاض الانتخابات النيابية المقبلة ليس على اساس مذهبي تحقيقاً للمناصفة، إنّما على أساس وطني وسياسي بين لوائح تدعو إلى قيام دولة قويّة سيدة حرة، لا دولة سواها ولا سلاح غير سلاحها، ولا تكون منحازة لأي محور، ولوائح تدعو إلى ذلك. فلا معنى إذاً للخلاف على نقل مقاعد مسيحية من مناطق ذات غالبية مسلمة، لئلا يقابل بنقل مقاعد مسلمة من مناطق ذات غالبية مسيحية، فيصبح مجلس النواب المنبثق من انتخابات كهذه مجلساً ملّياً أو مجلس فيديرالية طوائف يهدد العيش المشترك والوحدة الوطنية والسلم الأهلي، فلا يظل لبنان عندئذ وطن رسالة كما أراده بابا الفاتيكان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*