طاولة مستديرة في الحركة الثقافية- أنطلياس: مفكرون وعلماء اجتماع وفلسفة يحاورون في رواية “آخر الأراضي” لأنطوان الدويهي

 

النهار – ثقافة
24022018

شهدت الحركة الثقافية- أنطلياس لقاءً بعنوان “مفكّرون وعلماء اجتماع وفلسفة يحاورون في رواية أنطوان الدويهي “آخر الأراضي”، شارك فيه كلّ من أنطوان سيف وملحم شاوول ومحمود حيدر، وأداره فرنسوا قزّي، في حضور جمع من المثقفين، أدباء ومفكرين وأساتذة جامعيين ومهتمّين. وقد دارت الحوارات حول الرواية في صورة خاصة، في ضوء مفاهيم برغسون وسارتر وبارت وفرويد وراسين وإلياد وأبيقور وهولدرلن وهايدغر وابن عربي وأبن جنيّ . سبق أن كانت رواية “آخر الأراضي” موضع حوارات في لقاء ضمّ “موسيقيين ورسّامين” في قصر الكبرى في إهدن، الصيف الماضي. ثم في لقاء آخر في كلية اللغات في الجامعة اليسوعية، هذا الخريف، شارك فيه “كتّاب ورحّالة”.

نهر الأعماق

في مستهل لقاء أنطلياس، أشار قزي إلى زمن حركة الوعي، زمن بيروت المتألقة الثقافة، الناهضة، المفعمة بالحراكات الحيّة، التي ضربتها حرب 1975 وما حملته من كوارث، قائلاً : “الكلام على الصديق أنطوان الدويهي، كلام على تاريخ يختزن أصوات الحناجر وحبر البيانات، وصراخ الساحات، وهزيج الانتصارات، وخيبات الهزائم، وعبثيات السهرات، والحوارات الصاخبة. في زمن الأحلام المتهاوية عند حصون البنادق وعصف الرياح العاتية “، مضيفاً: “كانت الطرق خالية من المارة، وأضواء الشوارع خافتة تنوس تحت عبء سنوات قاسية، وألسنة النيران تلتهم قلوبنا والبيوت، وتلوح في الأفق، من بعيد، سفن الرحيل تتمايل فوق أمواج الهلع، واليأس، تحملنا الى دنيوات بعيدة، يغيب فيها الزمن والتاريخ (…) هذا المشهد الموجع حجب صورة الصديق أنطوان عندما انتقل إلى باريس”.

وبعدما رسم صورة أنطوان الدويهي، في مساره العلمي في مدينة السين، وفي أعماله الأدبية، الشعرية والسردية، وفي مؤلفاته الفكرية، وصفه بأديب “خارج التصنيف الأدبي الفني الكلاسيكي”، وبـ”شاعر الأعماق والذاكرة، ذي المخزون الفكري والشعوري الثري، الذي نهر الأعماق عنده لا ينضب”، وقد “أُثرته الثقافات، والأسفار، والعلاقات البشرية المتنوّعة، وأخصبت تجربته الفنية”.

في “الموت الاختفاء” والكتابة الابداعية

بعدها توالت المداخلات الثلاث ، لكل من أنطوان سيف وملحم شاوول ومحمود حيدر (الذي تغيّب عن الندوة لسبب طارئ، فقرأ كلمته فرنسوا قزي). واللافت أن المشاركين الثلاثة أضاؤوا على الرواية من ثلاث زوايا جد مختلفة، مما أغنى اللقاء: سيف عبر هاجس “الموت الاختفاء” الذي يسكن الراوي، شاوول من خلال نظرية فرويد “البحث عن الشيء المفقود”، وحيدر من طريق النظرة الميتافيزيقية إلى رواية الدويهي.

رأى أنطوان سيف أن مفتاح رواية “آخر الأراضي” يكمن في الفصل 17، خصوصاً النص الواقع بين الصفحة 141 والصفحة 145 منه، حيث يربط الراوي هاجس”الموت الاختفاء” بالطقوس الجنائزية لمرحلة زمنية بعيدة، جد مضطربة، شهدت الكثير من أعمال القتل، رافقت سني حداثته، حيث كان يلازمه على الدوام التساؤل الاتي: “كيف يمكن الوالد البقاء حياً بعد موت ولده؟”. ومع الوقت أدرك ان الوالد، المتشح بالسواد بقية عمره، ليس حيّاً حقاّ، بل هو ميت، بصورة مختلفة، منذ اللحظة التي رأى فيها جسد ابنه الهامد. و”حين دخل القاعة ونظر إلى ولده، شعر أن هذا الكائن المسجّى هنا، الشاحب الوجه، المطبق العينين، الأزرق الشفتين، المتحوّل الملامح، ليس ولده، فولده شخصٌ آخر”. ويتابع الراوي: “وقد أحدث هذا الانفصال المفاجئ، المهول، بين جسد الميت وابنه، في وعيه وذاكرته، ما يشبه الزلزال المروّع، في نفسه. فاستغرب كيف أن احداً لم يرَ ما يحدث له، وكيف أن أحداً لم يشهد هذا الانطفاء العظيم الذي أصابه، وهذا العدم الداهم الذي اجتاحه إلى غير رجعة”. فالموت الذي ماته الوالد هو غير توقف الحياة في الجسد، بل أكثر هولاً بكثير. وما أصاب الوالدة هو أكثر فظاعة أيضاً…في حوار ليليّ له مع حبيبته كلارا، خلال رحلة بحرية إلى مرفأ راسكوف، يقول الراوي امام المحيط المضطرب: “من بين كل أشكال الموت، أختار “الموت الاختفاء”. أي الموت الذي يختفي فيه الجسد نهائيّاً، بحيث لا يراه أحد من بعد، وليس ما يؤكّده او ينفيه، فيبقى هكذا في حال الشكّ إلى الأبد”. لم تنبس كلارا ببنت شفة. لكن هاجس “الموت الاختفاء” ولج نفسها عميقاً. ويلعب “الموت الاختفاء” دوراً محوريّاً خفيّاً في البنية الدرامية لرواية “آخر الأراضي”.

لكن أنطوان سيف تخطى في مداخلته البنية الدرامية، محاولاً الوصول إلى جوهر كتابة الدويهي. يلج من معرفة الدويهي الأنتروبولجية، وضلوعه في علم التثاقف (تفاعل الثقافات)، ليرى في “آخر الأراضي” تيمتين أساسيتين : الهجرة والموت، مستعيداً ظاهرة الدياسبورا اللبنانية. ويذهب أبعد أيضاً، مستعيناً بما ورد في لقاء الراوي مع طلاب “المعهد الملكي” بعنوان “زائر من الشرق”، الذي “استفاض فيه حول: ماذا أكتب؟ لماذا اكتب؟ كيف أكتب؟ وكأنه “يستخرج” لنفسه ما يستدخله ويحرص على هويته الجوهرية الداخلية، او ما يسمّيه “أدب الأعماق “، ويدلّ به قارئه إلى هذه الرواية، ولكل مؤلفاته السابقة، النابعة ممّا يسميه “اليوميات الداخلية” لديه، وهي ذكريات/مذكرات لا موضوع مسبقاً لها”. ويرى سيف ان هذا المنحى الأدبي هو “استبطان الدواخل الذاتية، أو “الحياة الداخلية” كما سمّاها برغسون، التي تشوّهها أدوات المراقبة ومباضع التحليل التي تدّعي الموضوعية”. ويتوقف سيف عند قول الراوي: “علاقتي بالأمكنة والغائبين والأموات توازي علاقتي بالأحياْ، بل تفوقها”. ويضيف سيف في هذا المجال: “الحياة الداخلية” لها أتراب قليلون، نخبة. لا يحتاجون دوماً إلى أحداث خارجية متعاقبة كي يبدعوا. ألم يقل راسين مرّة أن الكتابة المسرحية الابداعية هي ان تعمل تحفة من لا شيء؟ والكاتب الجيّد، كما قال الدويهي، لا يسرد، لا يؤرّخ، لا يصنّف… أدبه هو في “ما وراء السبب”. ويستعيد سيف عبارة رولان بارت، قائلاً: “إنه ادب الدرجة صفر من الكتابة، أو هو الكتابة في الدرجة صفر، الوحيدة الابداعية”.

بحثاً عن الشيء المفقود

جاء في مداخلة ملحم شاوول: “ما عساني أن أقول في “آخر الأراضي” بعد أن قيل فيها وعنها كل شيء! تخيّم هذه الرواية على سماء بيروت الأدبي منذ نحو سبعة أشهر. فما عسى عالم الاجتماع ان يقول بعد ان تمّت مقاربة هذا النص، أدبياً وجمالياً وشاعرياً وفلسفياً، وحتى لاهوتياً وصوفياً؟ قلت في قرارة نفسي: “بغضّ النظر عن جميع تلك المقاربات، ما الذي لفتني أكثر في هذه الرواية؟ بعد ان قرأت الكتاب مرتين بعيون سوسيلوجية، وجدت نفسي أتساءل: لماذا هذا الكمّ من الشخصيات النسائية في المسار السردي لـ”آخر الأراضي”؟ ما هي وظائف هذه الشخصيات في عمل الذاكرة وفعل توارد الأفكار وسيرورة التأمّل والبحث الذاتي؟ وشيئاً فشيئاً أصبح التساؤل: ما هي علاقة الشخصيات النسائية في عملية البناء القصصي واستشارة عالم المؤلف الخيالي؟ يمكن اختزال المشهد بالشكل الآتي: امرأة (غالباً اجنبية) لا يعرفها، تذكّره بامرأة أخرى عرفها في موطنه الأصلي، وهذه تذكّره بحكاية او قصة امرأة أخرى. يوحي المشهد بأنه خلف كلّ شخصية نسائية، شخصية نسائية أخرى، أما تحجبها أو تكون مدخلاً إليها”.

ثم راح شاوول يعدّد الشخصيات النسائية الواردة هنا وهناك في الرواية، بادئاً بكلارا “محور الرواية، الغائبة الحاضرة، قاطرة الآلية السرديّة، والفاعل الأساس في عالم الروائي، المتخيّل والواقعي”، إلى سلمى فرح التي دهمها الموت المفاجئ في مستهل الرواية، إلى سارة، صديقة كلارا الوحيدة والباحثة معه عنها في غياهب اختفائها، إلى عشيقة الكاتب المسرحي المسنّ، التي انتحرت في ربيع صباها، إلى نساء القطار العابرات، اللواتي يظهرن ثم يختفين بلا عودة، وسواهنّ أيضاً… وصولاً إلى شخصية الأم، الحاضرة هي أيضاً في حنايا الرواية، والتي يسلّط شاوول الضوء بقوة عليها. لماذا؟ لأنه يجد فيها مفتاح فهم الرواية، مستعيناً لذلك بـ”نظرية الشيء المفقود” لدى سيغموند فرويد، فيذكر في ذلك: “هذا التلازم برأيي بين ملاقاة كلارا وصورة الأمومة ذكّرني بنظرية من أهم نظريات فرويد هي “نظرية الشيء المفقود”، التي تنطبق على المعنى العميق لهذه الرواية. يعتبر فرويد أن العلاقة المؤسسة للعلاقات البشرية هي العلاقة الغرائزية العاطفية الأولى للطفل بأمه، لأنها مصدر الغذاء والبقاء على قيد الحياة. والنمو الطبيعي للطفل ما هو إلا آلية متدرّجة، يتمرّس من خلالها على فقدان هذه العلاقة التأسيسية. المسار العاطفي للإنسان في حياته ليس إلا مساراً بحثيا تعويضياً عن “الشيء الدفين المفقود”. العلاقات التي سوف ينسجها الإنسان لاحقاً، مراهقاً كان أم راشداً، لا تغدو كونها إعادة ترميم علاقة أوّلية، وهي ليست علاقات جديدة حقيقية. ينتقل الشخص من العيش مع مبدأ اللذة إلى العيش وفق مبدأ الواقع، فيتأقلم مع حالة الانسلاخ عن الأمومة، ويبني علاقات واعية ومعقلنة”.

ينهي شاوول مداخلته بأن رمزية رواية “آخر الأراضي” التي تكثر فيها الشخصيات النسائية إنما تكمن “في معنى البحث عن كلارا” المفقودة، التي هي “الشيء المفقود” في نظرية فرويد. والبحث عنها إنما هو بحث عن “زمن الأمومة المثلى الحنونة المحبة”، وإن وجدها في النهاية، “ولو منهوكة، مريضة، إنما على قيد الحياة”. ويستعيد شاوول حلماً رهيباً ورد في الرواية يحكمون فيه على والدة الراوي، الطاعنة في السنّ، بالاعدام شنقاً، بلا سبب، وعلى نحوٍ بالغ العبثية والغرائبية، ليستنتج أن شنق الأم في الحلم هو الذي أفسح المجال للقاء كلارا. وختم: “وهذه الرواية ما هي إلا ترجمة لهذا اللقاء”.

قراءة ميتافيزيقية  

من مكان جد بعيد عن فرويد والتحليل النفسي، أطل محمود حيدر على الرواية بكلمة عنوانها “الأراضي الأخيرة لأنطوان الدويهي، أو البحث عمّا يتخطى ميافيزيقيا الماهيات الزائلة”، استهلها بما يأتي: “لمّا قرأتُ روايتَه “غريقة بحيرة موريه” أوقفني فيها جاذِبُ الماء. ذاك الذي استجابَ لرغبةِ العشيقين بتحصيلِ الرمق الأخير من عذوبةِ الموت. ومِن قبلِ أن أجلُسَ الى “الأراضي الأخيرة” كنت أحسِبُ أني لن أفارقَ ما آنسْتُ اليه قبل سنة ويزيد. لكأنَّ السرديتين وما مرَّ قبلَهُما هي حلقاتٌ تتواترُعلى خطِ تصعيدٍ ميتافيزيقيٍ لا انتهاءَ له”.

لا يتوقف محمود حيدر عند نفي الدويهي، في حوارات منشورة له، أي غاية فلسفية لأعماله الأدبية. فالمعنى الجوهري لكتابات الدويهي إنما هو، في نظر حيدر، انتشال الأشخاص والأمكنة من ماهياتها الزائلة، لإدخالها ماهيتها الأبدية. فهو يقول بهذا الشأن: “ما همّ إنِ اكتتمَ الراوي ميتافيزيقاه، أو إن جهَرَ بما لا يشي بمثلِ هذا النعت. ولكنْ هذا سمتُه. فإنه سيمضي بأماكنِهِ وشخوصِهِ الى ما يتعدى الماهيات الزائلة، ثم لينُشِئَها على نِصابِ البقاءِ المحفوظِ بالأبدية”.

ويرى حيدر بأن “آخر الأراضي” تنطوي على “وجودانية حائرة”، وينظر إلى “الموت الاختفاء” الذي يحكم الرواية، بأنه يعني في عمقه مواجهة “العدم الوجودي بعدم فيزيائي. حتى لا يبقى للجسد من أثر، يدلّ عليه شاهدُ قبر”. لكنّ “موت الاختفاء” لا ينشد العدم حقاً، فهو “موتٌ مركّب بين محوٍ تام للجسد، وتوق إلى تحصيل الاجابة عن السؤال الأصل : لماذا كان الوجود بدلاً من العدم؟”. فالراوي يذكر صراحة بأن “كشف سرّ الموت” هو إحدى مهمات حياته الأساسية (صفحة 149)، ثم يضيف بأن: “كشف هذا السر ليس بالأمر المستحيل، إنه مخفيّ في مكانٍ ما في داخلي”. “من هذا الإعراب”، يقول حيدر، “تبتدئ الحكاية الميتافيزيقية لصاحب “آخر الأراضي”. ففي داخل الحكاية، لا ينفصل الموت، بعلانيته أو خفائه، عن الإحياء الجميل لذات النفس”.

ويتوقف حيدر عند ذكر الراوي بأن كشف السر يكمن في أعماق “التجربة الجمالية”، فيقول حيدر بهذا الصدد: “في التجربة الجمالية الكبرى ينفسِحُ الطريقُ الموصِل الى السِر. يسرُّ الراوي لصديقتِه انَّ الأرضَ التي يُمكِنُها احتضانَ السِر لا تنقشِعُ إلا في التجربة الجمالية وهي في أقصى توتُرَاتِها واحتِدَامِها. كما لو كان عليه أن يدفعَ شغَفَهُ الميتافيزيقي الى أرضٍ قُدسية تنقشِعُ فيها الرؤيا ويطلَعُ منها السِر. واللاَّفتُ انَّ المُتكلِّمَ، لا يجدُ، إلا في موتٍ مُتعَدٍّ لشعائرِ الاحتفاءِ بالجسد، سبيلاً الى تلكِ المطارحِ القصيِّة. يبحثُ أنطوان الدويهي عن ذاكَ الشيء المُفارِق والمهول الذي تحدّثَ عنه عظيمُ شعراء الألمان، فريدريك هولدرلن (1770-1843). فالمهولُ عند هولدرلن هو اللحظةُ المكانية والزمانية التي يجتمعُ فيها الله الى الإنسان، حيث تتحِدُ القوةُ الطبيعية مع الجزء الأكثرَ بُطوناً في كينونة الإنسان”.

ويضيف حيدر: “لست أريد من هذا أن آخذ بناصية الراوي إلى مقام اللاهوت. مع أنني لا أجد في زهديته السارية بخفر في ثنيات السرد سوى تظهيرٍ لا إرادي لميتافيزيقيا تتوهّج بلمح باطني، ينبجس من اعماق الوجود”.

ويتوسّل حيدر مفهوم المقدّس عند ميرسيا إلياد، ونظرة أبن جنيّ إلى مجازية اللغة، وموقع المجاز في عالم العرفان، وانشغال ابن عربي بالمعرفة بعين الباطن، وبالكشف والتجلي الإلهي لدى أهل الأسرار، وصولاً إلى كتاب وولتر ستيس “العِرفان والفلسفة”، ليبيّن جانب الاستبصار والحدس، الذي يطغى على جانب المنطق البحت في كتابات الدويهي.

ويخلص إلى القول: “لغة السرد في “آخر الأراضي” متاخمة لحقيقة حضورية تروح اللغة تظهرها وتمدّها بروحانية مُفرِدَة”. ويذكر في مكان آخر: “لغة أنطوان الدويهي هي هكذا… تُعرِضُ عنك إن لم تتخذها مُنفسَحَاً للتأويل. ذلك أن مهمة اللغة في توترها الميتافيزيقي هي تأسيس الوجود كله باللغة، كما يقول هايدغر”. ليخلص حيدر في الختام إلى ما يأتي: “في “آخر الأراضي” تراجيديا تحث الخطى بالسرد الروائي، من أجل العثور على تفسيرٍ أنطولوجي لجوهر الإنسان التاريخي”، لكنها في الوقت عينه، “تدعوكَ إلى مسرب مفارق لما عَهَدتْهُ في ميتافيزيقيا الغرب، حيث توقف هناك البحث عن الخلاص عند باب العدم”. ذاك أن التجربة الوجودية والجمالية في “آخر الأراضي” لا تفضي إلى العدم قطّ.

وحدة الأحياء والأموات وأشياء الطبيعة

في الختام أشار أنطوان الدويهي إلى أمرين: الأوّل، أنه يجب التمييز في رواياته ومجمل أعماله الأدبية، بين المؤلف والراوي. فعلى الرغم من التشابه بينهما في سمات عديدة، فهما ليسا الشخص نفسه. فعلى سبيل المثال، لا الحصر (لأن هناك أمثلة كثيرة على ذلك)، في رواية الدويهي، “حامل الوردة الأرجوانية”، يكتب الراوي العمل الروائي بكامله من داخل السجن. وقد ظنّ العديد من القرّاء في العالم العربي، أن الدويهي كان مسجوناً، بينما هو لم يعرف السجن ولا مرّة في حياته، بل هو بعيد للغاية عن عالم السجون، كونهم وقعوا في خطأ الدمج بين الراوي والمؤلف. اما الأمر الثاني، قال، فهو أن المرأة لا تحتل اهمية أكثر من سواها في أعماله الأدبية. في “آخر الأراضي” هناك الكثير من الرجال أيضاً، الذين لا يقل عددهم عن النساء، كما أرجّح. كما هناك علاقة حب وحيدة في الرواية، لا أكثر. لكن المسألة ليست هنا قط. فـ”الراوي”، قال الدويهي، يتخطى إلى حد بعيد مسألة الرجال والنساء، إذ لا يميّز في علاقته ورؤيته، بين الأحياء والأموات والكائنات والمشاهد المختارة من أشياء الطبيعة، التي هي موحّدة لديه، وتشكلّ كلها شخوصاً فعلية في الرواية. وأعطى مثلاً على ذلك علاقة الراوي بشجرة الحور، أمام صالة الشاي قي حديقة لوتيسيا، في “آخر الأراضي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*