ضيَّعتم لبنان الفريد ودورَه الكبير!

الياس الديري
النهار
05092017

ليس بدافع الرغبة في بقِّ البحصة، أو الإساءة وتحميل المسؤولية لهذه الطائفة أو تلك الفئة، إنّما في سبيل التوعية والتنبيه الى أنَّ الخسائر الفادحة والكاسرة للظهور التي ألحقت بلبنان أصابت أيضاً “البعض” في الصميم، وأنزلت بلد النجوم عن الرتبة المفردة التي كان يحتلّها. ها هو واقع الحال.

أجل، لقد فعلوا ما لا يُفعل، وما لا يجوز أن يُفعل… حتى انهار لبنان بكل ما فيه، وبكل ما يتميَّز ويتزيّن به. بل حتى خسر كل شيء، وكل ما كان يمثِّله بالنسبة الى العرب والى الغرب أيضاً. كان الشقيق المدلّل، فصار الشقيق المُهمل. وكان، على صغر حجمه، “نجمة” الغرب في الشرق، فصار يبغي الحماية من هنا وهناك، حتى كانت له المظلّة. وهيهات…

وليس حبَّاً به بقيت هذه المظلّة، إنّما حرصاً على النموذج التعدُّدي الذي يكاد يصبح أثراً بعد عين، وفي منطقة أكلت دولها نفسها من غير أن توفِّر حتى العظام.

بصراحة وديَّة، معظم هذا الكلام مليء بالعتب والغضب، وتحميل المسؤولية لقادة وسياسيّي الطائفة التي أُعطيت السلطة بكل ما فيها لتصنع، بعد الانتداب ومسلسل العذاب، وطناً نموذجياً مثالياً بديموقراطيته، بتعدّديته، بانفتاحه، بفرادته، بدور الوسيط الفعّال بين الشرق والغرب اللذين قال عنهما ذلك اللورد الانكليزي انهما لا يمكن أن يلتقيا.

من الصعب أن يتوجّه المرء بكل هذا الفيض من المصارحة الى جهة غير “واضحة”. ومن الصعب أكثر عدم التوجّه بكل الكلام، وكل ما فيه الى مسيحيّي السلطة من أعلى الهرم الى أسفله، مع مسؤوليَّة هذا الانهيار المريع.

لكنَّ الشهود حاضرون للادلاء بشهاداتهم الصارمة والصادمة. فالصراع على الكرسي الأولى، وما يليها وما تحمل، جعل القيادات والزعامات تدخل البازارات، فتبيع وتشتري. وليحدث ما سيحدث. وليصبح حجم المسيحيّين اللبنانيّين في الزاوية، فيما الفئات والطوائف الأخرى باتت هي الآمر الناهي… من غير أن يهتزَّ جفن لأكلة الجبنة في الأعالي.

لقد طغت الرغبة في المناصب والمكاسب، والمزيد من التمديد في حقولها الخصبة، على كل ما عداها. فأُهمِلَ لبنان وضاع الوطن الرسالة، والنموذج النادر الوجود.

أُعطوا كل شيء. وأعطاهم لبنان كل ما عنده. فأعطوه الثورات البيضاء والحمر والحروب، فضلاً عن الفراغات والاستهتارات. والحبل على الجرار. وأسلوب السلطة في سبيل المصلحة الشخصانية مستمرٌّ على قدم وساق وفخذ. هذه الحقائق مجرَّد عناوين مهذَّبة لفظائع ضيَّعت لبنان ودوره الكبير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*