ضيف النهار: قبيل انعقاد مؤتمر بروكسل

 

3 نيسان 2017

فيما يدخل الصراع في سوريا عامه السابع، يواجه لبنان تحديات إجتماعية وإقتصادية وأمنية وديمغرافية هائلة. يستضيف لبنان أكثر من مليون شخص هربوا من الصراع العنيف في سوريا، فضلاً عن التباطؤ الإقتصادي مما شكلّ ضغطاً كبيراً على موارده وبنيته التحتية المحدودة. وعلى الرغم من ذلك ظلّ لبنان ثابتاً في إستضافة من هم بحاجة. وفي حين لا تلوح في الأفق أي بوادر لنهاية الصراع، كيف سيواصل لبنان التأقلم مع هذه الأزمة؟
لقد قطع لبنان شوطا كبيراً منذ بداية الأزمة في العام 2011 منتقلاً من تقديم المساعدات المنقذة للحياة لمن هم في حاجة إليها، الى دعم المجتمعات المضيفة أيضاً. معاً ضمنا تأمين المساعدات الغذائية للأكثر ضعفاً، وفي الوقت نفسه تحسين شبكة توفير المياه ونظم إدارة النفايات الصلبة للبلديات في المجتمعات المضيفة. وقد أدى استبدال المساعدات الغذائية العيّنية بالمساعدات النقدية الى ضخّ ملايين الدولارات في الأسواق اللبنانية المحلية مما عزز الإقتصاد المحلي.
منذ بداية الأزمة، حصل لبنان على دعم وصلت قيمته الى 4,9 مليارات دولار أميركي لمعالجتها. وفي العام 2016 وحده، حصل لبنان على أكثر من 1,5 مليار دولار، آتياً في المرتبة الثانية من حيث الحصول على الدعم بعد سوريا. ولكن للأسف، لم يكن هذا الدعم كافياً لمعالجة جميع ذيول الفقر والضعف المتصاعدين.
منذ العام 2014، تضاعف عدد الأشخاص الذين يعيشون بأقل من 2.9 دولارين يومياً ليصبح 1,2 مليون شخص. بالكاد يستطيع الناس العيش بهذا المبلغ الزهيد، في حين يغرق نحو 300 ألف لبناني وأكثر من مليون لاجئ سوري في دوّامة من الديون لا يستطيعون الهروب منها. وتبقى البطالة من المسائل الأكثر إلحاحاً للمجتمعات المضيفة واللاجئين على حدّ سواء، لا سيما بين الشباب مما يجعلهم أكثر عرضة للإنخراط في نشاطات غير قانونية ومتطرفة وعنيفة.
إن تجذر الفوارق الإجتماعية والإقتصادية فضلاً عن البنية التحتية والخدمات المرهقة، تخلق مخاوف مشروعة حول السلامة والأمن والوظائف مما يؤجج عدم الرضى والتوترات الإجتماعية. ففي غالبية البلديات التي زرتها تكررت الشواغل والشكاوى نفسها مراراً وتكراراً: الناس يريدون المياه وأنظمة مناسبة للصرف الصحي والمدارس لأولادهم وفرص العمل. ففي عرسال مثلاً تلوّثت المياه الجوفية بالصرف الصحي لأن البنية التحتية المحلية، غير الكافية لتلبية حاجات السكان المحليين، تعجز عن استيعاب المزيد من مياه الصرف الصحي الآتية من المخيمات غير الرسمية للاجئين. وقد تسبب هذا الأمر بتصاعد التوترات التي اذا ما لم يتم معالجتها على الوجه الصحيح، قد تؤدي الى تصاعد العنف. عرسال ليست المثال الوحيد.
يجب ألا ندع الضيافة اللبنانية الأسطورية تتحول إلى “ضيافة مرهقة”.
إن التضامن الدولي ضروري أكثر من أي وقت مضى ويجب تعزيزه. ولا بد من إستمرار المساعدات الإنسانية وتثبيت الإستقرار، إلا أنه يجب المضي قدماً في التحوّل من الحاجات الإنسانية الى الحاجات التنموية بما يشمل دعم لبنان وإقتصاده كبلد مضيف.
يجتمع الأسبوع المقبل في بروكسل أكثر من سبعين دولة ومنظمات المجتمع المدني والإتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لمتابعة التقدم المحرز منذ مؤتمر لندن العام الماضي. سوف نعيد التأكيد على دعم المجتمع الدولي في معالجة التحديات الأساسية التي لا تزال قائمة في سوريا والدول المجاورة. كما سيشكل المؤتمر فرصة مهمة لتقديم لبنان كمثال ولتبني طريقة جديدة للعمل معاً. بالنسبة الى لبنان، هذا يعني تجاوز الجهود الإنسانية القصيرة الأمد وتثبيت الإستقرار والمضي نحو جهود طويلة الأمد مع التركيز على النمو الإقتصادي وخلق فرص عمل.
وقبل انعقاد مؤتمر بروكسل، أعلن رئيس الحكومة أنه سيقدم رؤية تهدف الى تحقيق الإستقرار والتنمية من خلال برنامج إقتصادي طويل الأمد، في مقدمته سلّة من المبادرات ذات الأولوية المتعلقة بالبنى التحتية. ويأتي هذا التحوّل في المقاربة في وقته إذ سيسمح لنا بالعمل معاً على معالجة الحاجات الأكثر إلحاحاً للاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة المتأثرة بالأزمة السورية.
إن تحويل الأزمة الى فرصة، والدعم الفعلي للإصلاحات الأساسية والإستثمارات الهادفة الى خلق فرص عمل، وتطوير الإقتصاد يتطلب منا جميعاً العمل معاً – مجتمع المعونة الدولية والحكومة والقطاع الخاص-. وسيتطلب الأمر ابتكاراً في التمويل والنهج على حدّ سواء. أما بالنسبة الى الشركاء في تقديم المعونة، فيجب تجاوز التمويل عبر المنح التقليدية والسعي الى استثمارات مبتكرة والإنخراط مع القطاع الخاص.
نحن أمام منعطف حرج ولكنني مؤمن بأننا نستطيع النجاح معاً. وإذا ما نجحنا، سيصبح لبنان منارة للاستقرار والتقدم والازدهار معروفاً بانفتاحه وسهولة ممارسة الأعمال التجارية والابتكار. سيتمكن لبنان من توفير فرص ليس فقط لمواطنيه وشبابه، وإنما أيضا لأولئك الذين يسعون إلى مأوى موقت فيه، مما يمكنهم من العيش بكرامة ويعدّهم للمساهمة في إعادة بناء بلد اهم عندما يستطيعون العودة إليها. إن الحفاظ على استقرار لبنان يعني الحفاظ على التسامح والتنوع في المنطقة. فاليوم، أكثر من أي وقت مضى، يجب أن يتطابق الدعم الدولي مع كرم لبنان كبلد مضيف.
فلنعمل معاً من أجل مستقبل أفضل للبنان والمنطقة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*