ضياع و”صمت قاتل”… لوحات تنطق بقصة الـ”هوليداي إن” في الحرب

لِمَ الحديث اليوم عن مبنى فندق “هوليداي إن” الشهير بجدرانه المثقوبة وهيكله الخاوي؟ الجواب العفوي “ان هذا الشاهد الحي، في وسط بيروت بقي هنا ليذكرنا ببشاعة الحرب المجنونة، التي سرقت احلام جيلنا، جيل الحرب المجنونة. اما الجواب المنطقي فيكمن في مبادرة فردية ارادها الرسام البريطاني توم يونغ تخليداً لهذا المكان الذي يعج بذكريات بشعة ومحزنة هي جزء لا يتجزأ من تاريخ لبنان المعاصر”.

وجع “المتطفل”

ما غاية هذا البريطاني “المتطفل”، وكيف جسّد ذلك الفندق في لوحات جاءت في محتوياتها “العين الثالثة” لما رآه داخل طبقات  “هوليداي إن”؟ يبتسم على وصفه بالبريطاني المتطفل قائلاً: “تساءلت مراراً كيف يمكن ان يشهد لبنان، هذا البلد الرائع، مرحلة بشعة تشبه كابوس الحرب التي وقعت هنا”. يصمت قليلاً ليكمل شرحه، مشيراً الى أنه “اختبر الألم والوجع في حياته عندما غادرت والدته هذه الحياة الفانية في ظروف خاصة”. قال بغصة: “كنت صغيراً، وكان وقع هذه الفاجعة موجعاً جداً عليّ وعلى افراد عائلتي. أدركت هنا معنى الوجع، أتعاطف معه، أحكي عنه، أحيه من ذاكرة النسيان..”.

زاد يونغ ولعه بلبنان عندما تزوج من نور حيدر، إبنة البلد التي دفعته “لا ارادياً” الى “ارشفة” كل ما هو مهم او غير اعتيادي في وطنها.

هنا الهوليداي!

شكل دخول يونغ الى الفندق، الذي بات أحد الرموز الأساسية للحرب، مغامرة بحد ذاتها. فقد فرض ذلك عليه اجراء سلسلة من الاتصالات للوصول الى غايته. دخل المكان وعاين طبقاته كلها، شعر بالفراغ القاتل في الداخل، ادرك الجراح العميقة التي ما زالت قابعة هناك.

بتجرد، جلس يونغ في الطبقة العلوية ليرسم احياناً، في المكان الذي كان يوماً ما مطعماً فاخراً يرتاده اهل بيروت. رسم الفندق بالأسود والأبيض، ووضع النفايات قرب المكان وكأنه يلمّح الى أن ندوب الحرب ما زالت هنا، والمصالحة الحقيقية لأخذ العبر وطي هذه الصفحة ما زالت عالقة”. بالنسبة اليه، “تعج بعض اللوحات بالألوان الصاخبة، المجنونة، كأنها تنذر بـ”ضياع” من هم داخل الفندق كأنهم يدورون حول انفسهم، لا بل حول دوائر فارغة من الانسانية”.

عمد يونغ الى رسم لوحتين بلون جاف، كأنه ينقل لنا “الصمت القاتل” الذي يجد المرء فيه نفسه وحيداً. نظر الى مسبح فارغ من الماء لم يتسن لأي ضيف ان يسبح فيه ولو لمرة واحدة!. ماذا بقي في اللوحات؟ قال يونغ انه حاول ترجمة ما وجده على بعض الحيطان من تخليد اسم احد المقاتلين او حتى توقيع “القناص” الذي ربض هنا لقتل بعض المسلحين او المارة في الشارع الآخر. تحولت اللوحات، وفقاً له، الى نفق لا مفر منه، حكم على كل من يدخله، مسلحاً كان أو مواطناً عادياً، ان يقع رهينة المكان.

لم يستطع يونغ المكوث كثيراً في الفندق، خنقته وحشة المكان. حاول المستحيل ليكمل كتاب تاريخ هذا الفندق، إيماناً منه بأن الفن يعالج الألم والوجع، وهو مدخل لإعادة النبض للذاكرة. لكنه اصيب بخيبة كبيرة عندما لم تسمح له الظروف في اقامة معرض للوحاته داخل المبنى. يتوق كثيراً ليعرض هذه اللوحات لتكون شاهداً حياً للجيل الجديد لإخذ العبر وعدم تكرار المأساة.

الكتائب والجبهة الشعبية

لا يمكن ان ينتهي هذا الموضوع من دون التطرق الى يوميات معركة الفنادق من خلال نقل صورة المقاتلة في حزب الكتائب جوسلين خويري، التي التقطها المصور الشهير دون ماكلين وهي داخل “الهوليداي إن” ترمي على العدو في فندق “فينيسيا”. ابدى اعجابه بتلك المرأة الشابة المقاتلة الشرسة. وثق لحظات لقائها التي بدت فيه اكثر هدوءاً من اللحظات التي رآها فيها تقاتل دفاعاً عن المجتمع المسيحي.

اما حيدر عماشا، وهم من مجموعة “مقاتلون من اجل السلام”، فقد استعاد ذكريات الـ72 ساعة التي عاشها داخل الفندق بصفته مسؤولاً عن مجموعة مقاتلين تابعين للجبهة الشعبية. شدد عماشا على ان قرار الدخول الى “الهوليداي إن” وانهاء احتلال الكتائب له، جاء بعد حوادث السبت الأسود الدامية في مرفأ بيروت. وقال: “كنت موظفاً في المرفأ وشاهدت ما حصل، وهربت من هناك بأعجوبة. أنقذني صديقي إميل ج.”.

قال:” دخلنا الى الهوليداي ان في آذار 1975. رفضت كمسؤول عن المجموعة تنفيذ القرار الذي فرض علينا تفجير الطابق الثاني من الفندق، تسللنا من مسرح سان شارل الكائن في موقف سيارات “هوليداي إن”، وجاء المرابطون من جهة منطقة الحمراء الى الفندق، في حين عمدت القوات المشتركة الفلسطينية من جهة عين المريسة الى توفير تغطية دخول المسلحين”.

شدد على انه عاش أسوأ 72 ساعة في حياته، لأنه اجبر على حمل الجرحى الى خارج المبنى: “لم تسعف سيارات الاسعاف الجرحى، بل تحولت الى وسيلة لنقل المسروقات من الفندق. انسحبنا من المعركة لأننا شعرنا بوطأة الموت”. وصف ما عاشه قائلاً: “عندما يقصف أي مسلح قذيفة “ب 7” او “آر بي جي” ممر الطبقة ذاته ليصيب مسلحاً آخر تتحوّل الحياة الى جحيم. كان الجنون سيّد الموقف…”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*